محنة اليمنيين أعمق مما نراه

محنة اليمنيين أعمق مما نراه

محنة اليمنيين أعمق مما نراه

 لبنان اليوم -

محنة اليمنيين أعمق مما نراه

محنة اليمنيين أعمق مما نراه
عبد الرحمن الراشد

الجميع يتحدث عن اليمن، حيث صار أشهر العناوين في الإعلام العربي والدولي منذ أربعة أسابيع، مع بداية حرب «عاصفة الحزم»، لكن ما لا نراه ولا نسمعه كثيرا هو مأساة الشعب اليمني القديمة والمستمرة منذ أكثر من نصف قرن. هذا البلد الضارب في التاريخ يعيش أهله فقرًا وجوعًا ونقص تنمية لا تعرف مثلها معظم دول العالم، ويعاني أهله أزمة إنسانية صامتة لا تصلنا أخبارها.
وليست مشكلة اليمن استقراره، فقد عاش معظم تاريخه باضطرابات محدودة مكانيًا وزمانيًا، حتى بعد ظهور تنظيم القاعدة وحرب الدرون الأميركية المستمرة منذ سنوات، ورغم الحروب الوجيزة بين الحكومة والحوثيين. لكن معظم البلاد مغيب عن الحضارة، وسبق الفقر وصول علي صالح للحكم. واستمر اليمن لعقود دون تنمية، وهو الآن يقبع في قاع العالم، ويصنف من أكثر الدول التي تعاني مِن الفقر والجهل معًا. بدولارين يعيش نصف اليمنيين في الشهر. وهو من أكثر البلدان نقصًا في التعليم والتطبيب والخدمات. هذا البؤس عمره نحو خمسة عقود، وهو قضية أعظم وأخطر من الأزمة الطارئة التي نراها اليوم. ولا بد من القول إنه يستحيل أن يتغير حظ اليمنيين باستمرار النظام القديم وسلالته، وقد تكون الحرب الحالية المخرج من النفق اليمني الطويل، إن اهتمت الدول المعنية، من خليجية وغربية، بمشروع إنقاذ اليمن وليس فقط إنقاذ الحكم. وسبق للمجتمع الدولي، من حكومات وصناديق دولية، أن عقد مؤتمرات خاصة بمساعدة الشعب اليمني، قبل وبعد ثورته الربيعية، إلا أن نظام صالح كان يُفشل كل الجهود لتطوير البلاد عن جهل أو فساد أو نية سياسية. صالح ترك الحكم واليمن من القرون الماضية، خارج الحضارة والمدنية، وكانت حكومته تدير فقط المدن الرئيسية وتترك بقية البلاد لحكم القبائل.
اليمن في الستينات مر مثل كثير من الدول العربية بمرحلة الانتقال، سواء من حالة الاستعمار كما حدث لليمن في الجنوب، عام 1968، أو الانتقال من السلطة القبلية المغرقة إلى الدولة الحديثة، كما هو حال اليمن في الشمال في عام 1964. أيضا، ومثل ما مرت به الكثير من الدول العربية الجديدة من مخاض عسير، انحرف الاستقلال والتغيير نحو ديكتاتورية عسكرية أو آيديولوجية متطرفة. فيمن الشمال عاش مرحلة من الزمن في صراع على الحكم بين القوى المنتصرة نفسها، وتعاقب على الحكم فيه خمسة رؤساء في عقد ونصف العقد، ثم انتهى أخيرًا بوصول شخص بسيط الثقافة والتجربة، عسكري متدني الرتبة، ليصبح رئيسًا، وهيمن عليه ثلث قرن. أما يمن الجنوب، بعد خروج آخر بريطاني مطلع عام 1968، فقد وقع في براثن الشيوعيين، وهيمن على الحكم ماركسيون متطرفون، موالون لمعسكر الاتحاد السوفياتي. وصار اليمنيون يعيشون في يمنين، بشقي البلاد الشمالي والجنوبي، ويُحكمون من نظامين فشلا في بناء دولة حديثة، وبعد ما سمي بالوحدة تحولت البلاد إلى دولة فقيرة واحدة.
ولم تظهر بادرة أمل في التغيير إلا في عام 2011 عندما وصلت رياح ما سمي بالربيع العربي إلى صنعاء. أثار اليمنيون العالم، فقد كانوا أكثر المنتفضين العرب حضارية، وسارت الأحداث لعام ونصف العام بسلام حتى أجبروا صالح على الاستقالة، التي قدمها من قبيل المراوغة لشراء الوقت والبقاء في السلطة، لولا أنه أصيب في انفجار واضطر للخروج قسرًا ثم التنازل بضغوط داخلية وخارجية.
الحديث الطاغي سياسي وليس اقتصاديًا، وهذا أمر طبيعي، لأن مشكلة اليمن في إدارة الحكم وموارده. والحكم السياسي هو سبب فقر اليمنيين وجهلهم وإحباطهم. وصالح مشكلة كبيرة لأنه نجح حتى في إفساد الانتقال السياسي الذي هندسته الأمم المتحدة وبمتابعة دقيقة من دول كبرى، إضافة إلى رعاية كاملة من مجلس التعاون الخليجي، وكان يحمل وعودًا بتنمية اليمن. استمال القوى الأمنية والعسكرية التي كان يرأسها، وأشاع فكرة التمرد، وتحالف مع أعدائه السابقين الحوثيين وأسهم في تمكينهم من الاستيلاء على مدينة عمران ولاحقًا العاصمة صنعاء، وأوصل البلاد إلى حالة حرب أهلية وإقليمية كبرى.
الذي نتمناه أن يهتم العالم بإنقاذ اليمن من محنته الإنسانية، بتقديم الإغاثة إلى كل أنحاء البلاد، ووضع مشروع إنقاذ اقتصادي كبير، يتجاوز مرحلة الحرب وأهدافها الآنية، فاليمن بلد نفط وغاز وزراعة ويحتاج إلى فرصته للخلاص.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

محنة اليمنيين أعمق مما نراه محنة اليمنيين أعمق مما نراه



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 11:57 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 22:08 2021 الخميس ,04 آذار/ مارس

طريقة تصنيع كيك ناجح خفيف وطري وبسيطة

GMT 09:53 2020 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 04:26 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في لبنان اليوم السبت 31 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:04 2023 الأحد ,07 أيار / مايو

الأطفال في لبنان بقبضة العنف والانحراف

GMT 12:47 2020 الأربعاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

موديلات بروشات للعروس مرصعة بالألماس

GMT 07:39 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

زلزال بقوة 5.8 درجة على مقياس ريختر يضرب شمال باكستان

GMT 14:39 2025 الثلاثاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

إيلون ماسك أول شخص تتجاوز ثروته 600 مليار دولار في التاريخ

GMT 00:08 2021 السبت ,16 كانون الثاني / يناير

وزارة الصحة التونسية توقف نشاط الرابطة الأولى
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon