قراءة في لحظة جنوب اليمن

قراءة في لحظة جنوب اليمن

قراءة في لحظة جنوب اليمن

 لبنان اليوم -

قراءة في لحظة جنوب اليمن

بقلم : يوسف الديني

من الخطأ الفادحِ اختزالُ ما يجري اليوم في شرق اليمن في خرائطِ السيطرة أو تبدّل خطوط النفوذ. فالقضية، في جوهرها، أقدم وأعمق: جنوب يمني ظل لعقود رهينة مشاريع مغلقة، يُستدعى اسمه كلما احتاجت قوة ما إلى شرعية، ثم يُقصى مجدداً حين يحين وقت القرار. منذ ما قبل وحدة 1990، لم يُتح للجنوب أن يصوغ مستقبله عبر عقد سياسي جامع، بل جرى تدويره بين نخب آيديولوجية وعسكرية تعاملت معه كَمِلكية سياسية لا كمجتمع متنوّع له مصالح وهويات متعددة. وما يحدث اليوم ليس استثناءً عن هذا المسار، بل امتدادٌ له، مع اختلاف الشعارات فقط.

بهذا المعنى، فإنَّ حضرموت ليست موضوع الأزمة، بل إحدى ساحاتها. فالاندفاع السَّريع للمجلس الانتقالي الجنوبي نحو فرض سيطرة عسكرية على محافظات ذات خصوصية تاريخية واجتماعية معقدة لا يعكس قوة مشروع، بقدر ما يكشف هشاشته. المشاريع الواثقة لا تستعجل فرض الوقائع، ولا تخشى الحوار، ولا ترى في الشرعية عبئاً يجب القفز فوقه. أمَّا المشاريع التي تتحرَّك تحت ضغط الوقت، فتسعى دائماً إلى خلق أمر واقع قبل أن تعود السياسة إلى طاولة التفاوض.

هنا تتقاطع الأزمة مباشرة مع الموقف السعودي. فالمملكة العربية السعودية، التي خاضت حرب اليمن دفاعاً عن أمنها القومي وعن فكرة الدولة، لا تنظر إلى الجنوب بوصفه ساحة نفوذ، ولا إلى حضرموت كجائزة نفطية، بل كجزء من معادلة استقرار إقليمي لا يحتمل المغامرات. من هذا المنطلق، لم يكن الرفض السعودي لما جرى رفضاً سياسياً مجرداً، بل كان اعتراضاً بنيوياً على منطق الاستئثار ذاته، أيّاً كان صاحبه.

الرهان على فرض السيطرة بالقوة، ثم تسويقها لاحقاً كأمر واقع، يعيد إنتاج النموذج الذي دمّر اليمن شمالاً: سلطة بلا عقد اجتماعي، وسلاح بلا أفق سياسي. والمفارقة أن هذا الرهان يُقدَّم اليوم باسم «الاستقرار» و«مكافحة الإرهاب»، وكأنَّ اليمنيين لم يختبروا من قبل كيف تُستخدم هذه العناوين لتبرير الإقصاء، ثم تنتهي إلى فوضى أوسع. فمكافحة التطرف لا تُدار عبر إلغاء الشركاء، ولا عبر مصادرة القرار المحلي، بل عبر بناء مؤسسات جامعة، وهو ما يتناقض جوهرياً مع سلوك الفرض الأحادي.

الأكثر خطورة أنَّ هذا المسار يضرب قلب المعسكر المناهض للحوثي. فكل تصدع داخلي، وكل صراع بين حلفاء الأمس، يمنح الحوثيين فرصة استراتيجية مجانية. وحين تُستنزف القوى الحكومية في صراعات جانبية، يصبح الحديث عن ردع الحوثي أو احتوائه أقربَ إلى الوهم. هذا ما تدركه الرياضُ جيداً، ولهذا تبدو أكثر تمسكاً بخيار التهدئة المنضبطة، وبمنع انزلاق الجنوب إلى نسخة أخرى من صراع الميليشيات المتنازعة.

ثمّة وهمٌ آخر يتغذَّى عليه هذا الاستعجال، وهو الاعتقاد بأنَّ المجتمع الدوليَّ سيتعامل مع الوقائع الجديدة بوصفها حلاً. التجربة تقول العكس. الكيانات التي تولد خارج الشرعية، أو على أنقاضها، لا تحظَى باعتراف مستقر، بل تُترك معلّقة في منطقة رمادية، تُستخدم عند الحاجة ويُضغط عليها عند أول اختبار. ومن يظن أن إعلان الأمر الواقع يمكن أن يتحول سريعاً إلى دولة، يتجاهل دروس اليمن نفسه، شماله وجنوبه.

السعودية كانت دائماً هي الطرف الأكثر اتساقاً مع منطق الدولة. فهي لا تبحث عن نصر سريع، ولا عن خرائط مؤقتة، بل عن تسوية قابلة للحياة. ولهذا تصرُّ على أنَّ أي ترتيب في الجنوب يجب أن يمرَّ عبر الشراكة، لا عبر الإقصاء، وعبر الشرعية، لا عبر القفز فوقها. هذا الموقف قد يبدو أقلَّ صخباً، لكنَّه أكثر صلابة على المدى الطويل.

في المحصلة، ما يجري اليوم ليس صراعاً بين جنوب وشمال، ولا بين استقلال ووحدة، بل بين منطقين: منطق الدولة ومنطق الغلبة. الأول بطيء، معقّد، ومليء بالتنازلات، لكنَّه وحدَه القادرُ على إنتاج استقرار. الثاني سريعٌ، مغرٍ، وصاخب، لكنَّه لا ينتج سوى جولاتٍ جديدة من الصراع. الرهانُ السعودي واضحٌ في هذا السياق، وهو رهانٌ على أنَّ اليمن، بكلّ مكوناته، لا يمكن إنقاذُه إلا بالخروج من عقلية الاستئثار، مهما تغيّرت الوجوه والشعارات.

في المحصلة النهائية، قد تختلف القراءاتُ وتتعدد التأويلات، لكنَّ الثابتَ الذي لا يقبل الالتفاف هو أنَّ السعودية كانت وستبقى الضَّامنَ الأول والأهم لمصلحة اليمن واليمنيين، لا بوصفها طرفاً في نزاع، بل باعتبارها آخر من يتمسَّك بفكرة الدولة في ساحة تتآكل فيها هذه الفكرة يوماً بعد يوم. غير أنَّ ما يجري اليوم يتجاوز معضلة اليمن وحدها، ويشير إلى مشروعٍ أوسعَ وأخطر، يسعى إلى تطويق الجزيرة العربية بحزامٍ من بؤر التوتر، تُزرع على تخومِها وتُدار من ذهنياتٍ تفكر بغريزة الغنيمة، تحت يافطاتِ مظالمَ جهوية وشعارات حقوقية براقة ترتدي أقنعة المظلومية، وتخفي تحتَها مشروع ميليشيا مكتمل مستعد للتحول من تمثيل «قضايا محلية»، إلى أداة ابتزاز إقليمي دائم. في مواجهة هذا المسار، لا يبدو منظور السعودية دفاعاً عن حدود أو نفوذ، بل هو دفاع عن آخر خطوط العقل السياسي في المنطقة: الاستقرار لا يُبنى بالفوضى، ولا تُصان الأوطان بمنطق الغلبة، وأنَّ اليمن، كما الإقليم ومنطقة الشرق الأوسط، لا يحتمل مشروعاً جديداً لتدوير الخراب باسم المظلومية، حيث الطريق إلى تفتيت الأوطان والحروب الأهلية مفروش بتجار القضايا العادلة!

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قراءة في لحظة جنوب اليمن قراءة في لحظة جنوب اليمن



GMT 09:30 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

الإسكندرية كمان وكمان

GMT 09:28 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

الحَسَدُ علَى السُّرُور!

GMT 09:26 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

طه الشريف بن عامر مهندس السياسة الليبية الهادئ

GMT 09:25 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

تحولات إيران وأمن الخليج

GMT 09:23 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

وهم الانعزالية وخديعة الاستراتيجية الأميركية

GMT 09:21 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

البَكّار وقنبلة البطالة.. لسّه الدّنيا بخير !

GMT 09:17 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

الأشباح

GMT 09:15 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

بطاطا مراد وهبة

ألوان التراب تسحر إطلالات النجمات شتاء 2026

القاهرة ـ لبنان اليوم
 لبنان اليوم - قطع مجوهرات نادرة تزيّن صندوق كيت ميدلتون في عيد ميلادها

GMT 19:25 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

جنبلاط مستاء من زيارة فون دير لاين إلى لبنان
 لبنان اليوم - جنبلاط مستاء من زيارة فون دير لاين إلى لبنان

GMT 13:48 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 23:59 2019 الجمعة ,21 حزيران / يونيو

أغذية تزيد من إدرار الحليب لدى الأم المرضعة

GMT 17:30 2023 الإثنين ,10 إبريل / نيسان

أخطاء مكياج شائعة تجعلك تتقدمين في السن

GMT 17:12 2019 الثلاثاء ,26 شباط / فبراير

عبدالله بترجي يُؤكد على صعوبة المواجهة مع الهلال

GMT 17:46 2021 الثلاثاء ,26 تشرين الأول / أكتوبر

أول لقاء بين بايدن ماكرون الجمعة في روما بعد أزمة الغواصات

GMT 18:36 2017 الأربعاء ,06 أيلول / سبتمبر

مدرب الأهلي يمنح اللاعبين راحة من التدريبات 24 ساعة

GMT 20:49 2020 الإثنين ,14 أيلول / سبتمبر

أمينة خليل تبحث عن سيناريو لرمضان 2021

GMT 05:09 2013 الأربعاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

"زنوسوم تاريخي بجنيف"؟

GMT 12:22 2025 الخميس ,12 حزيران / يونيو

زيوت عطرية تساعدكِ في تحسين جودة النوم

GMT 08:00 2013 الخميس ,11 إبريل / نيسان

سارة جيسيكا باركر تعود لأناقة "الجنس والمدينة"

GMT 14:17 2019 الثلاثاء ,19 آذار/ مارس

إدارة الاتحاد تؤجل ملف تجديد عقد العرياني
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon