تونس في مهب النصال

تونس... في مهب النصال

تونس... في مهب النصال

 لبنان اليوم -

تونس في مهب النصال

بقلم : عبد الرحمن شلقم

صفحات تونس تفتح بعضها، وتنتقل الهزّات بين وقفة تلد وقفات. أعلن الرئيس قيس سعيد عن ميزانية العام القادم بعجز قد يتجاوز الستة في المائة، ويدور النقاش حول تخفيض الأجور ورفع الضرائب. المستقبل مفتوح على احتمالات تشي بكثير بين المجهول والغامض. منذ يومين رفعت أزمة أخرى رأسها من ماض غير بعيد، وهي ما يتداول في وسائل الإعلام عن تعرض الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، لعملية تسميم أدت إلى وفاته.
عائلة السبسي أثارث هذا الموضوع منذ مدة، لكن ذلك لم يجعلها أزمة مضافة إلى ما يشب في البلاد من حرائق سياسية واجتماعية واقتصادية. منذ يومين تم الإعلان رسمياً عن إجراء تحقيق عدلي في موضوع تسميم الرئيس السابق، هناك من ينتظر النتائج القانونية، وبلا شك، سيتحرك أكثر من طرف ليجعل من هذه القضية عملة قانونية وسياسية في محفل تصفية الحسابات.
الرئيس قيس سعيد ذاته لمح أكثر من مرة إلى تعرضه لمحاولات اغتيال، وفي الأسبوع الماضي كرر مرات أن هناك من يتجه إلى استعمال الاغتيال السياسي أداة في المخاض السياسي الذي تعيشه البلاد.
تونس تكاثرت عليها ظباء الأزمات، فلم يعد السياسيون يعرفون على أي ظبي يرسلون سهامهم. تونس اليوم يصدق عليه قول أبي الطيب المتنبي:
رماني الدهرُ بالأرزاء حتى
فؤادي في غشاء من نبالِ
فصرتُ إذا أصابتني سهامُ
تكسرت النصالُ على النصالِ
البلاد تعدُّ نصالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكن لا أظن أن القائمين بالأمر فيها، يدركون إلى أي حد وصلت في عمق الفؤاد. الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي، الشخصية العلمية والفكرية البارزة في تونس، يقود حرباً عاصفة على الرئيس وهو الذي كان زميلاً له في لجنة دستور 2014، والرئيس الأسبق المنصف المرزوقي فتح نيرانه الداخلية والخارجية على الرئيس قيس سعيد الذي وجه له تهماً وحُكم عليه غيابياً بأربع سنوات سجن.
المعارضون لما يسمونه الانقلاب الذي قام به الرئيس سعيد، قام بعضهم بإضراب عن الطعام ومنهم من نقل إلى المصحات بعد تدهور صحته. الاتحاد العام التونسي للشغل في علاقة مضطربة مع الرئيس، ويهدد بسلاح الإضراب الشامل، وذلك يعني، تعقيد الحالة الاقتصادية في البلاد وسيؤدي إلى خروج من تبقى من المستثمرين في تونس. الأطراف الخارجية التي تعوّل الحكومة التونسية عليها في الإنعاش الاقتصادي عبر المساعدات والقروض، لها مواقف يتطابق بعضها ويختلف في الوقت نفسه. هناك شبه إصرار غربي بجناحيه الأميركي والأوروبي على ضرورة عودة الحياة البرلمانية، وكذلك احترام حقوق الإنسان وحرية الرأي العام.
الرئيس قيس سعيد عاد إلى طرح موضوع الحوار والحديث عن خريطة طريق، بعد أن استخف بهذا المصطلح مراراً وقال بلغة قرشية بليغة، من يتحدث عن الخرائط فعليه أن يذهب إلى كتب الجغرافيا. الحوار كان مطلباً وطنياً شبه عام، ولكن السؤال الذي لا يزال يقرع الآذان ويهزَّ الرؤوس، مَن يحاور مَن، ومَن هو الطرف الذي سيكتب جدول أعمال الحوار المنتظر؟
اتحاد الشغل، وهو المكون النقابي الذي لم يغب عن التأثير الفعال في الحياة التونسية منذ الاستقلال، وقارع الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة مبكراً، وكان رمزه الأيقونة الوطنية الشهيد فرحات حشاد، ومن بعده الحبيب عاشور الذي واجه بورقيبة بقوة لسنوات، لا يزال هذا الاتحاد هو القوة الوطنية الضاربة التي لا تغيب عن الفعل.
الحديث الآن عن تخفيض الأجور ورفع الضرائب، سيكون حزمة النصال الأكبر والأخطر ولا يمكن التنبؤ بمدى تمكنها من الفؤاد والجسد والحراك التونسي. تحدث الرئيس عن تعديل دستور 2014، ولكن هل سيذهب الرئيس إلى أبعد من التعديل، ويفصّل دستوراً جديداً يكرس النظام الرئاسي المطلق مثلما كان في عهدي بورقيبة وبن علي؟ الشارع التونسي الذي شكل القوة الموازية لقصر قرطاج، ماذا سيكون فعله وسط مسار تعديل الدستور والحوار الذي يصرّ الرئيس على أن يكون حواراً مفتوحاً عبر الإنترنت ويشارك فيه الشباب من منطلق الأسلوب الشعبي القاعدي الذي يؤمن به الرئيس، ولم يتوقف عن القول إنه لن يحاور الفاسدين ومن يصفهم بالمتآمرين، كل ذلك يرش المزيد من الرماد فوق أفق يعلوه غبار الاتهامات التي تتوالد من دون توقف، وكذلك إجراءات التقشف المالي في بلاد أربكتها الإضرابات وغياب السياحة.
في تونس اليوم أكثر من مائتي حزب سياسي، وهي التي عاشت لعقود تحت حكم الحزب الواحد، صار التشتت هو الصاعق الذي لا يغيب. التيارات الفكرية والسياسية في البلاد هي ثلاثة؛ الإسلامي والقومي العربي الذي يمثله الناصريون بالدرجة الأولى والتيار الوطني التونسي الذي يعيش على ميراث التجربة البورقيبية.
لكن هذه التيارات منقسمة في داخلها ولكل منها خطاب قد يجعل من الحوار الوطني الذي يجري الحديث عنه، حلبة صراع أكثر من كونه محفلاً للحل. منطقة المغرب العربي اليوم من أقصاها إلى أقصاها، تعيش حالة من الارتعاش السياسي والأمني، وبالنسبة لتونس، من الصعب أن تُشفى ما لم يلتئم الجرح الليبي بحكم التداخل الاجتماعي والاقصادي بين البلدين التوأمين.
لقد تعهدت الجزائر بتقديم دعم مالي لتونس بثلاثمائة مليون دولار، لكن هذا المبلغ لا يمكن أن يرتق الخرق في الاقتصاد التونسي الذي يعاني من أزمة مركبة، ويضيف إليها الصراع السياسي عواصف من التوتر ويزيد من معاناة البطالة ويهدد قيمة العملة المحلية (الدينار) مقابل العملات الأجنبية.
بعيداً عن التفاؤل والتشاؤم، أكرر ما قلته في مقالة سابقة عن الوضع في تونس، وهو أن البلاد تقف أمام أبواب مفاتيحها في جيب المجهول. إثارة موضوع سبب وفاة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، ستكون باباً لا نعلم ماذا سيكون فعله في الخضم الذي تتطاير فيه النصال من كل حدب نحو فؤاد تونس المرهق.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تونس في مهب النصال تونس في مهب النصال



GMT 19:57 2025 الخميس ,20 شباط / فبراير

من «الست» إلى «بوب ديلان» كيف نروى الحكاية؟

GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 19:29 2025 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

الكتب الأكثر مبيعًا

GMT 11:46 2025 الأحد ,26 كانون الثاني / يناير

الرئيس السيسى والتعليم!

GMT 19:13 2025 الثلاثاء ,21 كانون الثاني / يناير

أصالة ودريد فى «جوى أورد»!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 00:18 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 24 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 10:12 2020 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك

GMT 13:56 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 15:06 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

يجعلك هذا اليوم أكثر قدرة على إتخاذ قرارات مادية مناسبة

GMT 12:50 2025 الثلاثاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

ألوان الموضة لخريف وشتاء 2026 توازن بين الأصالة والابتكار

GMT 22:54 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

الإفراج عن بقية الموقوفين من جماهير الإفريقي التونسي

GMT 13:49 2024 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

سيرين عبد النور تنعي والدتها بكلمات مؤثرة

GMT 13:55 2021 الأربعاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

"مايكروسوفت" تعلن دخولها عالم "ميتافيرس"
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon