الطلب على السياسة

الطلب على السياسة

الطلب على السياسة

 لبنان اليوم -

الطلب على السياسة

عمرو الشوبكي

فى مصر هناك خطاب مسيطر يرى أن السياسة إضاعة للوقت والجهد، وأن السياسيين الذين لم يحكموا تقريبا من أيام حكومات الوفد قبل ثورة يوليو هم سبب مصائب البلد، وأننا فى حاجة لاصطفاف وطنى ومشاريع اقتصادية كبرى لكى تنهض مصر.

والحقيقة أن الترجمة العملية لهذا الخطاب ظهرت فى جُمَل من نوع أن البلد ليس فى حاجة لأحزاب ولا نخب سياسية ولا برلمان «اتركوا الريس يشتغل»، وعودة للجُمَل المباركية الشهيرة: «الرئيس عظيم والمشكلة فيمَن حوله»، أو أن «هناك فارق سرعات بينه وبين وزرائه» (الذين اختارهم)، وأنه كان يتوقع أن رئيس الوزراء «بلدوزر»، ويبدو أنه ليس كذلك.

والمؤكد أن هناك بيئة ساعدت على انتشار هذا الخطاب، ومنها حتماً إحباطات الناس من السياسة والسياسيين، حيث تولّد شعور عميق لدى البعض، بعد فشل كل خيارات ما بعد ثورة 25 يناير، بدءاً من صوت الاحتجاج الذى أثر بعض الوقت فى المشهد السياسى دون أن يمتلك أى قدرة على بناء بديل مقنع للناس، وخلق فى نفس الوقت رأيا عاما واسعا مضادا له انتظر الفرصة لتصفية حساباته معه، وانتهت بعام الإخوان، الذين فشلوا فى الحكم والمعارضة، وحين ثار الشعب عليهم وأسقطهم لم يكن هناك تيار أو حزب سياسى مدنى واحد قوى قادر على حكم البلاد أو تقديم مرشح قادر على المنافسة، وثقةً من الناس فى المؤسسة العسكرية اختاروا مرشحها أو رجل النظام العام وعودة هيبة الدولة وغيرها من المفردات التى راجت نتيجة سنوات الفوضى والخوف من الانهيار.

ولذا كل مَن يتصور أن الجيش يهبط فجأة من كوكب آخر على الحياة السياسية فى مصر منذ ثورة يوليو 52 واهم، لأنه تدخل بعد أن عانى المجتمع من ضعف ووهن، ورأى تعثر الأحزاب والقوى السياسية، وشعر الجميع بوجود أخطار حقيقية تهدد كيان الدولة والمجتمع.

يقينا أن هذه التحولات التى شهدتها مصر مؤخرا كانت سريعة وغير مسبوقة، وعمل البعض على خلق صورة ذهنية تقول إن هذا الفشل ثمن اختيارات الناس، فهم الذين ثاروا على مبارك، وهم الذين اختاروا برلمانا أغلبيته من الإخوان والسلفيين، وهم الذين انتخب 51% منهم محمد مرسى رئيسا للبلاد، وكاد يُضَيِّع مصر ويهدم الدولة، وبالتالى لم تنجز الديمقراطية التى أُعطيت للناس إلا خيارات سيئة وأخطاراً كادت تعصف بالبلاد.

يقيناً هذه الرواية لها أنصار عابرة لكل الطبقات، (مدهش أن كثيرا من الفئات الشعبية ترددها)، وأوصلت قطاعات من المجتمع والنخبة الحاكمة إلى أن تقول: «لسنا فى حاجة للبرلمان، ولسنا فى حاجة لأحزاب، ومازال أمامنا طريق طويل حتى يصبح عندنا شعب مؤهل للديمقراطية»، وهى جملة رئيس وزراء مصر السابق أحمد نظيف الخالدة، والتى تتوارثها نظم مصر المختلفة، وصارت الدولة تحكم بشكل مباشر دون أى شراكة مع أى كيانات سياسية من أى نوع، كما جرى فى عهدى عبدالناصر والسادات، بل حتى جزئياً فى عهد مبارك حين كانت السياسة والأمن حاضرين بدرجات مختلفة، على عكس الآن حين أصبحت الأجهزة الأمنية طرفا وحيدا فى كل معادلات السياسة والاقتصاد فى مصر، بحجة أن الناس لا تعرف وغير قادرة على الاختيار الحر، وأنه حين أُتيحت لها فرصة الاختيار بعد 25 يناير كادت تُضَيِّع البلد.

نعم، ضعف الطلب على السياسة ليس فقط بسبب النظام غير السياسى، إنما بسبب أخطاء السياسيين وثقافة الإقصاء غير المسبوقة التى شهدتها مصر بعد ثورة يناير، حتى دارت الدوائر وشملت الكل، فالثوار أقصوا الجميع، والإخوان أقصوا «بالدستور» قيادات الحزب الوطنى ليس لأنهم فاسدون إنما لأنهم كانوا منافسين أقوياء، وجاء الحكم الجديد ليُقصيهم جميعا وكل مَن «نظروا» للإقصاء تحت دوافع مختلفة.

صحيح أن البعض يؤكد أن سبب الضعف السياسى والمجتمعى يرجع إلى رؤساء مصر الذين جاءوا من خلفيات عسكرية، فقد أضعفوا المجتمع، وهَمَّشوا من دور الأحزاب، وهو صحيح يقينا طوال عهد مبارك ولم يتغير فى عهد السيسى، على خلاف عصر عبدالناصر، الذى يحاول البعض استنساخه فى زمن لا علاقة له بعصر عبدالناصر. فالرجل كان ابن عصر عرف السياسة فى داخل التنظيم الواحد، وداخل الفكر الاشتراكى والتحررى الصاعد مثله مثل معظم تجارب التحرر الوطنى فى ذلك الوقت، ولذا لم يكن غريبا أن تكون نخبة مصر مضيئة وملهمة، وضمت أهم الكتاب والأدباء والسياسيين والفنانين الذين عرفتهم البلاد على مدار تاريخها الطويل، لأن ارتباطهم لم يكن أساساً بسلطة، إنما بمشروع سياسى «ابن عصره»، فى حين أن الخطاب الرسمى الحالى اتسم بالفقر والضعف بصورة جعلته خارج سياق أى عصر، ولن يستقطب إلا ما نشاهده الآن على شاشات بعض الفضائيات دون حسيب أو رقيب.

يقيناً نحن لسنا فى عصر التحرر الوطنى بمفرداته الاشتراكية والتقدمية، ولا فى عصر الوفد المدنى الليبرالى، وبالتالى يجب على الناس ألا تتصور أن خطاب التخوين والشتائم والاستباحة هو نتيجة جهل الشعب أو أن «الجمهور عاوز كده»، إنما هو نتاج طبيعى للخطاب الرسمى السائد. الطلب على السياسة لن يعود إلا إذا ظهرت بادرة أمل تقول إن هناك قوى جديدة إصلاحية لديها برنامج ورؤية وسياسات بديلة، ولا تأخذ شماعة النظام حجة لكى لا تراجع نفسها وتعترف بأخطائها، فيقيناً ضعف الطلب على السياسة يرجع لوجود نظام غير سياسى، ولكن هذا النظام كان مستحيلاً أن يصل للحكم إلا فى ظل وجود بيئة تعثر- حتى لا نقول «فشل»- سياسى سهَّلت من مهمته ووصوله للسلطة.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الطلب على السياسة الطلب على السياسة



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 21:43 2021 الجمعة ,13 آب / أغسطس

الأهلي المصري يعلن شفاء بانون من كورونا

GMT 21:10 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

عودة صيحات التصميم الكلاسيكي في المنازل لعام 2026

GMT 17:18 2023 الإثنين ,10 إبريل / نيسان

أزياء مبهجة تألقي بها في شم النسيم

GMT 17:35 2022 الأربعاء ,06 تموز / يوليو

أفكار متنوعة لتغليف الهدايا

GMT 10:13 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

سقوط مسيّرة إسرائيلية في رب ثلاثين

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

عبوات متفجرة تستهدف بلدة يارون جنوبي لبنان

GMT 16:27 2025 الثلاثاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

صحة غزة تعلن استشهاد رضيع بسبب البرد الشديد

GMT 04:41 2021 الإثنين ,02 آب / أغسطس

سلمى رشيد تتألق بعباءة حرير في آخر ظهور لها

GMT 09:52 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

10 أخطاء شائعة في تصميم المنازل تفسد جمال الديكور

GMT 05:14 2022 الأحد ,03 تموز / يوليو

تسريحات الشعر المناسبة للصيف

GMT 10:39 2020 السبت ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

دروس في الديمقراطية من لدنا
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon