الغفران والنسيان

الغفران والنسيان

الغفران والنسيان

 لبنان اليوم -

الغفران والنسيان

بقلم:مصطفى الفقي

تبدو حياة البشر سلسلة متصلة الحلقات تختلف وفقًا لمراحل العمر، فضلًا عن الظروف المحيطة وطبيعة البيئة الفكرية والنفسية واختلاف المناخ الثقافى الذى يعزز الشعور بكل مرحلة يمر بها الكائن البشرى، ومنذ بداية اكتمال وعى الإنسان ومع وضوح الرؤية أمامه والأمثلة كثيرة حولنا والنماذج مختلفة أمامنا والإنسان مسؤول عن تصرفاته وفقًا لمراحل عمره ولكن ذلك أيضًا لا يعنى أبدية الحكم السلبى أو طبيعة التكوين الإيجابى لذلك فإننى أتابع نماذج البشر خصوصًا على المسرح السياسى ولفت انتباهى بشدة نموذج الرئيس السورى الانتقالى «أحمد الشرع»، حيث تحول ذلك الشاب المعنى بهموم وطنه وقضايا بلاده من وجهة نظره الشخصية إلى مكون خفى فى أعماقه تجاه النضال.

سعيًا نحو مطالب المكون الفكرى الذى يعتنقه، فالكل يعرف أن «أبو محمد الجولانى» كان يقف هو وجماعته فى مقدمة الطرف الآخر من المعارضة السورية التى اختار معظمها الكفاح المسلح والتعبير عن الرأى بالعنف والانخراط فى تنظيمات متطرفة شكلاً وموضوعًا، بل لقد تلوثت أيادى بعض الرفاق منهم بدماء العديد من الأبرياء أحيانًا والمعارضين بعنف أحيانًا أخرى، وقد رصدت الحكومة الأمريكية عشرات الملايين من الدولارات لمن يأتيها بمعلوماتٍ عن أبو محمد الجولانى تؤدى إلى الإمساك به وتقديمه للعدالة بالمفهوم الأمريكى شديد الانحياز وبالغ التطرف هو الآخر.

وصحونا ذات صباح على الاسم الحقيقى للجولانى وهو «أحمد الشرع» واستمعنا فى دهشة وتحفظ إلى أن من كان يصنف إرهابيًا بالأمس أصبح اليوم قريبًا من قمة السلطة، بل وأضحى منذ ذلك الوقت حديث العالمين العربى والإسلامى، فضلًا عن تناقل أخباره فى الفضاء الدولى والإثارة التى أحاطت باسم ذلك القائد المتحفظ فى تصريحاته المقل فى تعبيراته والذى لا تبدو مشاعره واضحة لمن يراه أو يتحدث معه، وحين خاطب الرجل جموع السوريين فجأة من ساحة المسجد الأموى العريق مبشرًا بتحول ضخم فى تكوينه هو ورفاقه تجاه الحضن الدافئ للدولة السورية الأم التى غابت عن الساحة العربية لسنوات طويلة وتعرض شعبها لكل أنواع الإرهاب وضغوط القهر المادى والمعنوى حتى تحول فى فترة زمنية معينة إلى حشود من النازحين واللاجئين وكادت سوريا.

وهى مرآة الشام الكبير، تضيع فى زحام الأحداث العنيفة وضجيج الرؤى المتداخلة، وبدأ الكل يرقب الرئيس الانتقالى أحمد الشرع بين مصدق تمامًا ورافض كلية لذلك النموذج الفريد من التحول الفكرى والالتزام العقائدى بين طرفى نقيض، وتحولت الولايات المتحدة الأمريكية على الجانب الآخر إلى مرحب شديد بالقادم الجديد، بل وأشاد به الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى أكثر من مناسبة ورفع العقوبات عن بلاده سوريا حتى يتعافى اقتصادها، ويصبح ذلك دعمًا متصلاً للدولة التى خرجت من غمار الحروب وأصداء المعارك.

ورغم التعقيدات الواضحة فى الوضع السورى وما يحيط به من تداخلات وتهديدات ومناورات، إلا أن أحمد الشرع قد حاز فى الغالب على أغلبية مؤيدة وأخرى صامتة محايدة، ويبقى ميزان النسيان والغفران هو الحكم، خصوصًا عندما نريد أن نعطى شخصية معينة حقها فى السياسة والحكم. لقد نجح أحمد الشرع فى كسب معركة الغفران وتبقى أمامه رحلة بناء الثقة ونسيان الماضى والمضى نحو تحقيق غايات الشعب السورى الشقيق الذى عانى كثيرًا وينتظر أن يحصل على الاستقرار أخيرًا.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الغفران والنسيان الغفران والنسيان



GMT 08:30 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 18:36 2023 الأربعاء ,05 إبريل / نيسان

حقائب فاخرة لأمسيات رمضان الأنيقة

GMT 10:13 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

سقوط مسيّرة إسرائيلية في رب ثلاثين

GMT 06:16 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

هزة أرضية بقوة 3.7 درجات تضرب سيدي بوزيد وسط تونس

GMT 23:13 2021 الجمعة ,29 كانون الثاني / يناير

زلاتان إبراهيموفيتش "أستاذ النحس" في ملاعب كرة القدم

GMT 13:24 2023 الإثنين ,03 إبريل / نيسان

أفضل عطور الزهور لإطلالة أنثوية

GMT 07:00 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

أفضل 5 مطاعم عربية يمكنك زيارتها في برلين

GMT 07:31 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

مسيرة إسرائيلية تقصف بلدة زبقين في جنوب لبنان

GMT 06:51 2024 الأربعاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

نصائح لتحديد أفضل وقت لحجز رحلاتكم السياحية بسعر مناسب

GMT 13:52 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الميزان الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 16:29 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

تراجعت أسعار بيتكوين والعملات المشفرة بنسبة 1.8%
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon