الواقع الكذاب

الواقع الكذاب

الواقع الكذاب

 لبنان اليوم -

الواقع الكذاب

معتز بالله عبد الفتاح

ما نراه فى الواقع ليس دائماً هو الحقيقة..

حتى ما نراه رأى العين ونلمسه لمس اليد..

فنحن نرى الشمس بأعيننا تدور كل يوم حول الأرض، ومع ذلك فالحقيقة أن العكس هو الصحيح، والأرض هى التى تدور حول الشمس.

ونحن نرى القمر فى السماء أكبر الكواكب حجماً، مع أنه أصغرها حجماً.

ونحن نلمس الحديد، فنشعر بأنه صلب متدامج، مع أنه فى الحقيقة عبارة عن ذرات منثورة فى فراغ مخلخل، وبين الذرة والذرة ما بين نجوم السماء بعداً.. وما يخيل لنا باللمس أنه صلابة وتدامج هو فى الحقيقة قوى الجذب المغناطيسى الكهربائى بين الذرة والذرة.. نحن نلمس القوانين بأصابعنا وليس الحديد.

ونحن ننظر إلى السماء على أنها فوق، والأرض على أنها تحت، مع أنه لا يوجد فوق ولا تحت.. والسماء تحيط بالأرض من كل جوانبها.

والهرم بالنسبة لنا شىء لا يمكن اختراقه، مع أنه بالنسبة للأشعة الكونية شفاف كلوح الزجاج، ترى من خلاله وتنفذ من خلاله.

وصقيع القطبين الذى نظن أنه غاية فى البرودة هو بالنسبة لبرودة أعماق الفضاء جحيم ملتهب.

وفى الحقائق الإنسانية تكذب علينا العين واللسان والأذن أكثر وأكثر.. فالقبلة التى تصورناها فى البداية مشروع حب نكتشف فى النهاية أنها كانت مشروع سرقة.

وجريمة القتل التى أحس الجميع بأنها ذروة الكراهية يكتشف الجميع أنها ذروة الحب.

وما قد يبدو للزوج أنه خيانة من زوجته لفرط إحساسها بجمالها قد يكون الدافع الحقيقى له هو إحساس الزوجة بقبحها وشعورها بالنقص، تحاول الخلاص منه باستدراج إعجاب الرجال، والانتقال من خيانة إلى أخرى.

وما تكتب عنه الجرائد بالإجماع على أنه بطولة قد يعلم البطل نفسه أنه كان انتحاراً.

وفى الحقائق الاجتماعية تتعقد الأمور أكثر، ويغرق الحق فى شبكة من التزييف تشترك فيها كل الإرادات، ويصبح الحكم على الأمور بظاهرها سذاجة لا حد لها.

وفى الحقائق التاريخية يكتب المؤرخون فى كل عصر ومن ورائهم السلطة، وتكتب أقلامهم ما يريد الأقوياء أن يقولوا.

وما أصعب الوصول إلى الحقيقة..

إن الوصول إلى المريخ أسهل من الوصول إلى حقيقة أكيدة عن حياة وردة تتفتح كل يوم عند نافذتك.. بل إن الوصول إلى أبعد نجم فى متاهات الفضاء أسهل من الوصول إلى حقيقة ما يهمس فى قلب امرأة على بعد شبر منك.

بل إن عقولنا تزين علينا حتى عواطفنا نفسها، فنظن أن حب المجد يدفعنا والحقيقة أنه الغرور وحب الذات.. ونظن أن العدالة هى التى تدفعنا إلى القسوة، فى حين أن الذى يدفعنا هو الحسد والحقد.

من الذى يستطيع أن يقول.. لقد أدركت الحقيقة؟

من الذى يجرؤ أن يدعى أنه عرف نفسه؟

ليس من باب التواضع أن نقول.. الله أعلم.

وإنما هى الحقيقة الوحيدة الأكيدة فى الدنيا.. إننا نجهل كل الجهل حتى ما يجرى تحت أسماعنا وأبصارنا.

وبرغم جهلنا يتعصب كل فريق لرأى.. وقد تصور كل واحد أنه امتلك الحق، فراح ينصب المشانق والمحارق للآخرين.

ولو أدركنا جهلنا وقدرنا لانفتح باب الرحمة والحب فى قلوبنا، ولأصبحت الحياة على الأرض جديرة بأن نحياها.

متى نعرف أننا لا نعرف؟

مقال للمرحوم الدكتور مصطفى محمود كتبه عنا منذ 25 سنة.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الواقع الكذاب الواقع الكذاب



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 00:18 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 24 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 10:12 2020 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك

GMT 13:56 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 15:06 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

يجعلك هذا اليوم أكثر قدرة على إتخاذ قرارات مادية مناسبة

GMT 12:50 2025 الثلاثاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

ألوان الموضة لخريف وشتاء 2026 توازن بين الأصالة والابتكار

GMT 22:54 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

الإفراج عن بقية الموقوفين من جماهير الإفريقي التونسي
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon