الجماعة بين المواجهة والمراجعة

الجماعة بين المواجهة والمراجعة

الجماعة بين المواجهة والمراجعة

 لبنان اليوم -

الجماعة بين المواجهة والمراجعة

حسن نافعة
كيف ستتعامل جماعة الإخوان مع المحنة التى تواجهها فى الوقت الراهن، وهى الأخطر فى تاريخها؟ أظن أن تفاعلاتها الداخلية ستفضى بها إلى تبنى واحدة من استراتيجيتين: الأولى تدفعها للمواجهة والعمل على تحقيق الأهداف التى تسعى إليها بكل السبل الممكنة، بما فى ذلك استخدام العنف، والثانية تجذبها نحو التهدئة والمراجعة والنقد الذاتى وإعادة صياغة أهدافها القابلة للتحقيق فى ضوء المعطيات المحلية والإقليمية والدولية المتغيرة. المروجون لاستراتيجية المواجهة يستندون إلى مبررات وحجج عديدة أهمها: 1- أن الجماعة جربت الوسائل والطرق السلمية، وحصلت على ثقة الشعب فى عدة استفتاءات وانتخابات متتالية، غير أن القوى «غير الإسلامية» التى «لا تريد الحكم بما أنزل الله» لم ولن تسمح لها باستخدام حقها فى ممارسة السلطة وتغيير المجتمع وفقا لرؤيتها الخاصة، استنادا إلى إرادة الشعب المعبر عنها فى صناديق الاقتراع.  2- أن حرمانها من حقها فى ممارسة السلطة التى وصلت إليها بإرادة الشعب تم بقوة السلاح وبالاعتماد على الجيش، وليس على صندوق الاقتراع. ولأن «ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة». فليس هناك من سبيل آخر لاسترداد السلطة.  3- أن القبول بالأمر الواقع وتبنى سياسة المهادنة والخنوع سيزيد من عناد وجبروت الطرف الآخر، ولن يؤدى إلا إلى تفتت واضمحلال الجماعة من داخلها. أما المروجون لاستراتيجية المراجعة والنقد الذاتى فيستندون إلى حجج ومبررات مضادة، أهمها:  1- أن المحنة التى تواجه الجماعة حاليا ليست من فعل الطرف «الآخر» وحده، وإنما تسببت فيها أيضا أخطاء عديدة ارتكبتها القيادة الحالية للجماعة، بقصد أو دون قصد، ومن ثم فعليها التحلى بما يكفى من الشجاعة للقيام بعملية نقد ذاتى يساعد على الاستفادة من أخطاء الماضى، وتجنب الوقوع فى أخطاء مماثلة فى المستقبل.  2- لن يكون اللجوء إلى العنف فى مصلحة الجماعة هذه المرة، لأن الأوضاع وموازين القوى على الأرض تغيرت واختلت لغير صالح الجماعة، ومن ثم فقد يؤدى إلى محوها من الوجود وطى صفحتها إلى الأبد. 3- على الجماعة الانتباه إلى أن هناك أطرافا محلية وإقليمية ودولية تسعى إلى الإيقاع بينها وبين الجيش وافتعال صدام مسلح بينهما، وهو ما قد يؤدى إلى كارثة. والسؤال: إلى أى من هاتين الاستراتيجيتين ستنحاز الجماعة فى نهاية المطاف: استراتيجية التحدى والمواجهة واستخدام العنف، أم استراتيجية المراجعة والنقد الذاتى والحوار؟.. الواقع أنه ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال. فعقيدة الجماعة وبنيتها التنظيمية والفكرية تدفعان بها فى اتجاه ترجيح كفة المواجهة واللجوء إلى العنف، أما سياساتها ومواقفها فى أوقات الأزمات، والتى يغلب عليها الطابع البراجماتى فى العادة، فسوف تدفع بها نحو التهدئة والحوار. جماعة الإخوان، كما يصورها مؤسسها حسن البنا، هى: «دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية». و«إسلام الإخوان»، عند مؤسس الجماعة، هو: «عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف». لذا يبدو واضحا أنها جماعة ولدت لكى تذوب عن المجتمع وتحل محله، بالعمل على «أخونته» تدريجيا، لا أن تشارك فيه وتعمل على تطويره مع الآخرين، وأنها تستهدف الوصول إلى السلطة لاستخدامها كوسيلة لتغيير المجتمع وفقا لرؤيتها الخاصة، وليس لتتداولها سلميا مع الآخرين استنادا إلى قواعد المنافسة العادلة والشريفة. يسهل تبرير اللجوء إلى العنف فى جماعة يقوم تنظيمها على مبدأ «السمع والطاعة العمياء للقيادة»، وليس على التفكير الحر وممارسة النقد الذاتى، ويتم ضمان الولاء للقيادة الأعلى فى التنظيم الخاص من خلال «البيعة والقسم على مصحف وسيف»، وليس على الاقتناع والتفاعل الحر بين متنافسين متساوين، كما يسهل إضفاء هالة من القداسة على استخدامه وتصويره باعتباره «جهادا فى سبيل الله». ولأن القيادة القطبية الحالية لجماعة الإخوان تبدو متشددة إلى حد التطرف، فمن المرجح أن تميل كفة التفاعلات الجارية الآن لصالح استراتيجية المواجهة. غير أن هذه القيادة يجب أن تدرك أن المواجهة هذه المرة لن تكون مع نظام حكم مستبد وظالم، لكن مع شعب سُرقت ثورته وفى حالة توحد تام مع جيش وطنى لا يمكنه أن يقف متفرجا على جماعة تصر على العبث بأمن مصر الوطنى. نأمل أن يسود العقل والحكمة وأن تشرع الجماعة، بعد أن تهدأ مشاعر الغضب والانفعال، فى ممارسة عملية نقد ذاتى تقودها إلى مراجعة شاملة لأفكارها وسياساتها وبنيتها التنظيمية.
lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الجماعة بين المواجهة والمراجعة الجماعة بين المواجهة والمراجعة



GMT 06:37 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

شروط القمرة

GMT 06:34 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بداية النهاية للترمبية كما تزعم «واشنطن بوست»؟!

GMT 06:32 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

GMT 06:30 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

تشويه الإصلاح مقامرة بلبنان!

GMT 06:27 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

عن تقلّبات الطقس والسياسة

GMT 06:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

إلى أي مدى سينجح مجلس السلام في صناعة بديل؟

GMT 06:13 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حرب المخدرات والجرائم البشعة

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 07:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل
 لبنان اليوم - أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل

GMT 09:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
 لبنان اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 19:21 2022 الأربعاء ,01 حزيران / يونيو

البدلة السوداء خيار كلاسيكي للرجل الأنيق

GMT 12:52 2021 الأربعاء ,04 آب / أغسطس

طريقة عناق حديثي الولادة تؤثر على صحتهم

GMT 10:32 2021 الأربعاء ,11 آب / أغسطس

جرعة أمل من مهرجانات بعلبك “SHINE ON LEBANON”

GMT 21:51 2020 الأربعاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

نادي فيردر بريمن الألماني يجدد عقد المدير الفني حتى عام 2022

GMT 16:48 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

باشي يتسلم مهامه في مولودية الجزائر

GMT 23:35 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

تعرفي على أصول فن و قواعد اتيكيت تناول الطعام

GMT 18:49 2025 الإثنين ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

قوات الاحتلال تهدد العمال من عدم التوجه للقدس
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon