كتاب جدّي ياسر عرفات وجنون الجغرافيا

كتاب جدّي: ياسر عرفات و"جنون الجغرافيا"

كتاب جدّي: ياسر عرفات و"جنون الجغرافيا"

 لبنان اليوم -

كتاب جدّي ياسر عرفات وجنون الجغرافيا

خيرالله خيرالله

صدر أخيرا كتاب مختلف عن ياسر عرفات الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني. الكتاب لا يتضمّن مديحا للرجل يصدر عن شخص يريد تأبينه، أو آخر يريد التجريح ولا شيء غير الترجيح. الكتاب الجديد الذي وضعه نبيل عمرو السياسي والديبلوماسي الفلسطيني، الذي رافق ياسر عرفات طويلا، يشكّل محاولة جدّية للاحاطة بمسيرة رجل له ما له وعليه ما عليه. رجل أخطأ وأصاب في منطقة لا ترحم. رجل زئبقي تعاطى مع قضية فلسطين وكان رمزا لها طوال ما يزيد على اربعة عقود... عنوان الكتاب هو " ياسر عرفات وجنون الجغرافيا". كان يمكن أن يكون العنوان "ياسر عرفات ضحية الجغرافيا" نظرا الى تعلق الرجل بالسيطرة على قطعة ارض، أي قطعة أرض، خارج فلسطين، ولكن على تماس معها. لم يفكّر يوما بالكلفة، كلفة تلك الارض على أي صعيد، بما في ذلك على  ياسر عرفات نفسه. اراد "ابو عمّار"  في مرحلة معيّنة اقامة مطار خاص به في منطقة جبلية في لبنان، هي تربل، كما يقول نبيل عمرو (ثمة من يقول في بعدران في الشوف)... أو قاعدة بحرية في جزيرة الارانب قبالة مدينة طرابلس، على الرغم من أن النظام السوريكان يتربّص به وأن لبنان ليس فلسطين! حاول حتى اقامة قاعدة في جزيرة كمران اليمنية...لم يكن هناك حدود لولع ياسر عرفات بالجغرافيا التي كان يعتقد أنها تؤمن له حرية ما. لم تتوفّر له هذه الحرية في فلسطين بعد عودته اليها، رغم توفّر رقعة الارض. قد يفسّر ذلك، الى حدّ كبير، تصرّفات الرجل في السنوات الاخيرة من حياته. هناك جملة تضمّنها الكتاب تختصر الى حدّ كبير شخصية ياسر عرفات الذي "الذي كانت القيادة والسيطرة بالجملة والتفصيل، هي الفكرة الثابتة في عقله وروحه وسلوكه. فهو قائد الفريق واللاعب والمدرّب والحكم ومقرر النتيجة. كلّ من معه وحوله كانوا بالنسبة اليه مجرّد جمهور يلزم للمساعدة أو التشجيع أو حتى المباهاة به أمام الآخرين". هذه الجملة التي وردت في الصفحة 214 من الكتاب هي الآتية:" حاول عرفات الاستفادة من احداث كبرى من دون الانتباه الى أنّ اللاعبين جميعا أكبر منه بكثير". عرض نبيل عمرو تفاصيل خاصة جدا مرتبطةبالمحطات الاساسية لمسيرة ياسر عرفات، بما في ذلك عدم اتخاذه الموقف الصائب لدى غزو صدّام حسين لدولة عربية مستقلة وقفت دائما مع فلسطين ومعه شخصيا، هي الكويت. تحدّث عن مأساة الاردن التي توّجت بما سمّي "ايلول الاسود". لم تغب الموضوعية عن السرد الذي يكشف كم كان ياسر عرفات مدركا لخطورة "تنامي القوّة العسكرية الفلسطينية على ارض الاردن". ما لم يقله نبيل عمرو أن عرفات لم يستطع أن يفعل شيئا لمنع الصدام في الاردن، خصوصا بعد تفجير "الجبهة الشعبية" ثلاث طائرات ركاب  في "مطار الثورة" قرب المفرق. في لبنان، الذي أقام فيه نبيل عمرو، أيام ياسرعرفات و"جمهورية الفاكهاني"، ورد في الكتاب مقطع يختصر الكثير. جاء في المقطع:" لم يعد أحد في وارد تصديق الشعار التبسيطي للوجود الفلسطيني في لبنان، الممرّ وليس المستقرّ. فها هو الممرّ يتسّع، بل يتّخذ شكلا اخطبوطيا تمتد أذرعته لتصل الى أي مكان في لبنان. تسلّق مقاتلو عرفات قمم الجبال، كانوا كما لو أنهم يؤدون واجبا وفق أجندة لم يضعوها، بل لا لزوم لها. انّ الذي صعد بمقاتلي عرفات الى عينطورة وعيون السيمان هو ذلك الوهم الساذج الذي بمقتضاه، صدّق اليسار الفلسطيني، الفتحاوي وغير الفتحاوي أوهامه في شأن الصراع على النفوذ بين الكبار..." كتاب نبيل عمرو الذي سيليه كتاب آخر عن مرحلة اوسلو وما بعد اوسلو وتشكيل حكومة فلسطينية برئاسة السيد محمود عبّاس (أبو مازن) مليء بالتفاصيل المثيرة. يمكن أن يكون أفضل ما كتب عن الشخصية المركبة لياسر عرفات الذي كان يقدّم نفسه بشكل مبسّط، في حين أن كل حركة من حركاته كانت مدروسة...بما في ذلك قبلاته التي كان يوزعها اينما حلّ بين الفلسطينيين كي تكون صورته في منازلهم. لم يغفل نبيل عمرو أي تفصيل. كانت لديه عين ثاقبة ميّزته عن كثيرين رافقوا عرفات في مسيرته الطويلة التي انتهت برحلة علاجية الى باريس ثم بوفاته في ظروف يعتبر كثيرون انها غامضة. لعلّ أفضل ما في الكتاب، اضافة الى دقته طبعا، جرأة نبيل عمرو الذي لم يخف أن "أبو عمّار" كان يتصرف احيانا بطريقة غريبة، خصوصا في لبنان، حيث تجاهل احيانا تركيبة البلد والحساسيات، كما رفض الاعتراف في مرات كثيرة بأن حافظ الاسد لا يمكن أن يسمح له بأن يكون صاحب اليد العليا هناك وممارسة خياراته السياسية من منطلق التمسك بالقرار الفلسطيني المستقلّ. فبالنسبة الى البعث السوري أو البعث العراقي لا وجود  للقرار الفلسطيني المستقل. حافظ الاسد "كان يطلب ما هو أكثر من استحالة. كان يطلب تطويععرفات وتقليص حجمه ليصير في حجم قائد فصيل فلسطيني لا يملك الاّ أن يدور في الفلك السوري". تضمن الكتاب عرضا تفصيليا للعلاقات بين عرفات والاسد الاب وصدّام حسين الذي انتقل من عدو الى حليف. كذلك تطرّق الى الآمال التي بناها عرفات على ايران ما بعد الثورة الخمينية، وهي آمال تلاشت شيئا فشيئا. وكان نبيل عمرو أكثر من منصف للملك حسين، رحمه الله، الذي أنقذ حياة ياسر عرفات حين أخذه عنوة في سيارته الى المستشفى لاجراء فحوص طبية اثر حادث سقوط الطائرة الذي تعرّض له في الصحراء الليبية. حاول الكاتب قدر المستطاع تقويم العلاقة بين عرفات وصلاح خلف (أبو ايّاد) وخليل الوزير (أبو جهاد). بدا واضحا انه عرف الكثير عن الرجلين الاساسيين في حركة "فتح". كانت شهادته في العميد سعد صايل (ابو الوليد) القائد العسكري الفلسطيني الذي عرف كيف يخرج الفلسطينيين المسلحين من لبنان بكرامة، اكثر من ايجابية. كذلك انصف خالد الحسن (ابو السعيد) وشخصيات لبنانية استثنائية تمتلك صفة الوفاء مثل السيّد محسن ابراهيم. وشرح طويلا اهمية الدور السعودي المساند للفلسطينيين وقضيتهم وأهمية مصر التي كان التي دعمت ياسر عرفات في عهود عبدالناصر والسدات وحسني مبارك. ثمة فصلان في الكتاب يستحقان القراءة بتمعن. يتعلّق الاول بعلاقة عرفات بالاتحاد السوفياتي قبل انهياره. كان نبيل عمرو، بصفة كونه سفيرا في موسكو، شاهدا على التغيير الذي شهده الكرملين وصولا الى استقبال ميخائيل غورباتشوف لياسر عرفات للمرّة الاولى. كان مهمّا بالنسبة الى نبيل عمرو افهام فلسطينيين كثر أن شيئا اساسيا تغيّر في موسكو. لكنّ هؤلاء هؤلاء كانوا اسرى افكار مسبقة عن الاتحاد السوفياتي رفضوا دائما التخلي عنها...على الرغم من أنها لم تعد واردة لدى المسؤولين السوفيات انفسهم! أما الفصل الآخر البالغ الاهمية، فهو ذلك المتعلّق بالولايات المتحدة. كان عرفات يتطلع دائما الى علاقة مع واشنطن. يصعب على القارئ، من خلال الكتاب، معرفة  ما اذا كان ياسر عرفات استطاع أن يفهم يوما اميركا وطبيعة العلاقة التي ربطتها باسرائيل. ولذلك، اصبح كلّ ما هو مرتبط بالعلاقة مع واشنطن بمثابة "كابوس مرير" بعدما ايقن أن هناك انحيازا صارخا من القوة العظمى لوجهة النظر الاسرائيلية. الثابت أن ابواب البيت الابيض اغلقت نهائيا في وجه الزعيم الفلسطيني الراحل بعدما رفض اواخر السنة 2000 مبادرة الرئيس كلينتون على الرغم من نصيحة صادقة صدرت عن الامير بندر بن سلطان، السفير في واشنطن وقتذاك. دعاه بندر الى قبول المبادرة "من منطلق أني عضو في فتح". وكان السيد حسن عبدالرحمن رئيس البعثة الفلسطينية في العاصمة الاميركية شاهدا على ذلك وعلى ما حصل لاحقا. عرض نبيل عمرو جانبا من سيرة ياسر عرفات ومسيرته وصولا الى مرحلة ممارسته السلطة من رام الله. ترك للقارئ الخروج باستنتاجاته. الامر الوحيد الاكيد أنه كان موفقا في عرضه. ففي كلّ صفحة من الكتاب جملة مفيدة تستأهل الحفظ. احدى هذه الجمل متعلقة بالملك حسين الذي وصفه نبيل عمرو بعد اتخاذ العاهل الاردني الراحل قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية صيف العام 1988 بأنّه "سيّد المعادلة الصعبة". هناك جملة أخرى، قد يكون مفيدا لكلّ لبناني خزنها جيدا في ذاكرته هي الآتية:" مصر هي من منح عرفات شرعية الوجود العسكري على ارض لبنان. فلولا مصر عبدالناصر، لما اُبرم اتفاق القاهرة، أغرب اتفاق سياسي عسكري في المنطقة العربية". حتى هذه اللحظة، ما زال لبنان يعاني من اتفاق القاهرة..."أغرب اتفاق سياسي عسكري في المنطقة".  خرج المسلح الفلسطيني من لبنان ولم يخرج منه السلاح غير الشرعي بعد، هذا السلاح غير الشرعي الذي صار ايرانيا وسوريا بعدما كان فلسطينيا!

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كتاب جدّي ياسر عرفات وجنون الجغرافيا كتاب جدّي ياسر عرفات وجنون الجغرافيا



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 13:06 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 12:58 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 16:44 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

المكاسب المالية تسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 00:44 2017 الجمعة ,29 كانون الأول / ديسمبر

دار "دولتشي أند غابانا" تطرح مجموعة جديدة لعام 2018

GMT 18:24 2019 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

مصطفى حمدي يضيف كوتة جديدة لمصر في الرماية في أولمبياد طوكيو

GMT 03:44 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على قواعد الإتيكيت لكافة أنواع الرحلات

GMT 07:36 2021 الثلاثاء ,14 كانون الأول / ديسمبر

أسس في ديكورات مجالس الرجال الفخمة

GMT 11:57 2023 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

برومو ”الاسكندراني” يتخطى الـ 5 ملايين بعد ساعات من عرضه

GMT 16:44 2018 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

تسريب صور مخلة للآداب للممثلة السورية لونا الحسن

GMT 15:14 2020 الأحد ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

شباب الأردن يتجاوز الفيصلي بثلاثية في دوري المحترفين

GMT 21:12 2020 السبت ,26 كانون الأول / ديسمبر

العناية ببشرة العروس من خلال هذه الخطوات

GMT 13:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon