حتى بشار  يرحل

حتى بشار ... يرحل!

حتى بشار ... يرحل!

 لبنان اليوم -

حتى بشار  يرحل

حازم صاغية

ما دام الموت، الذي شغل البشر منذ الإنسان الأول، نهايةً يحتمها قانون بيولوجي لا يُرد، تم التحايل عليه بطرق عدة، فقد نشأت، مثلاً، فكرة «الخلود» بوصفها تهميشاً للموت، أو تحويلاً له إلى مجرد محطة للعبور. وكانت الأهرامات الفرعونية التجسيد النُصبي الأعظم للفكرة هذه. كذلك، وعلى مستوى السلطة في معناها المباشر، نشأ «التوريث» الذي يُراد له أن يُبقي الميت حياً من خلال نجله وأنجال نجله. ولأن الابن، كما قيل، سر أبيه، فهذا التواصل الجيلي يضفي الخلود على «السر» المقدس فيزيده قدسيةً. وهنا، في التوريث، بات الهرم هو الشخص المتواصل نفسه. إنه خوفو الذي من لحم ودم.

لكنْ كثيراً ما تصالحت هاتان التقنيتان التاريخيتان، والدراميتان، في ملاعبة الموت، فأقيمت التماثيل والنُصب للحاكم الوريث. والحجرُ، كما هو معروف، لا يُزال ولا يُمحى مع الزمن. هكذا اجتمع الخلود والتوريث في طوطم شبه إنساني، شبه ميثولوجي.

وفي سورية، انطوت مفردة «الأبد» على هذه المعاني مجتمعة، وعلى الهامش، وفي اللحظات الصعبة، وُجدت تقنية ثالثة للتحايل على الموت لا صلة لها بتاتاً بالعظمة المزعومة: إنها الوضاعة التي تحمل صاحبها على تقبيل الأيادي واللحى، وطي ما يُفترض أنه مبادئ وقيم متبناة، في سبيل الحفاظ على الحياة.

لكنْ في النهاية بقي المبدأ الحاكم يقول: ما دام القائد خالداً، منقوشاً في الصخر ومتواصلاً في الأجيال، فإنه رفيق الأبد، وكلّ ما هو أقصر من الأبد، أو أقل، فسحةٌ لا تكفيه لاستعراض خلوده.

والقائد الخالد والأبدي لا يواجه مشكلة أو أزمة مهما كانت كبيرة، سمها ثورة أو إطاحة نظام، بل يواجه الشر بوصفه شيئاً خالداً وأبدياً هو الآخر، إلا أن خلوده وأبديته سلبيان. وهذا ما يفسر أن إعلام خوفو لم يتحدث إلا نادراً عن فاجعة راهنة يواجهها النظام، بل مارس، على السوريين والعرب والعالم، الإيهام بالفاجعة الأعظم التي لا بد أن تحدث في حال سقوطه. وكردع مسبق لهذا الشر الجوهري المنقوش في أفق المستقبل، تغدو الوحشية مطلوبة، لا مرغوبة فحسب، لأنها محكومة بغرض نبيل واستباقي في آن معاً. ومن دون الوقوع في تآمرية الظن أن النظام أوجد التنظيمات التكفيرية، يبقى أن الغرابة التي قد تنطوي عليها تلك التنظيمات، وقدرتها غير المألوفة على إثارة الرعب، يجعلانها مطلوبة من النظام، لا مرغوبة فحسب. فهي تكمل لوحة الثنائية الضاربة في الأصل البشري بين الخير الدائم والشر الدائم، وتمد ذاك «الخير» بنسغ مغذٍّ وحياة مديدة.

هذه العلاجات كلها، التي تجمع الواقعي إلى الأسطوري، ربما شرعت اليوم تكف عن الاشتغال. وقد أطنب المعلقون والمراقبون في شرح الأسباب التي تقف وراء ذلك: من التنسيق الإقليمي بين دول عدة ضد الأسد، إلى تراجع الحماسة الإيرانية له، ومن المراجعة الروسية لأكلاف سياسة موسكو في دمشق، إلى تزايد الدعم الذي يحظى به المعارضون. وإلى هذه يضاف سبب مؤلم هو ترقق القاعدة الأهلية التي استند إليها الأسد، وارتداد الصراع المسلح إلى خامه العددي.

لقد واجه السوريون تحايل نظامهم على الموت، وهو ما بدأ بإسقاط التماثيل، وما قد يجد تتويجه بسقوط الأسد نفسه. وهذا الاحتمال الكبير يضعنا أمام سؤال مُر وحارق: إذا كان سقوط مئات آلاف السوريين شرطاً لحياة «الأبد»، فهل يكون موت هذا «الأبد» شرطاً لحياة السوريين؟ إنه سؤال المسؤولية المطروح على أبناء سورية، وعلى العالم بمعنى ما.

أما الآن، في هذه اللحظة بالذات، فلنحتفل بالاحتمال الكبير.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حتى بشار  يرحل حتى بشار  يرحل



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 12:53 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 22:01 2023 الأربعاء ,22 شباط / فبراير

المكارثيّة والغولاغ... مرّة أخرى

GMT 00:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

أجواء إيجابية لطرح مشاريع تطوير قدراتك العملية

GMT 20:11 2022 السبت ,23 إبريل / نيسان

في وداع لبنان

GMT 20:09 2021 الإثنين ,26 تموز / يوليو

مهرجان الرقص في دورته الثانية في صور

GMT 18:52 2021 الأربعاء ,22 كانون الأول / ديسمبر

الجامعة اللبنانية وزعت نبذة عن رئيسها الجديد بسام بدران

GMT 20:18 2025 الأحد ,14 كانون الأول / ديسمبر

الأمن العراقي يفكك شبكة دولية لتصنيع وتجارة المخدرات

GMT 14:22 2016 الجمعة ,27 أيار / مايو

الشباب يوقع عقد احترافي مع عبدالله الخيبري

GMT 18:53 2022 الأربعاء ,16 آذار/ مارس

نور تخطف الأنظار بإطلالة مميزة وساحرة

GMT 07:16 2021 الخميس ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

موعد مع الإعجاز السعودي الثاني
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon