أبعد من مصرع القنطار

أبعد من مصرع القنطار

أبعد من مصرع القنطار

 لبنان اليوم -

أبعد من مصرع القنطار

حازم صاغية

مع مقتل سمير القنطار، نقلت وسائط التواصل الاجتماعيّ أساساً، والصحف جزئيّاً، صوتين باتا مألوفين في مناسبات كهذه. لكنّ صوتاً ثالثاً أقلّ نسقيّة حضر في ساحات الرأي، مستعيراً من الصوت الأوّل بطوليّة القنطار ونضاليّته ضدّ إسرائيل، ومن الصوت الثاني إدانة الجرائم النازلة بالشعب السوريّ التي يمارسها الأسد، لكنْ من دون اعتبار القنطار إحدى أيدي الأسد وأذرعه.

والحال أنّ هذا الصوت الثالث استعان، في مزجه الماء بالنار، بحجج تلفظها أدمغة الدجاج. فالقنطار، تبعاً للرأي هذا، كان ينشئ حركة مقاومة في الجولان ضدّ الدولة العبريّة، علماً أنّه حتّى لو صحّ الخبر، فإنّ أحداً ليس في وارد تفعيل المقاومة لإسرائيل، لا «حزب الله» المستَغرق سوريّاً، ولا عموم الوضع السوريّ المتخم بهمومه. كذلك، وبما أنّ إسرائيل قتلت القنطار، جاز عدّه شهيداً بطوليّاً، في معزل عن وقوفه الصريح والمعلن في صفّ الأسد، قولاً وفعلاً. وحجّة كهذه لا تعدو كونها شهادة بحتة لسيطرة إسرائيل على العقول وردود الأفعال بحيث يتحرّك قائلوها على إيقاع روبوتيّ، لا مكان فيه للسياسة أو العقل، ولا إشارة تدلّ إلى ذات عاقلة وفاعلة. ففي مجرّد أن تقال كلمة إسرائيل نهتاج أو نرقص أو نجنّ.

بيد أنّ المسألة الأهمّ تكمن في الأسباب التي تملي صدور أحكام كهذه، يتجاوز ارتكابُها أصحابَها المباشرين. فالقنطار الذي قاتل إسرائيل، ولو بطريقة يُفترض بالقضايا «المقدّسة» أن تسمو عنها، ثمّ شارك في قتل السوريّين، قدّمت سيرتُه إسهاماً حيويّاً في سجال غالباً ما بقي ضامراً، عنوانه: هل يمكن التوفيق بين تأييد الثورة السوريّة، والثورات العربيّة عموماً، وبين المضيّ على الطريقة إيّاها في محاربة إسرائيل؟

وقد يقول راغب في الالتفاف على السؤال، أو تنظيف الصراع مع إسرائيل من النظام السوريّ، إنّ الأسدين لم يقاتلا إسرائيل. وهذا ليس صحيحاً لأنّهما قاتلاها وأوصلا سلاحاً لمن يقاتلونها ودرّبوهم، يسري هذا على «منظّمة التحرير» وحلفائها اللبنانيين كما يسري على «حزب الله» لاحقاً. لكنّهما كانا دائماً يتهرّبان، بذكاء ومرونة افتقر إليهما الحلفاء والتابعون، من المواجهة المباشرة، لمعرفتهما ما لا يعرفه أولئك الحلفاء عن إسرائيل، ولأنّهما يملكان سلطة يخافان عليها لا يملكونها هم. وأبعد من هذا كلّه أنّ البعث السوريّ هو الذي جرّ عبدالناصر ابتزازاً إلى موقع راديكاليّ في الموضوع الإسرائيليّ، قبل أن يحبط حافظ الأسد جميع المحاولات السلميّة التي ارتبطت بأسماء أنور السادات وياسر عرفات والملك حسين.

وفي المقابل، فحين كان أصحاب الطريق الثالث يعارضون الأسد الأب فإنّهم ما كانوا يعارضونه دفاعاً عن وطنيّة لبنانيّة، أو تضامناً مع قهر يعانيه السوريّون، بل كانوا يعارضونه من داخل الصفّ الواحد الذي لا يريد لجذوة الصراع العربيّ - الإسرائيليّ أن تخمد، بحيث يدور الخلاف معه على الكيفيّة التي تُبقي هذه الجذوة مشتعلة.

والأسد الأب هو، وبالإفادة من التصلّب والعجرفة الإسرائيليّين، صاحب الإسهام الأكبر في تحويل القضية الفلسطينية قضيّة ماهويّة وجوهريّة وثأريّة لا تحلّها السياسة، بالضبط لأنّ سوريّة لا تُحكم أسديّاً وبعثيّاً إلاّ بقضيّة فلسطينيّة تُفهم هكذا وتُخاض هكذا. فهذه الأخيرة «ملح الوجود» للنظام السوريّ الذي سهر على رعاية الطريقة الروبوتيّة في النظر إلى الصراع. فلو ظهرت أصوات قويّة وشجاعة تتصدّى لتلك الروبوتيّة وتعلن، مثلاً، ارتياحها إلى حرمان صدّام حسين سلاحاً نوويّاً، ولو على يد إسرائيل، أو إلى مصرع أيّ من الطغاة، ولو على يد إسرائيل، لكان التصدّع قد أصاب تلك الأنظمة قبل وقت طويل.

ولا تفوت، هنا، الإشارة السياسيّة والتقنيّة في آن، والتي مفادها أنّ الديموقراطيّة، التي طمحت إليها بدايات الثورة، تنطوي على تحكيم المواطنين السوريّين، عبر ممثّليهم المنتخبين، في قرارات الحرب والسلم المصيريّة، وهذا ما عرفه الأسدان أكثر كثيراً ممّن أرادوا لصق الديموقراطيّة ببرنامج صراعيّ قديم وسقيم لا يُستشار في أمره المواطنون.

إنّ هذا القطع الذي ينبغي أن يحصل لم يحصل. أمّا مقتل القنطار فجاء ينبّه إلى هذه المسألة الحسّاسة والقليلة التناول، وإلى ضرورة فضّ الزواج التعيس بين قضيّة تستهدف طاغية وقضيّة أمكن للطاغية نفسه أن يوظّفها بأكفأ الطرق والوسائل.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أبعد من مصرع القنطار أبعد من مصرع القنطار



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 12:53 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 22:01 2023 الأربعاء ,22 شباط / فبراير

المكارثيّة والغولاغ... مرّة أخرى

GMT 00:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

أجواء إيجابية لطرح مشاريع تطوير قدراتك العملية

GMT 20:11 2022 السبت ,23 إبريل / نيسان

في وداع لبنان

GMT 20:09 2021 الإثنين ,26 تموز / يوليو

مهرجان الرقص في دورته الثانية في صور

GMT 18:52 2021 الأربعاء ,22 كانون الأول / ديسمبر

الجامعة اللبنانية وزعت نبذة عن رئيسها الجديد بسام بدران

GMT 20:18 2025 الأحد ,14 كانون الأول / ديسمبر

الأمن العراقي يفكك شبكة دولية لتصنيع وتجارة المخدرات

GMT 14:22 2016 الجمعة ,27 أيار / مايو

الشباب يوقع عقد احترافي مع عبدالله الخيبري

GMT 18:53 2022 الأربعاء ,16 آذار/ مارس

نور تخطف الأنظار بإطلالة مميزة وساحرة

GMT 07:16 2021 الخميس ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

موعد مع الإعجاز السعودي الثاني
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon