تحولات في الطوائف اللبنانية إزاء المسألة الوطنية الأولى

تحولات في الطوائف اللبنانية إزاء المسألة الوطنية الأولى

تحولات في الطوائف اللبنانية إزاء المسألة الوطنية الأولى

 لبنان اليوم -

تحولات في الطوائف اللبنانية إزاء المسألة الوطنية الأولى

بقلم:حازم صاغية

ليست هذه الأسطر عن «تحوّلات الطوائف»، لكنّها عن تحوّلات «في» الطوائف سجّلتها الأيّام الأخيرة، أو أنّها كانت كامنة مستترة قبل أن تتولّى تلك الأيّام الإفصاح عنها.

وما لا شكّ فيه أن كلّ حديث في «الطوائف» ومواقفها يبقى تقريبيّاً، يشوبه التعميم. مع هذا، لا تزال الطوائف المعيار المتوافر الأدقّ لفهم المجريات اللبنانيّة ومسار التطوّرات الجارية والممكنة.

والحال أنّ حادثة صخرة الروشة وإنارتها جاءت استعراضاً مكثّفاً لمواقف الجماعات التي حمل بعضها مفاجآت، وخالف بعضها الآخر التوقّعات السهلة الميّالة إلى التنميط.

لكنْ إذا صحّ اشتقاق أمزجة الطوائف من سياسات ممثّليها، على ما تفترضه التركيبة اللبنانيّة، علماً بنقص دقّة القياس هذا، جاز القول إنّ «التمثيل السنّيّ الرسميّ» كان الأكثر صحّيّةً في التعامل مع المسألة الوطنيّة الأشدّ إلحاحاً وراهنيّةً الآن، أي مسألة السلاح.

ولربّما جاء «التعبير السنّيّ» قليل الصخب، قياساً بالضوضاء التي تهبّ من مواقع طائفيّة أخرى، لكنّ المرجّح أنّ العوامل التي تفسّر «الموقف السنّيّ» ليست قليلة ولا سهلة التجاهل. فرئيس الحكومة نوّاف سلام، الذي يصعب اختزاله في سنّيّته، استند إلى مبدئيّة مسؤولة وطنيّاً، غير معهودة كثيراً في السياسيّين اللبنانيّين، مقرونة بحساسيّة قانونيّة ونزوع دستوريّ. وهذا وذاك يجعلان بتّ أمر السلاح مسألة تخاطب التغييريّ فيه، وليس السنّيّ فحسب.

ولربّما جاز القول إنّ المواصفات تلك لا تتعارض مع معطيات تقيم في خلفيّة «المزاج السنّيّ»، منها «اللبننة السياسيّة» للسنّة التي تُنسب إلى الرئيس الراحل رفيق الحريري. وهذا فضلاً عن شعور بالمظلوميّة مصدره مقتل الحريري نفسه والانطباع الشائع حول هويّة قاتليه، بحيث بدت لكثيرين حادثة الروشة مكافأة على القتل تُدفع في بيت القتيل. وأغلب الظنّ أنّ الوزن المدينيّ المُحبّ للدولة والكاره للعنف شكّل مُحفّزاً لتلك الخلفيّة، لا سيّما وقد بدأت تنحسر موجات التطرّف الدينيّ السياسيّ في المنطقة، فيما شرع النموذج الخليجيّ يمارس إغراءه تعلّقاً باستقرار يراه مُريدوه نقيضاً للتطرّف الجامح.

أمّا الموارنة، وعموم المسيحيّين فهم، ولأسباب تقليديّة معروفة، لا يزالون الطائفة الأقرب لأن تكون قاعدة الدولة، واستطراداً مبدأ حصر السلاح فيها. وقد تكون مواقف حزبي «القوّات اللبنانيّة» و«الكتائب اللبنانيّة» الأقرب إلى الوفاء للتقليد هذا، إلاّ أنّ الأمر يختلف عند الحديث عن التمثيل الرسميّ للطائفة، أي رئاسة الجمهوريّة والأجهزة والمؤسّسات التي تأتمر بها.

فنحن، هنا، أمام ما يمكن وصفه بالجيب العونيّ، نسبةً إلى الرئيس السابق ميشال عون وإلى «التفاهم» بينه وبين «حزب الله»، وهو جيب تُطرّز أطرافَه تركة إيلي حبيقة و«الاتّفاق الثلاثيّ». ولا يسع المراقب، والحال هذه، إلاّ أن يتذكّر نظريّة «حلف الأقليّات» التي ربّما أعاد بعثها وزادها تصلّباً قيام الحكم الجديد في سوريّا. ويمكن، في السياق هذا، إيراد محطّات بعضها تأسيسيّ كمعارك «فجر الجرود» الحدوديّة، وبعضها مستجدّ كمجازر الساحل والسويداء في سوريّا، فضلاً عن تفجير كنيسة مار الياس الدمشقيّة، والأصداء التي خلّفتها تلك المآسي.

كذلك تسلك الاستمراريّةُ العونيّة مسلكاً عريضاً آخر هو ميل النكوص إلى ما قبل اتّفاق الطائف الذي قاتله عون الأوّل بالسلاح. أمّا التعامل مع رئيس الحكومة، إبّان إضاءة الروشة، فأكثر ما يحمل على الجزم بهذا العداء للطائف والنفور منه.

بيد أنّ الوجهة المذكورة تُعدّ، من زاويتين على الأقلّ، انقلاباً على المزاج المسيحيّ التقليديّ: فالمزاج المذكور شديد الراديكاليّة في التعاطي مع سلاح «حزب الله»، وهو أيضاً شديد الاكتراث بالتوافق مع المزاجين الإقليمي والدوليّ الغالبين ممّا لا تمارس المدرسة العونيّة حياله إلاّ التجاهل وتفويت الفرص.

أمّا التمثيل الرسمي للشيعة فآثر، في المناخ الذي فرضه سلاح «حزب الله»، إقامة «دولة» سياسيّة موازية تكمّل «الدولة» العسكريّة الموازية التي أقامها الحزب. وبالاستفادة من تضامن يجمع بين الرئاستين الأولى والثانية، تمكّن رئيس المجلس من التحوّل إلى مصدر التحكيم الأوّل في الداخل وفي العلاقة بالخارج، وهذا بينما تكبر حدّة العداء والتكارُه بين مكوّنات الداخل، بينما يصغر موقع لبنان والاهتمام به في الخارج.

غير أنّ ما يُلاحَظ هنا أنّ ممثّل الشيعة الرسميّ الأوّل ينقلب مرّتين على الإمام موسى الصدر الذي تتلمذ عليه. ففي أحد أبرز أوجهها كانت الصدريّة اعتراضاً على جمود التمثيل السياسيّ للشيعة قياساً بتحوّلاتهم التعليميّة والاقتصاديّة والماليّة، وهذا فيما يشغل الرئيس نبيه برّي موقعه منذ ثلث قرن بالتمام. أمّا في وجه آخر لا يقلّ أهميّة فكان همّ الصدر أن تصون الدولةُ الجنوب والجنوبيّين وتُبعدهم عن التيّارات الراديكاليّة الفلسطينيّة واللبنانيّة التي اتّجه سعيها إلى توسيع رقعة المجابهات، وهو العكس تماماً لما يريده «حزب الله» ويمنحه رئيس البرلمان بركاته. وإنّما للسبب هذا كان لا بدّ من إعادة اختراع موسى الصدر شرطاً لإنجاح التنسيق والتكامل بين طرفي «الثنائيّ الشيعيّ».

وإعادة الاختراع، في شكلها الراهن، أقرب إلى ما تسمّيه العاميّة «زعبرة» ترسم الهزائم انتصارات والانتصارات هزائم، وهكذا دواليك.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تحولات في الطوائف اللبنانية إزاء المسألة الوطنية الأولى تحولات في الطوائف اللبنانية إزاء المسألة الوطنية الأولى



GMT 08:30 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 00:18 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 24 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 07:03 2024 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

أسبوع دبي للتصميم لعام 2025 يقدم معرض خواتم الرجال

GMT 08:55 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتسرّع في خوض مغامرة مهنية قبل أن تتأكد من دقة معلوماتك

GMT 15:59 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

تواجهك عراقيل لكن الحظ حليفك وتتخطاها بالصبر

GMT 06:19 2024 الأربعاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024

GMT 16:26 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

بريشة : ناجي العلي

GMT 10:37 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

عون يهنئ شربل داغر بجائزة “نوابغ العرب 2025”

GMT 18:06 2025 السبت ,04 كانون الثاني / يناير

هاكرز يستهدفون تطبيق واتساب في أكبر أسواقه

GMT 17:28 2020 الجمعة ,11 كانون الأول / ديسمبر

أجمل موديلات تيجان عروس فخمة

GMT 19:02 2021 الجمعة ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أول رد عراقي بشأن درع إليسا الواقي بأول حفلاتها في بغداد
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon