غربة «الجهادي» اللامنتمي

غربة «الجهادي» اللامنتمي

غربة «الجهادي» اللامنتمي

 لبنان اليوم -

غربة «الجهادي» اللامنتمي

غسان الإمام

 سخر تشارلي تشابلن من أزمة الرأسمالية العالمية (1929) التي طحنت ملايين العمال البائسين. فقادهم روزفلت وتشرشل من المصانع المتعطلة إلى خنادق الحرب العالمية الثانية. ثم بهر مارلون براندو وجيمس دين العالم الخارج من الحرب، بالتعبير عن الجيل الجديد الغاضب الذي لم يخض الحرب. فقد اكتملت مراهقته في الخمسينات.

مثّل براندو ودين ذلك الجيل اللامنتمي، جيل الغربة عن الآباء المشغولين عن رعاية الأبناء، بالعمل وإعادة إعمار ما دمرته الحرب. وبقي هذان الممثلان الرائعان ذكرى حزينة لدى ملايين الفتيات، للفتى المراهق الغريب الذي ينطلق على «الموتوسيكل» بالجينز الضيِّق. والجاكتة الجلدية القصيرة. و«الكاسكيت» المائلة على الرأس.

لكن جيلا شابا أكبر سنا. وأعمق ثقافة، عبّر آنذاك عن غربة اللامنتمي عن السياسة. استعار هذا الجيل من براندو الكلمة الغاضبة بلا صخب. والحافلة بالحيرة. والمرارة. والخيبة، إزاء مثاليات أحزاب اليسار. وفساد أحزاب اليمين.

ظهور «الجهادي» اللامنتمي في هذه الأيام، ذكّرني بغربة اليساري اللامنتمي. هناك ألوف «الجهاديين» الملتزمين الذين يقاتلون في صفوف «داعش». «حزب الله». «جبهة النصرة». «طالبان» الحوثية. طالبان الباكستانية والأفغانية. والميليشيات العراقية والإيرانية.

غير أن الخطر الكبير يكمن في جيل «جهادي» آخر يعيش بيننا ومعنا. هؤلاء الشباب اللامنتمون الذين يتوقون إلى الالتحاق بالتنظيمات «الجهادية»، هم ضحية فشل مرجعيات الإسلام التقليدي في اختراقهم، وفي تفسير فقه الدين الصحيح لهم.

في هجرته من اللحية القصيرة المُشذّبة، إلى اللحية السوداء الكثة، يعبر هذا الجيل بشكله وهندامه عن إخفاق الإسلام السياسي و«الإخواني» في استيعابه وإرضائه. فقد فشل «إخوان» مصر. وتونس. والأردن. وغزة. وتركيا، في إدارة السياسة. والمشاركة في السلطة. وممارسة المعارضة. وفي عدم قدرتهم على حسم موقف إسلامهم من الحرية. والديمقراطية. وعدم إدراكهم أين حدود الأصالة. وأين حدود ثقافة الحداثة. وما بعد الحداثة.

بل لنكن أكثر صراحة مع أنفسنا. فقد أخفق مجتمعنا، في اكتشاف هذا الجيل «الجهادي» اللامنتمي، والاقتراب منه. والتواصل معه. والتعرف على مشاكله باكرا، في غربته عن الآباء. والمدرسة. والجامعة. والمسجد. تركنا هؤلاء الشباب قبل أن يستكملوا موقفهم الفكري. الثقافي. السياسي، لتحتضنهم فئة معينة من «فقهاء» الدين.

هؤلاء «الفقهاء» هم أيضا لم يستكملوا الدراسة العلمية للفقه الديني. فقد رفضوا التفسير الفقهي التقليدي والرسمي. وتوقفوا عند مرحلة فقهية محدودة. عند فقه عصابي. جهادي متزمت، غير ملائم لتجييش العرب والمسلمين، في مرحلة انتقالية كان هدفها سد الهوة بين النقل، والإبداع العلمي والابتكار التقني.

في إدراكنا المتأخر لخطر المرحلة «الجهادية» المتوسعة، توجهنا أمنيا إلى مكافحة «الجهادي» المتشدد. المنتمي. المقاتل. وأهملنا أمنيا وفقهيا هذه الشرائح الفقهية العصابية. فنجحت في الوصول إلى الجيل «الجهادي» اللامنتمي، في دول ومجتمعات العالمين العربي والإسلامي، اللهم باستثناء السعودية التي تواجهها فكريا، بمن هو أعلم منها فقها.

في مقاتلة «الجهادي» المنتمي، وفي إحكام وتنسيق الرقابة الأمنية العربية - الغربية على «الجهادي» المنتمي، حدث تناقض صارخ بين ضرورات الأمن العالمي، ومبادئ حقوق الإنسان. فقد لجأت روسيا. وأميركا. وأوروبا، إلى استصدار قرار دولي مشترك من مجلس الأمن، يلزم الدول كافة (بموجب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة) بتقييد حرية الانتقال والسفر أمام المشتبه بكونهم من «الجهاديين» اللامنتمين. ومعاقبة من يمولهم ويدربهم.

القرار يظهر مدى ذبذبة القانون الدولي. وقصوره في فرض عدالة دولية متوازنة. حضر أوباما جلسة القرار، كدلالة على الرغبة الغربية الجارفة، بالثأر والانتقام العاطفي من «ثقافة» قطع الرؤوس. ودافعت روسيا عن القرار. فهو يضفي نوعا من الشرعية على ملاحقتها رؤوس «الجهاديين» الشيشان والداغستان، فيما استخدمت «الفيتو» ضد الملاحقة الدولية لنظام بشار الذي فتك. واعتقل. وعذب نصف مليون إنسان. مهارة «الجهادي» المنتمي واللامنتمي، في الاستخدام الدعائي لتقنيات الثورة الإلكترونية (الإنترنت. والفيديو)، لم تبدد سذاجة الفهم السياسي لدى «الجهاديين». فقد أثارت وحشية «الجهادي» المنتمي العرب والعالم ضد قطع الرؤوس. وإعدام الأسرى. وإلغاء السياسة. وحجب الحرية والعدالة عن المدنيين، إلى أي دين ومذهب انتموا.

هذه السذاجة الداعشية جردت «الجهادي» المنتمي عن الدفاع عما يعتبره «الحق» في الهجوم الثأري المستميت على بلدة «عين العرب» السورية ذات الغالبية الكردية، وذلك ردا على هجمة ميليشيا «البيشمركة» الكردية ضد دولة «الخلافة الداعشية» في العراق. السذاجة الأميركية المقابلة ورطت قوات دولة «كردستان العراق» في الظهور بمظهر القوات البرية العاملة تحت الغطاء الجوي الأميركي، بعد تحول جيش المالكي الطائفي إلى فلول هاربة أمام القوى الداعشية. الطرافة في أن هذه السذاجة الأميركية تحاول اللعب على ذكاء الرئيس التركي إردوغان، لاستخدام قواته في حسم معركة «عين العرب»، لحساب «خصومه» الأكراد! بعدما عجز الطيران الأميركي وصواريخ توما هوك وهِلْ فَيَرْ، في معالجة الهجوم الداعشي. إلى الآن، تجنبت أميركا التورط برا. نجحت في توريط كردستان. وميليشيات إيران العراقية. لكي تنجح في توريط تركيا، يجب أن تنجح في توريط «حلف الناتو» الذي يضم تركيا. لتوريط «الناتو» في سوريا، يجب أن تردع أميركا إيران وروسيا، عن التدخل لحماية النظام السوري. لتخفيف الوطأة عن الدولة الداعشية يكفي توريط روسيا في سوريا.

قد لا تمر مياه كثيرة تحت جسور الفرات الذي يخترق «داعش» السورية، قبل أن يقتنع أوباما بأنه مضطر لتلبية طلب هيلاري الديمقراطية، وجون ماكين الجمهوري، بالمغامرة في إنزال قوات أميركية، وربما أيضا عربية، في سوريا والعراق.

في هذه المتاهة بلا نهاية، أعتقد أني عثرت على عمل ومهمة لدراويش المعارضة السورية «المعتصمين» في فنادق إسطنبول التركية. وأناشد ذمتهم الوطنية، التحرك لأدائها بهمتهم في التنافس أمام شاشات التلفزيونات، للتكهن بحلول وتسويات «انكشارية» للكارثة السورية.

طبعا، لا أريد للمعارضة السياسية السورية أن تنزل إلى داخل سوريا، لاستعادة 10 ملايين نازح سوري من «الدعوشة». أخاف على وجهاء المعارضة من «ثقافة» قطع الرؤوس، لا سمح الله. لكن باستطاعتهم التوجه برؤوس سالمة، إلى مخيمات النازحين السوريين في الدول المجاورة (4 ملايين نازح)، لغسل أدمغة «الجهاديين» اللامنتمين الذين يتصورون أن الدولة الداعشية هي الحلم الفردوسي، للإقامة فيها.

النظام العربي المضيف لهؤلاء النازحين سيرحب بالمعارضة الإسطنبولية الزائرة. وسيوفر لها المنابر في المخيمات، لإلقاء المحاضرات والتنظيرات. وسيقدم لها الحماية من «الدواعش» المنتمية واللامنتمية. ولا أشك في أن زعيم معارضة الداخل حسن عبد العظيم ومستشاره التلفزيوني حسين العودات، سينجحان أيضا في إقناع ملايين النازحين، بالتمسك بأدبيات الضيافة.

الرجلان يستطيعان تقديم معارضة الداخل مثالا على «حسن السلوك» في التعامل والتعايش مع نظام بشار الذي «يستضيفها». فهما ما زالا يعتقدان أن بالإمكان تحقيق مصلحة تبويس شوارب، وإقامة حكومة سلام ووئام توافقية، بعد 4 سنوات من القتل. والقتل المضاد. تبقى المشكلة في لبنان. فقد قطعت «داعش» و«جبهة النصرة» رؤوس 3 جنود لبنانيين. فأثارت 4 ملايين لبناني باتوا يطالبون «بقطع رؤوس» مليوني نازح سوري! الوضع هناك لا يسمح لأي معارض «إسطنبولي» أو وسيط «عوداتي»، بإقناع إيران. ونظام بشار. و«حزب الله» ورديفه ميشال عون، بإطلاق حرية الدولة اللبنانية، لعقد صفقة تسوية سلمية: مقايضة حفنة الداعشيين المعتقلين لديها، بكتيبة الجنود اللبنانيين الأسرى لدى «الجهاديين» العالقين في روابي عرسال.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غربة «الجهادي» اللامنتمي غربة «الجهادي» اللامنتمي



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 13:06 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 12:58 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 16:44 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

المكاسب المالية تسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 00:44 2017 الجمعة ,29 كانون الأول / ديسمبر

دار "دولتشي أند غابانا" تطرح مجموعة جديدة لعام 2018

GMT 18:24 2019 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

مصطفى حمدي يضيف كوتة جديدة لمصر في الرماية في أولمبياد طوكيو

GMT 03:44 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على قواعد الإتيكيت لكافة أنواع الرحلات

GMT 07:36 2021 الثلاثاء ,14 كانون الأول / ديسمبر

أسس في ديكورات مجالس الرجال الفخمة

GMT 11:57 2023 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

برومو ”الاسكندراني” يتخطى الـ 5 ملايين بعد ساعات من عرضه

GMT 16:44 2018 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

تسريب صور مخلة للآداب للممثلة السورية لونا الحسن

GMT 15:14 2020 الأحد ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

شباب الأردن يتجاوز الفيصلي بثلاثية في دوري المحترفين

GMT 21:12 2020 السبت ,26 كانون الأول / ديسمبر

العناية ببشرة العروس من خلال هذه الخطوات

GMT 13:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon