فرنسا الحياة من دون حكومة

فرنسا: الحياة من دون حكومة

فرنسا: الحياة من دون حكومة

 لبنان اليوم -

فرنسا الحياة من دون حكومة

بقلم : أمير طاهري

كان يمكن أن يظهر الإعلان الآتي في قسم الإعلانات المبوبة في إحدى الصحف المجانية التي توزع في مترو باريس: «مطلوب رئيس وزراء بشكل عاجل، الرجاء الاتصال بماريان».

وماريان هي الفتاة الرمزية التي تُمثل الجمهورية الفرنسية، وتظهر على شكل تماثيل صغيرة في قاعات البلديات وعلى الطوابع البريدية. ويأتي هذا الطلب العاجل من ماريان على خلفية استقالة سيباستيان لوكورنو، خامس رئيس وزراء يُعينه الرئيس إيمانويل ماكرون في غضون عامين فقط. وقد سجّل لوكورنو رقماً قياسياً تاريخياً عالمياً في قِصر مدة ولايته، مع استمراره في منصبه 820 دقيقة فقط.

ويكشف النمط، الذي ترسّخ خلال العامين الماضيين، أن العثور على رئيس وزراء بات مهمة تزداد صعوبة، إذ لم يعد أحد يرغب في أن يتولى هذا المنصب، في حين يحلم الجميع بمنصب الرئيس. وحتى لو عُثر على رئيس وزراء مؤقت جديد قبل نشر هذا المقال، فلا ضمانة بأنه سيكون أفضل حالاً من أسلافه الخمسة الذين سبقوه مباشرة. ويكمن السبب الجذري للمشكلة في أن الجمهورية الفرنسية الخامسة صُممت كملكية متنكرة في صورة جمهورية، ما يجعلها عرضة لتحديات النظامين كليهما.

فإذا كان الرئيس يتمتع بأغلبية داخل الجمعية الوطنية (البرلمان)، فقد يصبح موضع حسد أي من ملوك فرنسا السابقين. أما إذا لم يُسيطر على البرلمان، فإنه يتحول إلى مجرد ديكور باهظ الثمن، بل قد يصبح مصدر إحراج. وقد تناول الإعلام الفرنسي الوضع الحالي بمزيج من الهلع والاستسلام؛ فمصطلحات مثل «أزمة»، وعبارات مثل «تهديد وجودي»، تكررت كثيراً على ألسنة المثقفين عبر شاشات التلفزيون، والمحللين في الصحف، وعلماء السياسة داخل المؤسسات الأكاديمية الإقليمية. وقد أمضينا قرابة يومين نحاول قياس ردود فعل الشارع، عبر الحديث عشوائياً مع «رجل الشارع» في مناطق مختلفة من باريس. ولم يكن ما قمنا به استطلاعاً للرأي بالمعنى العلمي، ومع ذلك جاءت النتائج مفاجئة. بدا أن معظم مَن تحدثنا إليهم غير مبالين، ووصف أحد أصحاب المتاجر الأمر بأنه «مشاجرات طفولية بين السياسيين». وذهب مسؤول كبير في وزارة الزراعة، إلى حد القول: «السماء لم تسقط بعد، أليس كذلك؟»، في حين وصف شريك في شركة استشارات الوضع بأنه «كوميديا بنكهة فرنسية». وفي نهاية تحقيقنا غير العلمي، بقي سؤال يُطاردنا: ماذا لو أن فترة من دون حكومة رسمية قد تُفيد نظاماً سياسياً مترهلاً بقدر ما تُفيد الحمية جسداً يعاني السمنة؟ ومن دون الانسياق وراء أحلام الفوضويين، قد يتساءل المرء: ما الذي تفعله الحكومات - على الأقل داخل الديمقراطيات الغربية؟في الواقع، الشيء الأساسي الذي تفعله الحكومات أنها تأخذ أموالك وتنفقها نيابةً عنك بالطريقة التي تراها مناسبة، بما في ذلك الرشى الاجتماعية للفئات التي تؤيدها انتخابياً.

الحقيقة أن أسلوب «روبن هود»، أي أخذ المال من البعض لصالح بعضهم الآخر، أصبح النمط السائد، في حين لم تكن هذه الحال دائماً. ففي ذلك الحين، كانت كفة ميزان القوة بين الدولة والمجتمع تميل في الغالب لصالح المجتمع. ومعظم الاختراعات الـ3.000 تقريباً، التي رسمت ملامح العالم الحديث جاءت من أفراد أو مجموعات خاصة، من دون دعم حكومي.

وبالعودة إلى فرنسا اليوم: البلاد لم تمتلك حكومة فعّالة منذ عامين، ومع ذلك، استمرت البلاد في تحقيق نمو اقتصادي جيد، ومعدل بطالة يُضاهي بقية العالم الصناعي، ومعدل تضخم أقل من بريطانيا، فضلاً عن تركيا أو إيران. وبعد عامين من غياب حكومة حقيقية، لم تعد فرنسا أسوأ مما كانت عليه قبل بدء «الأزمة الوجودية» الحالية. كما جرى تسجيل مئات براءات الاختراع الجديدة، في الوقت الذي ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر بشكل غير متوقع. ووصل عدد السياح إلى رقم قياسي غير مسبوق، ما جعل فرنسا واحدة من أكثر ثلاث دول زيارة على مستوى العالم.

على نطاق أوسع، استمرت المستشفيات والمدارس والجامعات ومراكز الأبحاث والمكتبات والمتاحف، فضلاً عن المصانع والمتاجر، في العمل كما كانت الحال من قبل، في حين تلقَّى العشرون مليون مواطن الذين يتمتعون بمعاشات تقاعدية و/أو إعانات بأشكال مختلفة شيكاتهم، بفضل عدم وجود إغلاق إداري كما هي الحال في الولايات المتحدة. وغنيٌّ عن القول، إن أوسع تشكيلة من المطاعم في العالم لا تزال تُقدم طعاماً لذيذاً. ومن المقرر أن يحتفل المشهد الأدبي الفرنسي، هذا الخريف، بإطلاق أكبر عدد على الإطلاق من الروايات الجديدة في المكتبات.

المثير أن غياب الحكومة تقريباً لم يفلح في إيقاف التقليد الفرنسي المتمثل في أعمال الشغب المناهضة للحكومة. وقد شهدنا ثلاثة انتخابات خلال الشهرين الماضيين، وسنشهد انتخابات أخرى الأسبوع المقبل، حتى لو عُيّن رئيس وزراء سادس. لا يهم إن لم تكن هناك حكومة؛ علينا أن نؤكد هويتنا الفرنسية بالاحتجاج ضد الحكومة. حققت فرنسا، من دون حكومة، انتصارات تاريخية عديدة بمجال الرياضة، بما في ذلك في بطولات كرة قدم مختلفة. وبلغت الإنجازات ذروتها، الثلاثاء، مع فوز فرنسا بجائزة نوبل للفيزياء. ويصف النقاد الباريسيون فشل إقرار ميزانية وطنية لعام 2026 بالكارثة لإخافة البرجوازيين. ومع ذلك، ماذا لو كان عدم وجود موازنة جديدة مفيداً؟ جدير بالذكر هنا أنه إذا لم تقر موازنة جديدة، فسيجري تمديد ميزانية 2025 إلى 2026.

ماذا سيحدث حينها؟ بدايةً، لن تُفرض ضرائب جديدة، الأمر الذي سيُخفف العبء عن مجتمع يرزح تحت وطأة الضرائب. ولن تُفرض قواعد ولوائح جديدة باسم الاهتمامات البيئية والاجتماعية والتضامنية، فضلاً عن أنماط حياة بديلة أو تعويضات للضحايا الحقيقيين أو الوهميين. كما سيجري إلغاء استفتاء غير مجدٍ ومكلف في كاليدونيا الجديدة. كما أن عدم وجود موازنة جديدة يمنع الدولة من توظيف موظفين جدد في جهاز بيروقراطي متضخم، أو إنفاق الأموال على صفقات مميزة ومشروعات مرموقة.والأفضل من ذلك، لن تضطر الحكومة إلى رفع المعاشات التقاعدية والإعانات بما يتماشى مع التضخم، ما يعني منع زيادة الإنفاق الحكومي مع الاستمرار في تحصيل الضرائب المقررة لعام 2025. وهذا يؤدي إلى انخفاض عجز الموازنة، ما قد يعني انخفاض الاقتراض، ومن ثمّ خفض الدين العام وكبح أسعار الفائدة. وقد تدفع هذه التجربة الناس إلى إعادة النظر في توازن القوى بين الدولة والمجتمع في ظل الديمقراطية الحديثة.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فرنسا الحياة من دون حكومة فرنسا الحياة من دون حكومة



GMT 08:30 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 19:51 2021 الأحد ,07 آذار/ مارس

طريقة وضع الكونتور البودرة

GMT 18:52 2021 الأحد ,07 آذار/ مارس

مشاكل جفاف الجلد في فصل الشتاء

GMT 17:14 2019 الجمعة ,21 حزيران / يونيو

دبابات إماراتية تغادر العاصمة اليمنية المؤقتة

GMT 21:29 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

كيف نساعد الطفل على عمل صداقات في المدرسة؟

GMT 15:27 2021 الخميس ,21 كانون الثاني / يناير

راشد الماجد يحمل نعش والدته وينهار لحظة الدفن

GMT 11:54 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

سر فوائد زيت البصل للشعر وطريقة تحضيره في المنزل

GMT 20:53 2025 الأحد ,14 أيلول / سبتمبر

"بيتكوين" تتجاوز 121 ألف دولار وسط تفاؤل تنظيمي

GMT 12:36 2017 الجمعة ,27 تشرين الأول / أكتوبر

أكلات ووصفات طبيعية لزيادة الوزن وعلاج النحافة

GMT 07:29 2020 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

كل ما تريد معرفته عن ميونخ وأهم الأماكن السياحية بها

GMT 21:45 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

دليلك الكامل لتنسيق الأثاث الصناعي

GMT 14:41 2019 الجمعة ,29 آذار/ مارس

اكتساح إيطالي لحكام مباريات الديربي

GMT 10:07 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

ألوان التراب تسحر إطلالات النجمات شتاء 2026

GMT 19:19 2021 الجمعة ,17 كانون الأول / ديسمبر

موضة حقائب بدرجات اللون البني الدافئة
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon