معارك وهمية في مصر 25 أم 30

معارك وهمية في مصر: 25 أم 30؟

معارك وهمية في مصر: 25 أم 30؟

 لبنان اليوم -

معارك وهمية في مصر 25 أم 30

مأمون فندي
في عشاء على النيل، قالت الفنانة الشهيرة: «متجبليش سيرة ثورة 25 يناير، دي كانت وكسة مش ثورة»، كان النيل هادئا، وكانت تنبعث من الرصيف رائحة قاهرية مألوفة كتلك التي تشتمها في المدن شبه المنتهية. واختلطت مع تعليق الفنانة الراقية أصوات موسيقى شعبية تنبعث من القوارب التي تحمل المتنزهين قبل أن يبدأ حظر التجول في الحادية عشرة مساء. الصور المصاحبة من زحام وتلوث وأرصفة بالية تحديات حقيقية لا أحد يتكلم عنها في مصر المحروسة ويفضلون المعارك الوهمية. «ثورة الشعب كانت في 30 يونيو، أما (يناير) فكانت وكسة فعلا»، أضاف الفنان العجوز الذي مثل كل المصريين، ينبش في الماضي ويحن إليه كمن ينظر دائما في مرآة السيارة العاكسة إلى أن يرتطم بأول جدار. رجل عجوز، وعذرا، وطن عجوز أيضا، رغم كل الشباب الذين نراهم في الشوارع والذين سدوا عين الشمس يوم 30 يونيو. وككل المصريين المتعلقين بالماضي الإسلامي والناصري كانت مشاعر الفنان العجوز مختلطة تضيف إلى ضبابية الرؤية التي تلف المكان ويضيف الضباب إلى صورة الارتطام بأقرب حائط بعدا جديدا. سمعت النغمة ذاتها في جلسة حضرتها في الطرف الشمالي من القاهرة في مصر الجديدة، حيث دعيت إلى غداء كان به ما يقرب من أربعين رجلا وامرأة. سألتهم أي رئيس لمصر يريدون. وكنت أقصد مؤهلات الرئيس لا الشخص، ولكنني سمعت همهمات كثيرة على مائدة الغداء تردد اسم السيسي في إشارة إلى الفريق أول عبد الفتاح السيسي. ولما فشلنا في تركيز الحديث في نوعية الرئيس والمهام التي يجب أن يقوم بها وتحديات مصر بعد مبارك وبعد حكم «الإخوان»، اضطررت أن أسأل: «اللي مع السيسي رئيسا يرفع يده؟» ورفع الجميع أيديهم ما عدا رجلين قالا إن السيسي يذكرهما بجمال عبد الناصر الذي أمم أملاكهما في السابق ولا يريدان «يوليو» أخرى ولا يريدان رجلا عسكريا آخر يحكم مصر. زادت حيرتي عندما أسهب الحضور فيمن يختارون رئيسا، ومعها اشتدت حدة المقابلة بين «25 يناير» و«30 يونيو»، وزاد عليها بعض الحضور 23 يوليو وعبد الناصر. المقابلة أو المفاضلة بين «25 يناير» و«30 يونيو» هي مناظرة زائفة، الهدف منها الهروب من مواجهة أزمات مصر الحقيقية المتمثلة في اتخاذ القرارات الصعبة بعد الثورة بداية من مواجهة تكلسات نظام قديم أنتج بيروقراطية معادية ورافضة للتغيير، فبينما العنصر البشري المتمثل في شباب الثورة يدفع باتجاه التغيير، نجد أن تركيبة الدولة وبنيتها ليس بهما من المرونة بما يسمح بتغيير. وهنا لا أتحدث عن المفهوم المنقول من الحالة التركية «شحط محط»، والذي تلقفه أصحاب العقول الناقصة والمعروف بالدولة العميقة. وليس المجال هنا للحديث عن استيراد مفاهيم مغشوشة ومطبقة خطأ نتيجة لتدني حالة العلوم الاجتماعية في المنطقة العربية. فأصل الدولة العميقة التاريخي في تركيا يعود إلى النظام الخاص الذي أنشأ عام 1889 شبكة عابرة للقوميات أشبه بالتنظيم السري لـ«الإخوان المسلمين» ولا ينطبق على الجيش المصري كما يصر مروجو مفهوم الدولة العميقة، وتلك قصة طويلة. المهم (وأعدكم بمقال كامل عن هذا) أن الدولة العميقة التركية لا توجد في مصر وأن نظرية مانكير أولسون عن أصحاب المصالح، والتي درسها معظم طلاب السياسة في فترة الماجستير والتي خرجت منها نظرية الدولة العميقة في أصلها التركي أفضل بكثير لتحليل الحالة المصرية إذا أصر ضعاف العقول. المهم في كل هذا هو أن ما يحدث في مصر من مغالطات كبرى يروج لها أعضاء الحزب الوطني المنحل ورجالات نظام مبارك، هي أن موجة «30 يونيو» من الثورة هي ثورة عاتية مستقلة، وأنها قامت ليس ضد نظام «الإخوان» بقيادة محمد مرسي وحسب، وإنما قامت في الأصل ضد ثورة «25 يناير» وبدأ كتبة نظام مبارك يروجون لعودة رجالات مبارك لا دولته ويستخدم هؤلاء الكتبة الملايين الهائلة من الشعب المصري التي خرجت إلى الشوارع على أنها أكبر دليل على أن «30 يونيو» هي الثورة، وأن «25 يناير» هي مجرد احتجاج عابر أو فورة. الحقيقة لو أردنا إقامة الحجة والبرهان بالأرقام، فالعبرة بالنتائج. فثورة يناير لم تكن في «25 يناير»، وإنما كانت يوم 11 فبراير (شباط) يوم تنحي مبارك. يومها خرجت مصر عن بكرة أبيها بأعداد كالتي خرجت يوم 30 يونيو (حزيران) وربما أكثر لتقول لا لنظام مبارك. إذن «11 فبراير» ليست أقل عددا من «30 يونيو». أعداد المصريين الذين خرجوا يحتفلون بنهاية استبداد مبارك لا تقل عن أعداد الذين خرجوا إلى الشوارع يوم عزل مرسي في 3 يوليو (تموز) 2013 معلنين احتفالهم بنهاية الاستبداد الديني في مصر. نفس الأعداد تقريبا خرجت ضد الفساد والاستبداد أيام مبارك ونفس التحالف أيضا خرج ضد فساد واستبداد «الإخوان». إذن المقابلة بين «25 يناير» و«30 يونيو» هي مقابلة مغشوشة لمحاولة تمكين رجالات مبارك مرة أخرى، ولو استطاعوا أن يركبوا الموجة ستخرج موجة ثالثة أعتى من «30 يونيو» ضد إعادة تركيب نظام مبارك. فلو كان لدى هؤلاء ذرة خوف على البلد أتمنى ألا يحاولوا ركوب الموجة لأن بنية الدولة المصرية بهشاشتها الحالية لا تحتمل موجة ثالثة وقد تنكسر الدولة بشكل لا يمكن إصلاحه هذه المرة ونقول وداعا لمصر كما نعرفها. منذ 23 يوليو 1952 حتى الآن، هناك طبقة مصرية تركب أي موجة وأي ثورة ولديها من المرونة ما يجعلها تخدم أيا من كان في السلطة، والناظر إلى تشابك العلاقات الاقتصادية بين نظام مبارك ونظام «الإخوان» يدرك هذه الحقيقة بالأرقام وبالأسماء. ركبوا موجة عبد الناصر، وركبوا موجة السادات وموجة مبارك وموجة يناير، وركبوا موجة «الإخوان» خلال عام حكمهم اليتيم ويريدون الآن ركوب «30 يونيو». هذه ليست الدولة العميقة وإنما الطبقة الطفيلية بالمعنى السوسيولوجي، أو طبقة ورد النيل بالبلدي، وما سميتهم على صفحات هذه الجريدة في مقال مستقل «الطبقة الوسخة»، وقلت يومها إن الطبقة الوسطى بالمعنى الأوروبي ليست أرقاما، أي أن تكون ضمن معيار معروف من الثراء المالي، وإنما يصحب هذا الثراء المالي غنى قيمي وأخلاقي، وإذا انتفت الصفة القيمية والأخلاقية عن المال انحدرت الطبقة من حالة الطبقة الوسطى إلى حالة «الطبقة الوسخة»، أي المفرغة من القيم («الشرق الأوسط» 19 أبريل/ نيسان 2010). النقطة الرئيسة هنا هي أن ما حدث في 30 يونيو وفي 3 يوليو من حيث خروج المصريين إلى الشارع رفضا للاستبداد والفساد، هو ذاته ما حدث يوم 11 فبراير 2011. إنها رغبة الشعب المصري في أن يمتلك مقدراته ويحكم السيطرة على دولته. ولا يوجد في مصر مؤسسة يتجلى فيها النسيج المصري سوى مؤسسة الجيش، لذا نرى اليوم حب المصريين للجيش يتجلى في أحسن صوره. ولكن للأسف يحاول البعض أن يترجم خطأ حب المصريين للجيش على أنه احتضان لدولة مبارك. هذا غير صحيح ألبتة. الجيش المصري ودوره في بناء الدولة هو مخالف تماما لدور جيش الدولة العميقة في تركيا، والذي كان جزءا من مافيا مسيطرة بشكل حصري على مقدرات الدولة، وتحالف مع جماعات مشبوهة منها جماعات الجريمة المنظمة لتحقيق مكاسبه. فهل هذا ما يريد أن يصل إليه مروجو مفهوم الدولة العميقة في مصر؟ أليس مفهوم الدولة العميقة في صورته الفجة هو ما قاله الإخواني أبو العلا ماضي عندما قال إن للمخابرات المصرية، نقلا عن الرئيس السابق مرسي، جيشا من البلطجية يصل إلى 300 ألف بلطجي؟ في مقال أكاديمي مهم نشر عام 2009 عن صعود وهبوط الدولة العميقة في تركيا، كتب المؤلف سيدار كايا في المقدمة: «في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 1996 ضربت سيارة (مرسيدس) سيارة نقل وهي خارجة من محطة تموين بنزين وقتل من في الـ(مرسيدس) إلا شخصا واحدا.. كانت الـ(مرسيدس) تقل نائب رئيس بوليس إسطنبول وعشيقته ورجل مافيا تركياً مطلوباً للإنتربول ورجلا عسكريا وبرلمانيا، ومن لحظة وصول الخبر للصحافة حتى الآن، أصبح مصطلح الدولة العميقة جزءا من اللغة اليومية للناس». الجيش في مصر ليس لديه بلطجية ولا تحالفات مع الجريمة المنظمة، كما يحاول من يروجون لمفهوم الدولة العميقة الإيحاء به من دون تصريح، والجيش ليس جيش مبارك أو جيش «الإخوان». الجيش هو المؤسسة الوطنية الوحيدة الباقية في مصر، لذا يلتف الناس حوله. ولن يكون الجيش المصري بتركيبته الوطنية هو جيش الدولة العميقة التركية. هناك فروق كبيرة بين مصر وتركيا، واستيراد المفاهيم بهدف تشويش الناس وخلط الأوراق عمل قبيح. أما محاولة ترويج أن «30 يونيو» تعني عودة دولة مبارك، وأن حب الناس للجيش يعني حبا لنظام مبارك، فتلك هي المعارك الوهمية التي قد تودي بمصر للتهلكة. الجيش هو المؤسسة الوحيدة اليوم في مصر التي تعرف معنى المصلحة الوطنية المصرية بشكل مؤسسي، وذلك لأن مصلحة الوطن جزء من عقيدته العسكرية، على عكس جماعات المصالح الأخرى التي تسيطر على بيروقراطية رثة لا تخدم إلا مصالحها الضيقة. كفوا عن هذا العبث ولننتقل جميعا من مراهقة الثورة إلى رشد الدولة. نقلا عن جريدة الشرق الاوسط    
lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

معارك وهمية في مصر 25 أم 30 معارك وهمية في مصر 25 أم 30



GMT 05:25 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

السيدة الأمينة

GMT 05:23 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

إمَّا دينغ وإمَّا غورباتشوف

GMT 05:21 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

الصومال وإسرائيل والبحر العتيق

GMT 05:20 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

فنزويلا الغنيَّة... فرز الدّعاية من الحقيقة

GMT 05:17 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

الشرق الأوسط... أمن بلا سياسة

GMT 05:15 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

متحف حُبّ يحمل اسم فاروق حسني

GMT 04:56 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

لن تكون لقمة سائغة

GMT 04:51 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

بدائل إيران

ألوان التراب تسحر إطلالات النجمات شتاء 2026

القاهرة ـ لبنان اليوم

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 16:45 2019 الخميس ,04 إبريل / نيسان

أبرز الأحداث اليوميّة عن شهر أيار/مايو 2018:

GMT 20:09 2021 الإثنين ,26 تموز / يوليو

مهرجان الرقص في دورته الثانية في صور

GMT 08:28 2022 الإثنين ,11 إبريل / نيسان

موديلات متنوعة لأحذية السهرة لإطلالة أنيقة

GMT 04:53 2022 الإثنين ,04 تموز / يوليو

مكياج العيون من وحي الفنانة بلقيس

GMT 14:23 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

يبشّر هذا اليوم بفترة مليئة بالمستجدات

GMT 23:52 2020 الإثنين ,14 كانون الأول / ديسمبر

أحذية KATRINE HANNA بإلهام من الطبيعة والخيال

GMT 05:02 2021 الجمعة ,19 آذار/ مارس

سعر صحيفة البنزين قد يصل لـ236 الف
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon