تعقيدات الهُويَّة وأنثروبولوجيا إسلام الخارج

تعقيدات الهُويَّة وأنثروبولوجيا إسلام الخارج

تعقيدات الهُويَّة وأنثروبولوجيا إسلام الخارج

 لبنان اليوم -

تعقيدات الهُويَّة وأنثروبولوجيا إسلام الخارج

بقلم:مأمون فندي

قصة أحمد الأحمد، السوري الأسترالي، الذي خاطرَ بحياته لينقذ يهوداً من القتل في أستراليا انتشرت كما النار في الهشيم كبطل مسلم، وفي الوقت ذاته ألصقت دوائرُ إعلاميةٌ غربية العنفَ بالإسلام؛ لأنَّ الجاني الآخر وابنه مسلمان. ففي لحظة عنف أعمى، وقف أحمد الأحمد، مخاطراً بحياته ليمنع مسلمَين آخرَين من القتل. الجميعُ مسلمون، لكن لكلٍّ منهم تأويلُه، وسرديتُه، وفهمُه لإسلامه ولما يهدّد هويته. هذه المفارقة ليست فقهيةً ولا أخلاقية فقط، بل هي في جوهرها مسألة هوية كما تفهمها الأنثروبولوجيا السياسية. هذه الدوائر أسهبَت في تحليل المسلمين من الهند، ولم تتوقف إلا قليلاً عند إسلام الأحمد. ولكن كان هناك منصفون.

يقع المسلمون في الخارج والداخل في ورطة في تفسير ظاهرتين لمسلم يضحي بنفسه من أجل الآخرين، وآخر يمارس القتل باسم الدين. ولكي نفهم الظاهرة يجب أن نبدأ من أن هناك فرقاً جوهرياً، من منظور اجتماعي وأنثروبولوجي، بين الإسلام كما يُعاش خارج العالم العربي، وبين الإسلام كما يُعاش في الداخل. إسلامنا في الغرب هو، في أحد وجوهه الأساسية، هوية قبل أن يكون ممارسة دينية. هوية واعية، يقظة، تدرك هشاشتها داخل فضاء ثقافي أوسع لا يشبهها. أما إسلام أهل الداخل، فهو دين وثقافة موروثة، وربما عادة يومية. هذا الفرق ليس حكماً أخلاقياً ولا تفضيلاً قيمياً، بل توصيف بنيوي لطريقتين مختلفتين في تشكّل المعنى.

الهوية، كما تُجمِع أدبيات الأنثروبولوجيا، لا تتكوّن في الفراغ، بل في سياق علاقات القوة والحدود والشعور بالتمايز. قوة الأقليات تنبع من شعورها الدائم بالتهديد: تهديد الإقصاء أو الذوبان داخل ثقافة أوسع عبر مسارات الاندماج والاستيعاب. في هذا السياق، يتشكَّل الإسلام في الغرب كهوية حدودية، وفق ما يسميه فريدريك بارث «حدود الجماعة». حيثما وُجد الحد، اشتدَّتِ الهوية وازدادت صلابة. وليس مصادفة أن تكون الهويات الدينية الأكثر تماسكاً، هي تلك التي تعيش في التخوم الثقافية، سواء في فلسطين أو البوسنة أو كشمير، أو في أحياء المهاجرين في مدن الغرب الكبرى.

وحتى لا يُساء فهم هذا الطرح، لا بد من إدانة ما جرى ضد المدنيين في أستراليا إدانة واضحة لا لبس فيها. غير أن ما يعنيني هنا هو محاولة فهم حالتين من «إسلام الخارج»: واحدة حلَّلت القتل، وأخرى ضحّت بالنفس لإنقاذ الضحايا. كلتاهما يستحق الفهم والتأمل. فالمسلم في الغرب ليس كتلة واحدة، كما أنَّ «الغرب» ذاته ليس كياناً متجانساً. المسلم هنا يتحرَّك داخل سلّم هويات متدرج، تتراجع فيه الهويات الثانوية عندما تتعرَّض الهوية الكبرى لإخافة.

في هذا السياق، لا يُمارس الدين فقط، بل يُستدعى رمزياً للدفاع عن الذات في لحظات الاقتراب من الذوبان. لذلك ترى المسلم غير المتدين، أو المتجاوز شعائرياً، وربما الخارج لتوّه من حانة، أكثر تمسّكاً بالإسلام بوصفه هوية. يعيد إنتاجه سردياً عبر رموز بسيطة: لباس، حجاب، كوفية، اسم، أو حتى موقف سياسي. هكذا تُبنى «الجماعة المتخيلة»، بتعبير بندكت أندرسن، حيث تصبح الهوية قصة مشتركة تُستعاد كلما تعاظم الإحساس بالاختلاف والتهديد.

في المقابل، يبدو الإسلام في العالم العربي جزءاً من الهواء الاجتماعي الذي يستنشقه الفرد. لا يحتاج إلى إعلان ولا إلى دفاع رمزي. وحين تغيب المسافة، تضعف الرؤية. الهوية هنا مدمجة في اللغة والقانون والإيقاع اليومي والطقس الاجتماعي. هذا الإدماج، كما يشرح بيير بورديو، يحوّل الدين إلى «هابيتوس» غير واعٍ: ممارسة تلقائية تُؤدى دون تفكير، وتُهمل دون شعور بالخسارة. التَّرهل هنا لا يعني غياب الإيمان، بل الاعتياد عليه.

لهذا قد يقتتل مسلمو الداخل في حروب لا يكون الإسلام محركها الأساسي، أو يكون مجرد جزء من مادتها الثقافية. من هنا ينبغي الحذر من إقحام الدين في تفسير كل عنف داخلي؛ إذ قد تكون جذوره سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، كما في الحالة السودانية. معارك الداخل تختلف جذرياً عن معارك الهوية في الغرب، حيث تبقى الهوية مسألة وجود وحدود.

في الخارج، يظل الإسلام علامة حدودية داخل المجتمع الواحد، بينما يتحوَّل في الداخل إلى خلفية صامتة للأحداث، وأحياناً إلى تفسير متعجل لظواهر أكثر تعقيداً. في هذا الفرق تكمن الصلابة والهشاشة معاً. الهوية لا تقوى بكثافة حضورها، بل بحدة السؤال عنها. وكما يقول أمبرتو إيكو، إنَّ المعنى لا يولد من الامتلاك، بل من التأويل تحت الخطر. الإسلام، بوصفه هوية، يصبح أكثر وضوحاً حين يُسأل، لا حين يُسلَّم به.

من هذا المنظور، يمكن فهم ما فعله أحمد الأحمد لا بوصفه فعلاً استثنائياً، بل بوصفه تعبيراً عن سردية هوية تشكلت في سياق أقلوي ترى في القتل تهديداً لمعناها، لا تجسيداً له. في المقابل، من يقتل باسم الإسلام يفعل ذلك ضمن سردية أخرى تشكلت في فضاء مختلف، حيث لا تُسأل الهوية، بل تُستهلك.

وهكذا تتكشف المفارقة: كلما كان الإسلام بديهياً، تراجع حضوره كهوية فاعلة، وكلما أصبح موضع سؤال، ازداد تماسكاً ومعنى. تلك خلاصة أنثروبولوجية تفسر الصلابة في الهامش، والاعتياد في المركز، بعيداً عن الأحكام، وقريباً من تحليل المعنى والسلطة والتاريخ الاجتماعي. ومن هنا لا يمكن فهم قصة الأحمد إلا في سياقها الهوياتي، وتحدي تأويل إسلام الخارج في ظروف عالمية ومحلية معقدة.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تعقيدات الهُويَّة وأنثروبولوجيا إسلام الخارج تعقيدات الهُويَّة وأنثروبولوجيا إسلام الخارج



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 09:49 2022 الجمعة ,11 آذار/ مارس

عطور تُناسب عروس موسم ربيع وصيف 2022

GMT 11:08 2013 الثلاثاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

ليكرز يمدد عقد نجمه براينت في الدوري الأميركي

GMT 11:47 2017 الأربعاء ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

انخفاض على مؤشر بورصة فلسطين بنسبة 0.20%

GMT 22:03 2020 الإثنين ,28 كانون الأول / ديسمبر

طريقة عمل مكياج لامع للعروس

GMT 07:31 2021 الأحد ,21 شباط / فبراير

القيامة" أغرب جزيرة في العالم يسكنها 111 شخصًا

GMT 03:25 2013 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

أهي الحرب أم سياسة "حافة الهاوية"؟!

GMT 21:09 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 07:06 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

لبنان يعتزم تسليم مئات السجناء السوريين إلى دمشق

GMT 11:29 2025 الأحد ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

عبايات عصرية مستوحاة من أسلوب مدونات الموضة الإماراتيات

GMT 18:25 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

صندوق أميركي يحصل على حصة أغلبية في أتلتيكو مدريد

GMT 03:46 2013 الجمعة ,22 شباط / فبراير

عيون وآذان (حسد أو ضيقة عين)

GMT 19:03 2022 السبت ,14 أيار / مايو

نصائح لاختيار ملابس العمل المناسبة

GMT 22:58 2019 الجمعة ,20 أيلول / سبتمبر

مكياج على طريقة خبيرة التجميل أمل الأنصاري
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon