وعادت إسرائيل عدواً

... وعادت إسرائيل عدواً

... وعادت إسرائيل عدواً

 لبنان اليوم -

 وعادت إسرائيل عدواً

بقلم:مأمون فندي

قبل حرب الإبادة في غزة، وقبل أن تسقط صواريخ إسرائيل على الدوحة، كان المشهد في المنطقة مختلفاً تماماً. بدا وكأن إسرائيل تشق طريقها خارج دائرة العدو التي ظلت حبيستها منذ عقود. معاهدة كامب ديفيد مع مصر، واتفاق وادي عربة مع الأردن، ثم سلسلة اتفاقات أبراهام، كلها أعطت انطباعاً بأن إسرائيل تخرج شيئاً فشيئاً من خانة «الخطر المركزي» لتصبح جاراً يمكن التعايش معه، أو على الأقل شريكاً اقتصادياً.

لكن كما هي عادة بنيامين نتنياهو، جاءت السياسات الإسرائيلية معكوسة لكل منطق. حرب الإبادة في غزة، مشاهد المقابر الجماعية والطوابير الطويلة للنازحين، الأطفال المحترقون تحت الركام، التهجير القسري، ثم صواريخ تسقط على عاصمة خليجية، كلها أخرجت إسرائيل من دائرة السلام وأعادتها بقوةٍ إلى مركز دائرة العداء. لم تعد خصماً سياسياً للفلسطينيين وحدهم، بل عادت لتصبح عدواً جماعياً للعرب والمسلمين.

لا شك أن الشعور بالخطر الإسرائيلي عاد إلى المقدمة، لكن الرد على هذا الخطر لم يصل إلى حد قطع العلاقات القائمة.

إسرائيل الآن ليست شريكاً لأحد. الشعوب العربية تراها عدواً مطلقاً، والحكومات، وإن لم تُعلن ذلك صراحة، تتحرك وفق هذا الإدراك.

هذا التناقض بين القانون والواقع هو ما يحدد ملامح المرحلة. فسلام نتنياهو لم يكن سلاماً حقيقياً، بل «سلام قوة»، أراد من خلاله أن يفرض إسرائيل أمراً واقعاً، بقوة السلاح والتفوق التكنولوجي والدعم الأميركي. لكن الذي حدث أن «سلام القوة» تحوّل إلى «سلام الخوف». فبدلاً من أن ترى الدول العربية في إسرائيل شريكاً، صارت تراها تهديداً وجودياً يفرض إعادة ترتيب التحالفات.

في هذا السياق يمكن قراءة ما يحدث في المنطقة. فالتحالف الاستراتيجي بين السعودية وباكستان لم يعد مجرد توازن مع إيران، بل رسالة جلية لمجابهة التحديات القائمة. وفي الأسبوع ذاته أعلنت مصر وتركيا عن مناورات بحرية مشتركة بعد سنوات من القطيعة. لم يكن ذلك مجرد استعراض قوة، بل رسالة واضحة لإسرائيل. تصريحات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن القدس، وذكر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كلمة «العدو» في مؤتمر الدوحة، رسائل لا لبس فيها بأن الدولتين تتجاوزان خلافاتهما لمواجهة تمدد إسرائيل في شرق المتوسط ومشروعات الغاز مع اليونان وقبرص، فضلاً عن ضغط الشارع الغاضب من حرب غزة.

هناك أيضاً التقارب المصري - الإيراني الذي تجلى في وساطة القاهرة بين طهران ووكالة الطاقة الذرية. ما كان مستحيلاً قبل سنوات قليلة أصبح اليوم واقعاً لأن استمرار القطيعة يفتح الباب أمام توسع إسرائيلي أكبر. حتى «حزب الله»، الذي كان في صراع مفتوح مع السعودية، أرسل عبر نعيم قاسم دعوة لإعادة العلاقات، إدراكاً بأن الصراع البيني لم يعد ترفاً في ظل وجود عدو واحد يهدد الجميع.

كل هذه الخطوات ليست تفصيلات صغيرة، بل خيوط شبكة جديدة تعيد رسم خريطة التحالفات. والخيط الجامع بينها إدراك أن إسرائيل عادت عدواً واقعياً مهما قالت المعاهدات. نتنياهو كان يتصور أن إسرائيل ستجلس في مركز الدائرة دولةً طبيعيةً تفرض شروطها بصفتها «شرطي الشرق الأوسط الجديد». لكن الذي حدث أن السعودية، بتحريك قطعة واحدة على رقعة الشطرنج الإقليمية، وضعت إسرائيل في زاوية خطيرة. ومن هناك جلست إسرائيل في مركز دائرة العداء. دول مثل مصر والأردن والإمارات تتعامل معها اليوم بحكم الواقع لا بحكم القانون كتهديد وعدو، لا كشريك.

المفارقة هنا أن المعاهدات قائمة، لكن العداء هو الذي يحدد السياسات. سلام على الورق، حرب في الواقع. إسرائيل محاطة بسفراء واتفاقيات «de jure»، لكنها معزولة «de facto». وفي هذا الوضع، تصبح كل خطوة سياسية في المنطقة، من تحالفات عسكرية إلى مصالحات مذهبية، مرتبطة بالخوف من إسرائيل أكثر من أي عامل آخر.

إسرائيل التي سعت إلى تطبيع وجودها في المنطقة تحوّلت إلى كيان يُنظر إليه كمرض معدٍ، أشبه بجمل أجرب ينفر منه الجميع. فبدلاً من أن تكون دولةً طبيعيةً، أصبحت الدولة الوحيدة التي يحيط بها سلام شكلي وعداء فعلي. وبدلاً من أن تكون في دائرة الشريك، عادت إلى دائرة العدو. ليس عدواً معلناً بحكم القانون، بل عدو واقعي لا يختلف عليه اثنان.

بفضل نتنياهو، خرجت إسرائيل من دائرة السلام لتعود بقوة إلى مركز دائرة العداء. بين القانون والواقع تكمن الحقيقة. القانون يقول سلام، أما الواقع فيقول عدو. والواقع، كما نعلم جميعاً، هو الذي يحكم السياسة.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

 وعادت إسرائيل عدواً  وعادت إسرائيل عدواً



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 13:33 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

يحمل إليك هذا اليوم كمّاً من النقاشات الجيدة

GMT 16:44 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

المكاسب المالية تسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 23:31 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 08:44 2019 الثلاثاء ,09 إبريل / نيسان

ألوان منعشة من مجموعات عبايات ربيع وصيف 2019

GMT 19:00 2022 السبت ,14 أيار / مايو

موضة خواتم الخطوبة لهذا الموسم

GMT 05:21 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

فرنسا تعتزم حظر ارتداء الحجاب في الجامعات

GMT 11:17 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

السلطات السورية تفرج عن صحفي أردني بعد 5 أعوام من اعتقاله

GMT 07:34 2024 الإثنين ,23 أيلول / سبتمبر

براد بيت يتألق بساعات فاخرة تلفت أنظار الجميع

GMT 14:30 2021 الجمعة ,13 آب / أغسطس

فيلم "الكاهن" مفاجأة على السينما المصرية

GMT 14:00 2022 الأربعاء ,11 أيار / مايو

أفضل مطاعم الشانزليزيه الموصى بها

GMT 22:16 2021 الإثنين ,02 آب / أغسطس

إطلالة “كاجول” لرامي عياش وعائلته

GMT 07:03 2025 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

حيل ونصائح لترتيب المطبخ غير المزود بخزائن
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon