ملامح العالم الجديد

ملامح العالم الجديد

ملامح العالم الجديد

 لبنان اليوم -

ملامح العالم الجديد

بقلم: مأمون فندي


الأحداث الكبرى التي تغيّر العالم غالباً ما تأتي من أشياء صغيرة لا نتحسب لها؛ فمثلاً أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2011 كانت أدواتها مشرطاً وتذكرة طائرة، لا قنابل نووية أو غيرها. تغيّر العالم بعدها وأصبح ما بعد 11 سبتمبر غير ما سبقه. واليوم ما يغيّر العالم أيضاً مجرد فيروس لا يُرى بالعين المجردة، لينتشر ويصبح وباءً عالمياً. العالم بعد ظاهرة الوباء (كوفيد - 19) هو عالم آخر غير الذي سبقه، وهو عالم يطرح أسئلة كثيرة عن معنى الحدود ودور الدولة، وعن العولمة مقابل الكوارنتين والانغلاق، وسأحاول هنا أن أرسم بعض ملامح هذا العالم في شقيه الدولي والمحلي، بتركيز على الجانب الدولي، وتبعات ذلك على منطقتنا العربية وملامحها في المستقبل.
فكرة الأمن والحدود في صورتها المتطرفة أطرحها من خلال مثال شخص عنده «كورونا» عطس في غزة أو رام الله، فهل تحمي القبة الحديدية أو حتى الدعم الأميركي إسرائيل من الوباء؟ «كورونا» قد يجعل دولة كإسرائيل تفكر مرة ثانية أو تعيد النظر في فكرة الحدود وحل الدولتين وعلاقتها بالشعب الفلسطيني. الفلسطينيون أيضاً سيعيدون التفكير، فأي المشافي أقرب إليهم وأكثر جدية في علاج الأوبئة، هل هي في مصر والأردن أم في إسرائيل؟ هذا مثال متطرف لإعادة النظر في فكرة الحدود والأمن، ولكنه يجعل نقطتي واضحة جلية.
مثال آخر يخص العالم منذ عهد الرئيس الأميركي رونالد ريغان، في ثمانينات القرن الماضي، والذي انخرط في فانتازيا حرب النجوم لإسقاط الاتحاد السوفياتي، وأدخل العالم كله في النظر إلى الفضاء كميدان لمعارك البشرية الجديدة، وأنفقت أميركا والدول الكبرى المليارات لسباقات في الفضاء، وجاء «كورونا» ليوضح أن الحرب الحقيقية هنا على هذه الأرض، وبدلاً من التحديق إلى السماء علينا أن نحدّق تحت أقدامنا لنرى الوباء الذي يكاد يفتك بالبشرية جمعاء. وهنا أيضاً تأتى مراجعة وإعادة تقييم، فلو أنفقت تلك الدول ما أنفقته من مليارات حرب النجوم على مكافحة الأوبئة على الأرض لكان حال العالم مختلفاً اليوم.
من هذين المثالين يتضح أن العالم القديم (الذي نحن فيه الآن) سيتعرض بمؤسساته وطريقة عمله إلى إعادة نظر وتقييم جديدين. فالمؤسسات التي أثبتت قدراتها في زمن الوباء ستستمر. وهناك مؤسسات أخرى كانت مجرد شحوم ودهون زائدة على الجسد الدولي لا بد من التخلص منها، حيث كانت أعباء لا عوامل مساعدة. المعيار هنا سيكون مرتكزاً على القدرة على الأداء داخل منظومة متكاملة وتنسيق بين المؤسسات داخل الدولة الواحدة وخارجها. كذلك أولويات العالم تتغير.
داخل الدولة الواحدة أيضاً ستحدث إعادة تقييم لمدى التنسيق بين المؤسسات وقدرتها على العمل بكفاءة.
لست متأكداً أن مؤسسات ما بعد اتفاقية «بريتون وودز - Britton woods» (التي انعقدت في ولاية نيوهامبشير في الولايات المتحدة عام 1944 للإعمار ودعم النظام المالي العالمي، مثل صندوق النقد الدولي وكذلك البنك الدولي العالمي) ستستمر كما هي وبنفس آليات العمل. فمثلاً لا أستطيع أن أتصور أن البنك أو الصندوق سيمنح الدول قروضاً دونما متابعة نظافة هذه الدول لأن أمراضها لن تصيب أهلها فقط بل ستصيب العالم كله في معنى الحدود الجيوسياسية للدولة. كذلك لا بد من إيجاد طرق لإرغام الديكتاتوريات على الشفافية في أرقام الحالات المصابة ليس لعلاجها فقط ولكن لتحديد مدى انتشار الوباء وآثاره العالمية. الشفافية والنظافة المحلية مجرد أمثلة لنوعية التدخل القادمة من مؤسسات عالمية.
في المقال السابق أكدت أهمية الدولة أنها الفاعل الرئيسي في أزمة «كورونا»، وأن دور المجتمع المدني العالمي والمحلي كان محدوداً رغم نظريات كثيرة ظهرت للتقليل من دور الدولة. لكنني هنا أيضاً أقول: إن هذه الدولة الفاعلة ستخضع لمراقبة عالمية أكبر ولن تكون محاسبتها فقط من الشعب ومؤسساته داخل إقليم الدولة وإنما ستكون محاسبتها عالمية.
شكل مؤسسات الدول من الداخل سيختلف، فهناك دول كثيرة كشف «كورونا» قدراتها وتحتاج إلى إعادة هيكلة مؤسساتها.
العولمة كمفهوم أيضاً وكذلك الأنظمة المالية المصاحبة لها سيعاد النقاش حولها، فهل نحن بالفعل قرية صغيرة في مواجهة الوباء أم أننا مجموعة دول كل واحدة ستغلق حدودها وتتكفل بمواطنيها؟
وكيف يستقيم أن يكون الانكماش والانغلاق هو الحل في مواجهة وباء عابر لتلك الحدود المدّعاة؟ أسئلة كثيرة سيطرحها العالم الجديد ستكون لها تبعات على جميع الدول دونما استثناءات. العالم ما بعد «كورونا» سيكون بلا شك غير العالم قبله.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ملامح العالم الجديد ملامح العالم الجديد



GMT 19:34 2025 الأربعاء ,12 آذار/ مارس

مسلسلات رمضان!

GMT 11:05 2025 الإثنين ,10 آذار/ مارس

ريفييرا غزة!

GMT 19:57 2025 الخميس ,20 شباط / فبراير

من «الست» إلى «بوب ديلان» كيف نروى الحكاية؟

GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 19:29 2025 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

الكتب الأكثر مبيعًا

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 13:33 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

يحمل إليك هذا اليوم كمّاً من النقاشات الجيدة

GMT 16:44 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

المكاسب المالية تسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 23:31 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 08:44 2019 الثلاثاء ,09 إبريل / نيسان

ألوان منعشة من مجموعات عبايات ربيع وصيف 2019

GMT 19:00 2022 السبت ,14 أيار / مايو

موضة خواتم الخطوبة لهذا الموسم

GMT 05:21 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

فرنسا تعتزم حظر ارتداء الحجاب في الجامعات

GMT 11:17 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

السلطات السورية تفرج عن صحفي أردني بعد 5 أعوام من اعتقاله

GMT 07:34 2024 الإثنين ,23 أيلول / سبتمبر

براد بيت يتألق بساعات فاخرة تلفت أنظار الجميع

GMT 14:30 2021 الجمعة ,13 آب / أغسطس

فيلم "الكاهن" مفاجأة على السينما المصرية

GMT 14:00 2022 الأربعاء ,11 أيار / مايو

أفضل مطاعم الشانزليزيه الموصى بها
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon