الربيع الحوثي وصيد السلمون في اليمن

الربيع الحوثي وصيد السلمون في اليمن

الربيع الحوثي وصيد السلمون في اليمن

 لبنان اليوم -

الربيع الحوثي وصيد السلمون في اليمن

مأمون فندي


ما يفعله الحوثيون ومعهم علي عبد الله صالح باليمن ليس فيلما هنديا، بل يشبه إلى حد كبير الفيلم الإنجليزي «صيد السلمون في اليمن»، فيلم كوميديا رومانسية عن مشروع خرافي لشيخ وثري يمني يدعى محمد بن زيدي آل تهام، شيخ دفعه خياله الجامح إلى إقامة نهر باليمن يربي فيه أسماك السلمون، ويجعل من اليمن منطقة لجذب هواة صيد أسماك السلمون، كما يحدث في اسكوتلندا التي يمتلك فيها الثري اليمني قصرا، ويمارس فيها هوايته لصيد أسماك السلمون. ورغم أن كل المواصفات العلمية التي تساعد أسماك السلمون على الحياة في المياه الاسكوتلندية؛ من درجة حرارة وأجواء وطقس، كلها غير متوفرة في اليمن، فإن الشيخ مصرّ على تصدير النموذج الاسكوتلندي للصيد إلى اليمن، كما يصر الحوثيون على استيراد النظام الإيراني إلى اليمن وإصرارهم على سيطرة أقلية حوثية على أغلبية سنية في اليمن، فهذا وهم كوهم صيد السلمون في اليمن، حيث يتعاقد الشيخ مع شركة بريطانية لتنفيذ المشروع الغريب، ويبني سدا ويفتح نهرا يشبه النهر العظيم في ليبيا القذافي.
بينما فيلم اليمن الحوثي بحالته التي نراها، هو من إخراج إيراني وتمثيل عبد الملك الحوثي، فإن فيلم صيد السلمون من إخراج لاس هالستروم، وبطولة إيميلي بلانت وإيوان ماكغريغور وكريستين سكوت توماس وعمرو واكد. وطبعا لا وجه شبه أبدا بين الجميلة إيميلي بلنت وعبد الملك الحوثي، أو وجوه رجال المجلس الثوري الحوثي الذي سيطر على العاصمة صنعاء مؤخرا. وعمرو واكد الممثل في الفيلم غير عمرو واكد الثورة المصرية.
سيطرة جماعة الحوثي على اليمن وهم مثل وهم صيد السلمون في اليمن، ولكن الظروف ساعدت الحوثيين مؤقتا، فكما نرى في الفيلم أن الحكومة البريطانية المنغمسة في الحرب في أفغانستان وتتكبد خسائر كل يوم، وجدت ضالتها في مشروع الشيخ العبثي الذي رأت فيه الحكومة قصة إيجابية تصدرها للإعلام لإلهاء الرأي العام البريطاني الغاضب بعيدا عن الحرب في أفغانستان وتكلفتها البشرية والمادية. في مشروع الحوثي، كما في الفيلم، رأى كثير من الدول، وبعضها غربية، مثل أميركا وبريطانيا، في قصة جماعة الحوثي القادمة من أقصى الشمال في صعدة قصة تأخذهم بعيدا عن مسؤولية اليمن كدولة فاشلة، وعن فشلهم في العراق وسوريا أمام تنظيم داعش. لم يكن لجماعة الحوثي أن تسيطر على الدولة اليمنية دون مساعدة علي عبد الله صالح وابنه أحمد والجيش الموالي لهما الذي سلم الحوثيين صنعاء من دون قتال ودعم بعض الدول الغربية للحركة الحوثية.
وقصة الحوثي كما قصة فيلم صيد السلمون في اليمن والإصرار على تصدير نموذج لا يصلح للمنطقة من السلمون أو سيطرة أقلية زيدية على اليمن، كلاهما له تبعات كبرى على المنطقة. بداية، القصة الحوثية ليست قصة إيرانية فقط، بل هي قصة ليبية - قطرية قبل أن تكون إيرانية، وقد قال لي سيف الإسلام القذافي بنفسه في لندن ذات مرة إن ليبيا تمول الحوثيين بالتنسيق مع قطر. هكذا كان الحال في الفترة من 2009 إلى 2011، وكان القذافي يفعل هذا نكاية بالسعودية. ومع ذلك لم تكن حركة الحوثي تحظى بتلك القوة فقط، كانت لهم أعداد قليلة في برلمان اليمن في عهد علي عبد الله صالح. دخلت إيران على خط الحوثيين بعد دخول ليبيا وقطر.
حركة الحوثي أيضا حظيت بقوة أكبر خارجة عن تفكيرهم، قوة مربوطة بطبيعة حركة ثورات الربيع العربي أو ما يمكن تسميته باللفة الثانية للربيع العربي التي نراها الآن في اليمن، وربما سنراها في ليبيا بمظاهرات مؤيدة للقذافي نرى ملامحها، أو في مصر وتونس التي تتمثل في انتقام النظام القديم. الحوثيون هم فيلم انتقام علي عبد الله صالح ممن أبعدوه عن السلطة، وسيأخذ هذا الانتقام أشكالا مختلفة، مثل تسلل نظام مبارك من خلال انتخابات البرلمان إلى السلطة، أو تسلل الإخوان، وقد يعود نظام القذافي في ليبيا بوجه آخر. إنها اللفة الثانية من الربيع العربي.
ولكن الأهم من ذلك كله يخص ثورات الربيع العربي برمتها، وليس الحوثيون وحدهم، فالربيع العربي أراد تغيير الأنظمة من أعلى؛ من خلال وهم استجلاب النظام الديمقراطي الغربي إلى بلاد العرب. وهنا تتضح الصورة بشكل أكبر في علاقة ثورات الربيع العربي بفيلم صيد السلمون في اليمن، بما في ذلك ثورة اليمن الأولى ومن بعدها ثورة الحوثي.
صيد السلمون في اليمن، كما يوحي الفيلم، هو واحدة من شطحات اللامعقول للشيخ محمد بن يزيد الذي يقوم بدوره عمرو واكد الذي يريد أن يبني أنهارا وسدودا لتربية السلمون على غرار ما عايشه الشيخ في اسكوتلندا، وهو المقابل الموضوعي لفكرة زرع الديمقراطية الغربية في بلادنا كما تربية سمك السلمون في اليمن، فهل ما ينفع في اسكوتلندا يصلح في اليمن؟
تغيير النظام من فوق، مثل إزالة علي عبد الله صالح أو مبارك أو القذافي أو الأسد، لا يجلب الديمقراطية، فالديمقراطية كما أسماك السلمون تحتاج إلى درجة حرارة معينة للمياه وجو معين، وهذا الجو غير متوفر في اليمن. وهذا هو المساوي لحدوث الديمقراطية ليس بتغيير النظام في البلدان العربية من أعلى بل تغيير النظام من أسفل، من عقلية الشعب وثقافته في تقبل الآخر المختلف. أي أن الديمقراطية تحدث في عقل المواطن أولا وليس في الشوارع أو بتغيير رأس النظام.
الدليل هنا واضح: كم مرة غير العرب رأس النظام ولم يتغير شيء؟
فإذا أخذنا العراق منذ حركة يوليو (تموز) 1958 بقيادة عبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم التي أطاحت بالملك فيصل الثاني، نجد أن العراق بعد الملكية عانى من الكثير من الانقلابات، أولها انفراد عبد الكريم قاسم بالحكم كما فعل جمال عبد الناصر مع محمد نجيب في مصر. ثم تلا ذلك اغتيال عبد الكريم قاسم ليأتي أحمد حسن البكر وعبد السلام عارف إلى الحكم، ثم بعدها مات عارف في حادث طائرة لا نعرف إن كان مدبرا أم لا، وتولى الحكم أخوه عبد الرحمن عارف، و1968 ينقلب حزب البعث ويسيطر البكر على الحكم، ثم ينقلب صدام حسين على البكر، ثم يقتل صدام حسين، كل هذا تغيير النظام من فوق من رأس النظام، والعراق كما نرى ما زال في فوضى؛ لأن العراق حاول استجلاب نظام صيد السلمون في اليمن ولم تنجح التجربة. تغيير النظام من فوق لا يأتي بديمقراطية، بل يأتي بمزيد من الفوضى، وهذا ما رأيناه في انقلاب العسكر في سوريا، وما رأيناه من تبعات انقلاب عبد الناصر على فاروق، أو القذافي على السنوسي.
محاولة تغيير النظام من فوق أثبتت عدم جدواها، وكذلك محاولة زراعة شتلة الديمقراطية في رمال بلاد العرب لا تأتي بشيء، هي وهم كوهم اصطياد السلمون في اليمن.
رغم نجاح تجربة الشيخ اليمني في الفيلم، فإن عبثية المشروع واضحة لكل من شاهد الفيلم، لا مكان لصيد السلمون في اليمن إلا بتغير درجة الحرارة وجعلها مثل حرارة مياه اسكوتلندا، وكذلك الديمقراطية لا تنبت في اليمن إلا بتغيير العقلية اليمنية والثقافة اليمنية؛ فالديمقراطية تحدث في الرأس أولا وليس بالمظاهرات في الميادين.
وما ينطبق على اليمن ينطبق على سوريا وليبيا ومصر.
المشروعات الوهمية كزراعة السلمون في اليمن، كنقل الديمقراطية إلى العالم العربي، تتطلب تغيير البيئة أولا، وحتى الآن لم تتغير البيئة، فقط نغير الأنظمة من أعلى، ونعرف من تاريخ الانقلابات في القرن العشرين كله؛ من مصر إلى ليبيا إلى سوريا إلى اليمن، أن نتيجتها كانت الديكتاتورية لا الديمقراطية. كلها كانت مشاريع أشبه بفيلم صيد السلمون في اليمن.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الربيع الحوثي وصيد السلمون في اليمن الربيع الحوثي وصيد السلمون في اليمن



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 13:06 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 12:58 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 16:44 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

المكاسب المالية تسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 00:44 2017 الجمعة ,29 كانون الأول / ديسمبر

دار "دولتشي أند غابانا" تطرح مجموعة جديدة لعام 2018

GMT 18:24 2019 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

مصطفى حمدي يضيف كوتة جديدة لمصر في الرماية في أولمبياد طوكيو

GMT 03:44 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على قواعد الإتيكيت لكافة أنواع الرحلات

GMT 07:36 2021 الثلاثاء ,14 كانون الأول / ديسمبر

أسس في ديكورات مجالس الرجال الفخمة

GMT 11:57 2023 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

برومو ”الاسكندراني” يتخطى الـ 5 ملايين بعد ساعات من عرضه

GMT 16:44 2018 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

تسريب صور مخلة للآداب للممثلة السورية لونا الحسن

GMT 15:14 2020 الأحد ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

شباب الأردن يتجاوز الفيصلي بثلاثية في دوري المحترفين

GMT 21:12 2020 السبت ,26 كانون الأول / ديسمبر

العناية ببشرة العروس من خلال هذه الخطوات

GMT 13:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon