محاذير هدنة قصيرة في السودان

محاذير هدنة قصيرة في السودان

محاذير هدنة قصيرة في السودان

 لبنان اليوم -

محاذير هدنة قصيرة في السودان

بقلم: عثمان ميرغني

قصصُ الجرائمِ التي تُرتكبُ في مدينة الفاشر يَشيبُ لهولِها الوِلدان. صورُ الأقمار الاصطناعية تؤكّدُ استمرارَ القتل الجماعي في الفاشر، وفقَ كلية ييل للصحة العامة. روايات الهاربين من المدينة تتحدَّث عن أبشعِ جرائم الإبادة، وعن الجثث في الطرقات، والإعدامات على الهُويَّة العرقية.

وبينما انتفض العالمُ، بعد سبات، إزاءَ هول معاناة المدينة، وارتفعت أصوات كثيرة تطالب بمحاسبة «قوات الدعم السريع»، بل وتصنيفها منظمةً إرهابية، نشطت في المقابل تحركات رافقتها ضجة تبدو مدروسة لمحاولة صرف الأنظار عن جرائم الميليشيا في الفاشر وبارا، بل ولمنحها فرصة لتحويل جرائمها إلى مكاسب سياسية. ففي خضم اختلاط الحسابات والرؤى، هناك من يريد إبقاء «الدعم السريع» ورقة تفاوضية، وبندقية تستخدم لتقويض السودان واستقراره، اليوم، وغداً إن أمكن.

هناك ازدواجية في المعايير حينما نرى إصراراً على مبدأ نزع سلاح الميليشيات وحصر السلاح في يد الدولة حينما يتعلق الأمر بدول أخرى، لكن عندما يتعلق الأمر بالسودان ترى من يحاول الإبقاء على سلاح الميليشيا، بل ومساواتها بالجيش.

كيف يستقيم أن تدينَ «الدعم السريع» وممارساتها في القتل والتنكيل والإبادة في الفاشر، ثم تطلب في الوقت ذاته توقيع هدنة معها، وتمنحها اعترافاً، وتضعها على قدم المساواة مع الجيش؟

إنَّ سجل جرائم الحرب التي ترتكبها هذه القوات ليس وليد اللحظة، ومن يعتقد أنها ستتغير لمجرد توقيع هدنة معها، يخطئ الحسابات. فالتنكيل والعنف العرقي جزء من عقيدتها منذ نشأتها.

المطلوب هو خطوات جادة لمحاسبة «قوات الدعم السريع» على انتهاكاتها، وتصنيف ما تقوم به ضمن جرائم الإرهاب والإبادة والجرائم ضد الإنسانية، بدلاً من مكافأتها على ما ارتكبته في الفاشر بهدنة إنسانية.

من الذي جوّع الفاشر أصلاً؟ لقد ظلت المدينة محاصرة أكثر من 18 شهراً، تعرضت خلالها للقصف المتواصل الذي لم تسلم منه المستشفيات والمساجد ومعسكرات اللاجئين، ومنعت «قوات الدعم السريع» بشهادة الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية وصول الغذاء والدواء للمدينة وسكانها الذين اضطروا لأكل علف الحيوانات، عندما اشتد عليهم الجوع. طوال تلك الفترة، ظلت «قوات الدعم السريع» تمنع وصول قوافل الإغاثة، وتنهب وتدمر شاحناتها، وتقتل كل مواطن يحاول الخروج لجلب بعض الطعام لأهله المحاصرين. لم تستجب لقرار مجلس الأمن الذي صدر خصيصاً في يونيو (حزيران) 2024، لإنهاء حصار الفاشر والسماح بمرور المساعدات لسكانها، وواصلت رفضها لكل نداءات الأمم المتحدة اللاحقة من أجل هدنة قصيرة، وافق عليها الجيش، لإيصال الإغاثة للمدنيين المحاصرين وسط ظروف قاسية.

اليوم، بعد أن سقطت المدينة، ترتفع الأصوات للمطالبة بهدنة «إنسانية»، وتسارع «قوات الدعم السريع» للانخراط في محادثات بشأنها!

الحقيقة أن الفاشر عانت وما تزال تعاني بسبب «الدعم السريع»، وهرب منها معظم سكانها، ومن بقي منهم، يعاني الآن أبشع أنواع التنكيل، ويواجه الإبادة التي وثقتها فيديوهات مسلحي الميليشيا الذين كانوا يتباهون بجرائمهم. والهدنة لن تكون إلا استراحة قصيرة تستجمع فيها «الدعم السريع» قواها، وتحصل على المزيد من الإمدادات العسكرية، قبل أن تهاجم مدناً أخرى. فمنذ محادثات منبر جدة في بدايات الحرب، كانت «الدعم السريع» تستغل الفرصة ولا تلتزم الاتفاقات، بل تعد للانقضاض على مدن ومواقع أخرى.

فتح مسارات الإغاثة مبدأ مطلوب وبشكل دائم، وليس كإجراء وقتي. فالإغاثة حق إنساني، ولم يكن مقبولاً أصلاً السماح لأي طرف باستخدام التجويع سلاحاً في الحرب. والحديث اليوم عن فتح هذه المسارات لا ينبغي ربطه بأي خطوات مرحلية، أو مكاسب سياسية. فلتبقَ مسارات الإغاثة مفتوحة بحيث تصل إلى كل المواقع بما فيها الفاشر وبارا والأبيض وبابنوسة والنهود وغيرها.

أما الحديث عن مفاوضات إنهاء الحرب فهو شأن آخر يجب أن يكون واضحاً في أهدافه وشروطه، ولا ينبغي اتباع سياسة الغموض بشأنه.

السودان لا يحتمل تكرار تجارب المفاوضات والاتفاقات التي تعيد إنتاج الميليشيات المسلحة من خلال الحلول المنقوصة، وأسلوب المكافآت بالمناصب والمكاسب. هذه السياسة فشلت تماماً ويدفع السودان الآن أفدح الأثمان نتيجتها.

أي حل حقيقي لا بد أن يؤدي إلى تفكيك وتسريح «قوات الدعم السريع»، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، ووضع أسس عسكرية وأمنية صارمة لأي عملية دمج مستقبلية. هذا هو الطريق الذي يمكن أن يقود لإنهاء ظاهرة الجيوش الرديفة، ويضع السودان على طريق استعادة الأمن والاستقرار، ويهيئ المناخ لسلام دائم، واستعادة المسار المدني الديمقراطي.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

محاذير هدنة قصيرة في السودان محاذير هدنة قصيرة في السودان



GMT 06:29 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

نيل من الكوميديا

GMT 06:28 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

فرض السلم بالحرب!

GMT 06:26 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

البيت الأبيض وامتياز التفاوض

GMT 06:25 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

عبد الرحمن الراشد... ومشروع «النَّاصرية»

GMT 06:23 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

السيادة الوطنية... مبدأ تحت الحصار

GMT 06:20 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

GMT 06:13 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 06:11 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 15:06 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

يجعلك هذا اليوم أكثر قدرة على إتخاذ قرارات مادية مناسبة

GMT 22:07 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 21:00 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

أملاح يلتحق بمعسكر المنتخب ويعرض إصابته على الطاقم الطبي

GMT 12:56 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 18:24 2019 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

مصطفى حمدي يضيف كوتة جديدة لمصر في الرماية في أولمبياد طوكيو

GMT 08:48 2023 الأربعاء ,22 آذار/ مارس

أبرز العطور التي قدمتها دور الأزياء العالمية

GMT 19:09 2021 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

راين كراوسر يحطم الرقم القياسي العالمي في رمي الكرة الحديد

GMT 20:10 2021 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

نصائح مهمة تساعدك على الاستمتاع برحلة تخييم لا تُتسى

GMT 01:46 2020 الخميس ,31 كانون الأول / ديسمبر

هدفان يحفظان ماء وجه الأجانب في الدوري السوداني

GMT 15:43 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

أعلى 10 لاعبين دخلاً في صفوف المنتخب الجزائري

GMT 19:43 2019 الإثنين ,11 آذار/ مارس

لجنة الانضباط تعاقب المصري حسين السيد
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon