ألف يوم على حرب السودان كيف نمنع تكرار المأساة

ألف يوم على حرب السودان: كيف نمنع تكرار المأساة؟

ألف يوم على حرب السودان: كيف نمنع تكرار المأساة؟

 لبنان اليوم -

ألف يوم على حرب السودان كيف نمنع تكرار المأساة

بقلم: عثمان ميرغني

غداً يصادف مرور ألف يوم على اندلاع الحرب. رقمٌ ثقيل لا يُقاس بالزمن وحده، بل بما خلّفه من دماء وخراب وفقدان. ألف يوم تفرض التوقف، لا لإحصاء الخسائر فحسب، بل لمراجعة المسار، والتأمل في الدروس القاسية التي كُتبت بآلام البشر، حتى لا تتكرر المأساة.

في هذا السياق، فإن السؤال الأصعب منذ اندلاع الحرب هو كيف يمكن التعامل مع معضلة «الدعم السريع»؟ فهي ليست مجرد طرف عسكري في حرب، بل بنية مسلحة تشكّلت خارج منطق الدولة، وراكمت نفوذها عبر العنف، واقتصاد موازٍ، وعبر توظيف الانقسامات الاجتماعية والسياسية. إن أي مقاربة جادة لهذه المعضلة تبدأ بالاعتراف بأن تطبيع وجود أي ميليشيا أو قوات رديفة، ومساواتها بالمؤسسة العسكرية الرسمية، يمثلان خطأ جسيماً، وخطراً دائماً على فكرة الدولة نفسها. وفي المقابل، فإن الاكتفاء بالحل العسكري وحده، من دون أفق مسار واضح للمستقبل، يهدد بإعادة إنتاج العنف بأشكال جديدة.

إن معضلة «الدعم السريع» ليست اختبار قوة عسكرية رديفة فحسب، بل اختبار لقدرة السودان على الخروج من حلقة العنف، وبناء دولة لا تؤجل العدالة إلى ما لا نهاية بحجة الضرورة. فتعقيدات هذه المعضلة تزداد حين توضع في سياق أوسع، وفي مشهد ساحة سودانية تعج بتشكيلات مسلحة متعددة، لكل منها حساباتها وسلاحها وخطابها. وفي مثل هذا الواقع، تصبح طريقة التعامل مع «الدعم السريع» رسالة تتجاوز هذه القوة، وتنظر نحو معالجة أشمل لقضية حمل السلاح بوصفه طريقاً مختصراً إلى النفوذ والمكاسب، أو لمعالجة أي مظالم.

لقد جرّب السودان، غير مرة، مقاربة أنصاف الحلول: تسويات هشة لا تعالج جذور المشاكل، بل تكتفي بمكافأة حاملي السلاح بالمناصب والمكاسب، على حساب الضحايا والدولة. وكانت النتيجة واحدة في كل مرة: تأجيل الانفجار لا منعه، وتوسيع دائرة العنف بدل تضييقها.

من هذا المنطلق، فإن أي حل يمنح «الدعم السريع» شرعية أو مكاسب من دون تفكيك بنيتها، ومن دون محاسبة جدية على الجرائم المرتكبة، يعني عملياً إعادة إنتاج الحرب القادمة، لا إنهاء الحرب الحالية.

يرتبط بهذه القضية سؤال آخر مطروح منذ اندلاع الحرب: هل الحياد ممكن في ظل ما يحدث؟ وهل يمكن تسويقه على أنه الموقف الأخلاقي الصحيح في ظل الفظائع التي ارتُكبت بحق الأبرياء، والدمار الواسع المتعمد الذي امتد لكل المنشآت والبنى التحتية، ولم تسلم منه المستشفيات والمؤسسات التعليمية والمتاحف؟

السؤال ذاته يمكن طرحه من زاوية هل الوقوف إلى جانب الجيش، بوصفه مؤسسة الدولة، يُعد الموقف الصحيح؟

تقديري أنه يصعب الحديث عن حياد أخلاقي حين يكون هناك طرف ارتبط بارتكاب فظائع واسعة النطاق: من القتل على الهوية، والإبادة، والاغتصاب المنهجي، والتهجير القسري، ونهب المدن والقرى، إلى تدمير البنية الاجتماعية والاقتصادية. هذه الانتهاكات، الموثقة بشهادات الضحايا وفيديوهات مقاتلي «الدعم السريع» أنفسهم، وتقارير حقوقية متعددة، لا يمكن وضعها في كفة واحدة مع أي خطاب عن «صراع متكافئ» بين طرفين.

بالنسبة لكثيرين الإجابة لا تنبع من حب الحرب، بل من الخوف المشروع على ما تبقى من فكرة الدولة نفسها عندما تكون في مواجهة مشروع متفلت قائم على العنف والنهب وانتهاك الكرامة الإنسانية. فهزيمة الجيش في هذه المعادلة لا تعني انتصار السلام، بل انتصار منطق القوة المنفلتة، وانهيار ما تبقى من مؤسسات، وفتح الباب أمام فوضى لا سقف لها.

ومع ذلك، فإن وضوح الموقف من انتهاكات «الدعم السريع» لا ينبغي أن يتحول إلى صك مفتوح، بل يجب أن يقترن بالتأكيد على أن إنهاء الخطر الراهن هو خطوة للعودة إلى مسار دولة مدنية، تحتكر السلاح، وتحمي مواطنيها، وتعالج المظالم، ولا تعيد إنتاج المأساة بوجه جديد.

بعد ألف يوم من الحرب، لا يكفي أن نتساءل عمّا حدث، بل عمّا يجب أن يتغير جذرياً حتى لا تتكرر المأساة. أول هذه التغييرات هو القطع مع منطق السلاح كوسيلة لحسم الخلافات، وبناء دولة تحتكر القوة وتخضع فيها جميع المؤسسات، بما فيها العسكرية، للمساءلة والقانون.

كما أن منع التكرار يقتضي مراجعة شجاعة لتجربة الانتقال السياسي، وأدوار النخب، وأسباب فشل الحلول السابقة، بدل الاكتفاء بلعن النتائج. فالذكرى، إذا لم تستثمر لنقاش جريء يغوص في الأسباب، ويسعى للحلول مهما كانت صعبة، تصبح طقساً بلا معنى يُستدعى في كل محطة فارقة، ثم يُنسى حتى تقع الكارثة التالية.

فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى مسار يعلي دائماً قيمة الإنسان والوطن، ويرسخ السلام والاستقرار، ويتعلم من الأخطاء بدل أن يعيد إنتاجها. فالتاريخ لا يرحم من يكرر مآسيه، ولا يغفر لمن امتلك فرصة التعلم واختار التجاهل.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ألف يوم على حرب السودان كيف نمنع تكرار المأساة ألف يوم على حرب السودان كيف نمنع تكرار المأساة



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 13:23 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 12:43 2022 الجمعة ,11 آذار/ مارس

الماكياج الداكن يكتسح أسبوع ميلانو للموضة

GMT 07:24 2019 الأربعاء ,29 أيار / مايو

أطفال تُعساء زى الفل!

GMT 09:31 2019 الأحد ,08 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على حصيلة موسم الرياض لبيع السيارات النادرة

GMT 09:57 2019 السبت ,22 حزيران / يونيو

احذر ثغرة في "تويتر" تكشف إلغاء متابعاتك

GMT 08:50 2020 الإثنين ,03 شباط / فبراير

بانو ينتقد يعقوبيان لدفاعها عن ربيع الزين

GMT 15:50 2025 الخميس ,18 أيلول / سبتمبر

سيرين عبد النور تنعى يمنى شري برسالة مؤثرة

GMT 17:34 2023 الثلاثاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان عمرو دياب يعُود إلى نشاطه الفني بعد توقف

GMT 22:50 2023 السبت ,13 أيار / مايو

هكذا تكلمت أنديرا

GMT 23:03 2023 الثلاثاء ,10 كانون الثاني / يناير

إطلالات كيت ميدلتون الأكثر بحثًا عبر غوغل

GMT 05:17 2013 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

"كلمة" يصدر "التاريخ الوجيز لمحاكم التفتيش بإسبانيا"

GMT 23:24 2021 السبت ,02 كانون الثاني / يناير

5 نصائح للعناية بالأثاث الجلدي

GMT 10:32 2019 السبت ,22 حزيران / يونيو

فوائد الحليب لصحة الأطفال
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon