إسرائيل وأرض الصومال

إسرائيل وأرض الصومال

إسرائيل وأرض الصومال

 لبنان اليوم -

إسرائيل وأرض الصومال

بقلم : محمد الرميحي

إعلان إسرائيل الاعتراف بـ«أرض الصومال»، بوصفها كياناً منفصلاً عن الدولة الصومالية، يطرح سؤالاً يتجاوز الجغرافيا الأفريقية إلى قلب إشكال الدولة في الشرق الأوسط والعالم النامي. فإسرائيل ليست دولة منتمية إلى القانون الدولي في سياستها الخارجية، ولا تتحرك بدوافع أخلاقية أو قانونية، بل وفق منطق المصلحة الصرفة. لكن السؤال ليس لماذا تفعل إسرائيل ذلك؟ بل لماذا تجد الساحة مهيأة لمثل هذا الفعل؟

الإجابة المباشرة في فشل الدولة، منذ الشقاق بين الصومال وأرض الصومال، بعد انهيار الحكم المركزي في (جمهورية الصومال)، وإعلان استقلال أرض الصومال عام 1991، وإجراء استفتاء وافقت فيه الأغلبية على (الاستقلال/الانفصال)، ولم يعترف العالم بذلك، ولكنه لم يتحرك أيضاً، حتى جاء الاعتراف الإسرائيلي في ديسمبر (كانون الأول) 2025. نحن نتحدث عن ستة وعشرين عاماً تقريباً من ذلك الانفصال، دون حراك جدي لرأب الصدع!

إسرائيل منذ تأسيسها، اعتمدت استراتيجية تقوم على النفاذ إلى مناطق الهشاشة السياسية، واستثمار الفراغات في الجوار، التي تتركها الدول الضعيفة أو المنقسمة. هي لا تصنع الشقوق ، لكنها بارعة في توسيعها والنفاذ منها في الوقت المناسب لها، سواء كانت شقوقاً طائفية أو إثنية أو مناطقية أو ناتجة عن انهيار فكرة الدولة نفسها. هذه السياسة ليست سراً، بل نمط متكرر في سلوكها في الشرق الأوسط وأفريقيا.

غير أن حالة الصومال تفرض مفارقة لافتة. فالصوماليون، بخلاف مجتمعات كثيرة في منطقتنا، لا يعانون انقساماً طائفياً أو دينياً، ولا اختلافاً لغوياً أو إثنياً حاداً. المجتمع الصومالي من نسيج واحد تقريباً من حيث اللغة والدين والهوية العامة. ومع ذلك، فشلت الدولة، وتفككت السلطة المركزية، بسبب فشل النخبة في إدارة الدولة الاتحادية .

عدد من التفسيرات بدأت تظهر على السطح تحاول قراءة المشهد الصومالي، كثير منها ذهب إلى (اليد الخفية الخارجية) وشهية إسرائيل في التطبيع، أو غير ذلك من التفسيرات، ورغم أنها تبدو مقنعة في مجملها، لكنها تتجاوز الإشارة إلى (فشل قيام الدولة الوطنية الجامعة) بعد التخلص من الاستعمار، وأنانية النخب في الحكم، بصرف النظر عن الضرر الذي يصيب جوهر الدولة.

الأمثلة أمامنا واضحة في تدخل إسرائيل لتوسع الشق الوطني، على رأس ذلك تشجيع الانقسام بين غزة والضفة، الذي أصبح معلوماً للكافة، في لبنان استثمرت إسرائيل التعدد الطائفي لتكريس ثنائية الدولة - الحزب، وضربات محسوبة لا تسقط «حزب الله» لكنها تضعف الدولة. وفي سوريا مازالت هناك قضايا في خانة (اللاحسم) ولا بدَّ من حسمها من أجل أن تبقى سوريا ذات سيادة جامعة. في يجري تحويل العراق إلى ساحة تصفيات إقليمية، ويجمع اليوم أهل البصرة في الجنوب تواقيع كي يشكلوا (إقليماً) مشابهاً للإقليم الكردي في الشمال! في السودان تقيم إسرائيل علاقات مع أطراف النزاع، مع اهتمامها بموانئ البحر الأحمر. في إثيوبيا علاقات وثيقة مع رفع مستوى التوتر مع دول مصب النيل (السودان، ومصر)، الهدف من كل ذلك هو إضعاف الدولة المركزية، وتوسيع الشرخ بين القوى السياسية والمجتمعية، مستفيدة من: إما شهية مجموعات للسلطة أو غباء سياسي قصير النظر.

إسرائيل تستفيد من الواقع العالمي الذي يمر بسيولة شديدة، لكنها لم تخلقه. الفشل الحقيقي يكمن في عجز الدولة الوطنية عن بناء عقد اجتماعي متوافق، يشعر فيه المواطن بأن الدولة تمثله وتحمي مصالحه، عندما تغيب هذه القناعة، يصبح البحث عن بدائل أمراً مفهوماً، حتى لو كانت هذه البدائل خارجية أو مثيرة للجدل.

في الشرق الأوسط، درجنا على تفسير كل تدخل خارجي بأنه مؤامرة، ونسينا أن المؤامرات لا تنجح إلا في البيئات الهشة. الدولة القوية بمؤسساتها، لا تُخترق بسهولة. أما الدولة التي تقوم على القسر، أو المحاصصة، أو الغلبة، فإنها تفتح أبوابها بنفسها للتدخلات الخارجية.

الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، لا يغيّر كثيراً في الوضع القانوني الدولي، لكنه يحمل دلالة سياسية. رسالة تقول إن الشرعية لا تعد حكراً على الدولة المركزية، إذا فقدت قدرتها على إدارة أراضيها ومجتمعها. وهذا منطق خطير، لكنه منطق بات حاضراً في النظام الدولي، حيث تُكافأ الوقائع على الأرض، أكثر مما تُحترم النصوص القانونية.

الأخطر من الخطوة الإسرائيلية نفسها هو استعداد بعض الكيانات الداخلية للارتهان للقوى الخارجية، بدل العمل على إصلاح الداخل. هذا السلوك ليس حكراً على الصومال، بل نراه في أكثر من دولة عربية، حيث تتحول الخلافات السياسية إلى مشاريع انفصال، أو طلب حماية خارجية، أو تدويل للأزمات المحلية. في هذه اللحظة، تفقد الدولة معناها، ويتحول الوطن إلى ساحة مفتوحة للمصالح المتقاطعة.

القضية إذن أعمق من إسرائيل وأرض الصومال. إنها تعبير عن أزمة كثير من الدول في عالمنا، دول لم تنجح في التحول من سلطة إلى مجتمع سياسي، ومن حكم إلى شراكة، ومن غلبة إلى توافق.

آخر الكلام: الشقاق الوطني أهم سلاح يمنح للخصوم دون مقابل!

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إسرائيل وأرض الصومال إسرائيل وأرض الصومال



GMT 06:12 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

“تأجيل” السلاح… خدمة لمشروع الكيان العلوي

GMT 06:05 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

السَّنة الفارطة... زحمة مسيَّرات

GMT 06:04 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

مع مطلعِ العام الجديد دربوا أخيلتكم

GMT 06:02 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

حبات متفجرة في خيط مسبحةِ عامٍ جديد

GMT 06:01 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

إيران وإسرائيل وأميركا... بداية مقلقة لعامٍ جديد

GMT 05:59 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

السعودية وإنقاذ اليمن

GMT 05:55 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

القارة الأفريقية وسياسة شدّ الأطراف الإسرائيلية

GMT 05:51 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

على نهر الراين

نادين نسيب نجيم تتألق بإطلالات لافتة في عام 2025

بيروت ـ لبنان اليوم

GMT 16:05 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

حذار النزاعات والمواجهات وانتبه للتفاصيل

GMT 12:50 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:31 2017 الإثنين ,30 تشرين الأول / أكتوبر

ابتكارات شبابية تحيي عالم الموضة في "الفاشن فورورد"

GMT 00:54 2023 الخميس ,27 إبريل / نيسان

أفضل الإكسسوارات والمجوهرات لهذا الموسم

GMT 20:06 2019 الخميس ,10 كانون الثاني / يناير

فهد الأنصاري يعرب عن حزنه لتعادل الفيصلي مع النصر

GMT 22:52 2022 الأربعاء ,22 حزيران / يونيو

أغلى 10 علامات تجارية للملابس عالميًا

GMT 14:19 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 16:01 2021 السبت ,24 تموز / يوليو

اللواء ابراهيم التقى سفير قطر مودعًا

GMT 00:49 2023 الخميس ,27 إبريل / نيسان

موديلات حقائب بأحجام كبيرة

GMT 22:23 2013 الخميس ,24 كانون الثاني / يناير

2264 مسافر عبروا ميناء رفح البري الخميس

GMT 00:38 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

صبغات لتغطية الشعر الشايب وإبراز جمال لون البشرة

GMT 08:23 2013 الجمعة ,12 تموز / يوليو

مازلنا ننصح مواطنينا بعدم التوجه إلى العراق

GMT 23:31 2020 الأحد ,17 أيار / مايو

هاري كين يعلن رعاية قميص فريقه السابق

GMT 22:26 2020 الثلاثاء ,22 كانون الأول / ديسمبر

مصارع يضرم النار بمنافسه على الحلبة

GMT 16:54 2013 الأربعاء ,04 أيلول / سبتمبر

"آيسر" تكشف عن فابلت وحاسب لوحي جديدين

GMT 04:07 2012 الثلاثاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

موازنة السودان قد تبلغ 4.6 مليار دولار
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon