ماذا تبقى من ذكرى الاستقلال في ليبيا

ماذا تبقى من ذكرى الاستقلال في ليبيا؟

ماذا تبقى من ذكرى الاستقلال في ليبيا؟

 لبنان اليوم -

ماذا تبقى من ذكرى الاستقلال في ليبيا

بقلم: جبريل العبيدي

استقلال ليبيا الذي صادف ميلاد السيد المسيح، في 24 ديسمبر (كانون الأول) عام 1951 كان موعداً بهيجاً، أعلنته الأمم المتحدة قبل عطلة عيد الميلاد بيوم، ففي الخامس والعشرين من ديسمبر من كل عام يحتفل نصف العالم بمولد السيد المسيح، وفي ليبيا نحتفل بذكرى استقلال نالته ليبيا بجهد رجالها، بعد مسيرة كفاح وطني طويل ضد مستعمرين استيطانيين فاشيين، حاولوا أن يستبدلوا بالشعب الليبي شعباً إيطالياً، وسجنوا شعباً في معتقلات إبادة لم يسبق للتاريخ أن شهد مثلَها، حيث شهدت ليبيا أول استخدام للطائرات في الحرب ضد شعب أعزل من السلاح.

ولكن ليبيا اليوم مستباحة السيادة الوطنية بالتدخل الخارجي والمرتزقة والميليشيات خاصة في العاصمة، فليبيا تغرق في مستنقع التدخلات الأجنبية، بل وتبعية بعض الليبيين للمستعمر والحنين إليه، ولعل الاتفاقية التي أبرمتها حكومة الوفاق غير الدستورية مع تركيا نموذجاً للتبعية والتفريط في السيادة الوطنية.

اليوم، غاب المعنى الحقيقي لذكرى إعلان الاستقلال وميلاد دولة للأمة الليبية الكريمة، كما خاطبها الملك الراحل إدريس الأول لسنوات طويلة زمن العقيد القذافي، لأنه لم يكن يعترف بأنه استقلال كامل السيادة الوطنية، ولهذا منع الاحتفال به، وغاب عن الأجندة الوطنية 42 عاماَ، بسبب وجود قواعد أجنبية وإن كانت ضمن اتفاقيات مع السلطة الوطنية زمن الملك إدريس.

الاستقلال صنعته عزيمة الأجداد التي هزمت مشروع التقسيم «بيفن - سفورزا»، فيوم الاستقلال يبقى دائماً تذكيراً للأجيال الجديدة، بمعاناة الآباء والأجداد، لنيل الحرية، وبناء وطن مستقل، منذ أن أعلن موحد ليبيا الراحل إدريس الأول استقلال ليبيا بقوله: «نعلن للأمة الليبية الكريمة أن ليبيا أصبحت دولة مستقلة ذات سيادة»، فالاستقلال تتمثل معانيه في الغياب التام للتبعية.

عزيمة الأجداد في إصرارهم على منع تقسيم ليبيا، ضمن مشروع التقسيم «بيفن– سفورزا»، جاء رفضاً حتى للوصاية الاستعمارية للدول الثلاث، بريطانيا وفرنسا وإيطاليا بقرار أممي كان سيصدر لولا فارق صوتٍ واحد، جاء بعد إقناع الأجداد حكومةَ ومندوبَ هايتي السيد إميل سان، فكان الصوت الفارق ضد المشروع المشبوه، لكلٍّ من أرسنت بيفن والكونت سفورزا، وهو اتفاق سري يتضمَّن مشروعَ العودة لاستعمار ليبيا مقسمة، من نافذة الانتداب والوصاية كوجه استعماري جديد، وفي ثوب مختلف، ليتمكن به من أن يغرر بالأمة على الإضرار بنفسها، تحت شعار منفعتها في وجود انتداب، ووصاية أجنبية تكون بمثابة مرحلة انتقالية هي في الأصل تمديد لفترة استعمارية.

ما آلت إليه البلاد الآن من خراب وذل وفساد وتدخلات أجنبية يعتبر خيانة لدم الأجداد الذين بذلوا الغالي في سبيل الاستقلال. لقد خان سياسيو ليبيا اليوم بلادهم، وفرطوا في السيادة الوطنية بل والثروة الوطنية، بترسيم حدود جغرافية زائفة مع تركيا لا تربطها بليبيا أي حدود جغرافية، وهذا يعدُّ جريمة تاريخية تسببت في ضياع ثروات ليبية، وشرعنة نهبها، وتسليم ليبيا قاعدة للغير، وخيانة عظمى لا تسقط بالتقادم وتجب ملاحقة مرتكبيها.

ليبيا في زمن الاستقلال كتبت أفضل دستور في خمسينات القرن الماضي وهو دستور 1951، وهي اليوم أمام مسودة أخونة للدولة الليبية، مسودة كتبت بحبر إخواني واضح المعالم وعابر للحدود، تنكرت لعروبة ليبيا ولأمتها، وتلاعبت في آلية اختيار الأعضاء بين الانتخاب والتمثيل، واعتمدت المغالبة السكانية بين الأقاليم، وكرست لمركزية السلطة حتى الخدمية منها.

فمسودة الدستور ربما تكون كُتبت بحبر تيار لا يؤمن بالدولة الوطنية بمفهومها الجغرافي المحدد، فما نُشر من مسودات ومذكرات لا يرقى إلى طموحات الليبيين، بل إنَّه يمثل صدمة وخيبة أمل كبيرتين، وفتح هذا الباب أمام التكهنات، خاصة عندما تسقط الهوية بدءاً من اسم الدولة إلى انتمائها إلى الوطن العربي، وجعلها مجرد كيان منفرد.

بين ليبيا الاستقلال وليبيا المستباحة اليوم زمنٌ طويلٌ من الكفاح، وتاريخ لا يمكن القفز عليه رغم محاولات أخونة ليبيا وصبغها بلون ليس لونها وطمس تاريخها.

في ذكرى الاستقلال نستذكر قول الملك إدريس: «إن المحافظة على الاستقلال أصعب من نيله»، فهل سنحافظ على الاستقلال، أم سيضيع بسبب الحمقى وطلاب السلطة وأصحاب الأجندات، والآيديولوجيا المستنسخة، وطلبهم وسعيهم إلى استجلاب المستعمر، ورهن إرادة الأمة الليبية واستقلالها للأجنبي.

ولكن دوام الحال من المحال، فاليوم في ذكرى الاستقلال، نتمنَّى أن تخرج ليبيا من أزمتها بسلام، وتتجنَّب الحرب الأهلية، وتفكّك الدولة وانقسامها الجغرافي بعد أن انقسمت سياسياً إلى حكومتين وبرلمانين، ليبقى السؤال: ماذا تبقَّى من ذكرى الاستقلال في ليبيا دون إجابة؟

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماذا تبقى من ذكرى الاستقلال في ليبيا ماذا تبقى من ذكرى الاستقلال في ليبيا



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 23:29 2017 الخميس ,12 تشرين الأول / أكتوبر

عبارات مثيرة قوليها لزوجكِ خلال العلاقة

GMT 12:43 2020 الثلاثاء ,04 شباط / فبراير

تزداد الحظوظ لذلك توقّع بعض الأرباح المالية

GMT 13:10 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

الضحك والمرح هما من أهم وسائل العيش لحياة أطول

GMT 14:39 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

ينعشك هذا اليوم ويجعلك مقبلاً على الحياة

GMT 07:05 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

"ميكرولينو" أرخص وأصغر سيارة كهربائية في العالم

GMT 04:04 2016 الثلاثاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

يسرا اللوزي تستعد لفيلم "ممنوع الاقتراب أو التصوير"

GMT 18:16 2019 الإثنين ,04 شباط / فبراير

الفرج يزامل جوفينكو في رحلة التوجه إلى الرياض

GMT 18:06 2020 الإثنين ,23 آذار/ مارس

وفاة والدة زوجة السيد حسن نصرالله

GMT 15:23 2021 الإثنين ,05 تموز / يوليو

بيان من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة حول الأدوية

GMT 09:30 2013 الإثنين ,18 آذار/ مارس

"Asus" تقدم نموذجين من فئة "VivoBook" بتقنية اللمس

GMT 12:32 2016 الجمعة ,16 كانون الأول / ديسمبر

برج الثور.. محب ومسالم يحب تقديم النصائح للأصدقاء

GMT 09:31 2018 الخميس ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

قائمة نيويورك تايمز لأعلى مبيعات الكتب في الأسبوع الأخير

GMT 01:15 2017 الجمعة ,22 أيلول / سبتمبر

3 إطلالات مميّزة لخريف 2017 من لويس فيتون

GMT 22:45 2019 السبت ,08 حزيران / يونيو

هل تؤثر فترة الحضانة على سلوك الأطفال؟
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon