استعادة لراسل عن أفكار الحرب والسلام

استعادة لراسل... عن أفكار الحرب والسلام

استعادة لراسل... عن أفكار الحرب والسلام

 لبنان اليوم -

استعادة لراسل عن أفكار الحرب والسلام

بقلم : فهد سليمان الشقيران

لم يعدِ الحديثُ عن السلام ترفاً بل باتَ ضرورةً واقعيةً؛ إنَّه شرط للاستقرار ولتحقيق الكمال الدنيوي والسياسي.

في كل القمم العالمية، بخاصةٍ في هذه الظروف، يأتي مفهوم السلام العتيد والإشكالي معاً على رأس عناصر الطرح وضمن أولويات البحث والنقاش. لقد أبرمت «حماس» اتفاقها مع إسرائيل، وعلى الطريق نفسها تسير دول مثل سوريا ولبنان.

تلك الخطوات حيويّة ويجب أن تكون مربوطة بمسارٍ سياسي واضح. المرحلة لم تعد تحتمل إبقاء نيران الصراع في الإقليم مشتعلة بسبب التيارات والقوى الآيديولوجية أو القيادات المستفيدة من استمرار الأزمات حيث تتغذى عليها مادياً وسياسياً وشعبوياً.

ثمة مناخ حيوي يتشكّل يجب الاستفادة منه، والجوّ الاجتماعي العربي والإسلامي اليوم منسجم مع إنهاء كل هذا الصراع الذي أنهك الناس ودمّر البنى والمؤسسات وأرهق الشعوب. حتى داخل مجاميع «حزب الله» هناك مللٌ وانزعاجٌ وتذمّرٌ من تكرار الحروب العبثية إنهم يفضّلون التفاوض والحوار والبدء في حياة مستقرّة على كل تلك المغامرات التي بان فشلها المطلق، نعم هناك تغيّر بمزاج بيئاتهم المنكوبة. ببساطة؛ إنهم يريدون التنمية والإقبال على الحياة ضمن حكم رشيد وإدارات فعّالة على كل المستويات، وكل هذا لا يأتي إلا بالتفاوض فهو الطريق نحو السلام.

بقيت نظرية السلام في الدرْس التحليلي متأرجحة منذ الحروب العالمية، ما بين نظرية مثالية طرحها إيمانويل كانط، وأخرى واقعية طرحها الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل الذي كانت له أنشطة سياسية هدفها التأسيس لنمطٍ من السلام المنطقي ضمن اتفاقاتٍ مقنعة، وهو أنشأ «مؤسسة برتراند راسل للسلام»، ومن خلالها حاول إيقاف تمدد القنبلة الذريّة وقد تواصل مع الملك فيصل بن عبد العزيز في رسائل موثّقة طالباً مباركة هذا المشروع السلمي وقد كان.

وفي بحثٍ للدكتورة آمال علاوشيش بعنوان «برتراند راسل... فيلسوف السلم»، وقد نشر في كتاب «الفلسفة السياسية المعاصرة - قضايا وإشكالات»، استطردت في شرح نظريته، حيث ترى أن «السّلم عند راسل يكتسي بعداً عامّاً وخاصّاً لأنّه يفترض أن يبدأ من الذّات ليشمل الآخر بعد ذلك، أي أنّه يتحقّق على المستوى الفردي عندما يكون قناعةً تنشأ في النّفس بفعل التّربية ليتّسع مجاله تدريجياً حتّى يشمل المجتمع بعديد مؤسّساته على اختلاف مستوياتها، بما في ذلك ميدان العلم والبيولوجيا وكذلك البيئة، وذلك على اعتبار أنّ العوامل الّتي تهدّد السّلم بتوصيفه مطلباً إلحاحياً كثيرة ومتشعّبة».

لكن لماذا اهتمّ راسل بالسلام وبشكلٍ حثيث؟!

تسبيبها أن ذلك يعود إلى «ما تعانيه المجتمعات المعاصرة من تقدّمٍ تكنولوجيّ مذهل تزامن مع تدهورٍ وتراجعٍ للأمن والسّلم لا مثيل لهما، حينها أصبح تجديد السّؤال حول قضية الحرب والسّلم أمراً ملحاً بل وضرورة قصوى نظراً للتّهديد الّذي بات يتعرّض له الإنسان باعتباره فرداً من جهة، وبتوصيفه أساساً للمجتمع الإنسانيّ من جهةٍ أخرى، استوحى من واقع أوروبا والعالم الغربيّ الاشتراكي والرأسمالي على حدّ سواء مادّةً لفلسفةٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ قامت على نقدٍ موضوعيّ بناءٍ وهادفٍ، فالحرب التي أضحت مجلبةً للخراب والدّمار وشبحاً إنما يهدّد جحيمها البشرية جمعاء بفناءٍ وزوالٍ لا مفرّ من حدوثهما، طالما لم تتوفّر إرادة فعليّة وعملية تأخذ على عاتقها مهمّة التّعجيل بمشروع إنقاذ».

باختصار، راسل يرى أن «الحديث عن السّلام بحاجةٍ إلى وقفات تدبّرٍ وتفكّرٍ، وإذا كان الرّادع الأمثل ضد النّزاعات والصّراعات بين الدّول والتكتّلات هو السّلام العادل بينها، فإنّ الرّادع الأمثل ضد الخوف الفرديّ والجماعيّ وضد القلق والاضطراب والزّعزعة وعدم الاستقرار داخل كلّ دولةٍ هو السّلام».

الخلاصة؛ إن نظرية راسل معتمدة على السلام المنطقي وهذا يمكن تحقيقه في إقليمنا، أما السلام المثالي الأبدي بين البشر الذي طرحه كانط فهو مستحيل. سوف يستمر البشر في تجريب الحروب فيما بينهم. إن الصراعات محرّكةٌ للتاريخ وصانعةٌ للتكوين الاجتماعي البشري، ولكن يجب أن تبقى محدودة ضمن طفرات تاريخية طارئة. الفكرة أن يكون السلام هو الأساس والحروب مؤقتة وعابرة.

نعم يمكن للسلام أن يصنع وقائع جديدة، وأن يتمخّض عنه انتظام اجتماعي خلّاق، إنه المخرج الوحيد من الصراعات التي عاشها الإقليم. إن التفاوض هو العنوان الأساسي لإنهاء أي حرب. وعلى الدول التي توشك على الانهيار أو انهارت أن تستفيد من الدرس القاسي الذي عاشتْه المجتمعات العربية منذ عقود.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

استعادة لراسل عن أفكار الحرب والسلام استعادة لراسل عن أفكار الحرب والسلام



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 22:30 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

يشير هذا اليوم إلى بعض الفرص المهنية الآتية إليك

GMT 12:56 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 21:45 2020 الثلاثاء ,29 كانون الأول / ديسمبر

عائلة ليونيل ميسي تتحكم في مستقبل البرغوث مع برشلونة

GMT 14:23 2022 السبت ,12 شباط / فبراير

أفضل الفيتامينات للحفاظ على صحة شعرك

GMT 16:16 2020 السبت ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

تطورات جديدة في قضية وفاة الأسطورة "دييغو مارادونا"

GMT 21:23 2023 الخميس ,13 إبريل / نيسان

العناية بالبشرة على الطريقة الكورية

GMT 18:26 2021 الأربعاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الحكم بسجن لوكاس هيرنانديز 6 أشهر بسبب "ضرب" زوجته

GMT 18:07 2022 الأربعاء ,01 حزيران / يونيو

ساعات أنيقة باللون الأزرق الداكن

GMT 22:38 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon