حين نجَحت الملَكيّة وفشلت الديمقراطية

حين نجَحت الملَكيّة وفشلت الديمقراطية

حين نجَحت الملَكيّة وفشلت الديمقراطية

 لبنان اليوم -

حين نجَحت الملَكيّة وفشلت الديمقراطية

بقلم : فهد سليمان الشقيران

من الطبيعي أن تُتداول هذه الأيام الفروقات التنموية، وبالأرقام الفلكية، بين الدول الديمقراطية والدول الملكيّة التنموية الصاعدة.

ثمة مسافات كبرى نظريّة ورؤيوية تجعل الفارق العملي على أرض الواقع أكثر متانةً وإنجازاً وإنتاجاً من القول الآيديولوجي والخطابي الهامشي. هذا يصحّ على دول عديدة تعرّضت طوال العقد الماضي لهزّات كارثيّة أدّت بها نحو الانهيار بل الفشل، بل بعض الدول مهددة بأن تصنّف بأنها «راعية للإرهاب»، كما في رسائل المبعوثين إلى لبنان قبل أيام.

طوال عقود ذُمّت دول الخليج بأنها غير ديمقراطية، وهذه الملاسنة المكررة تأتي من مفكرين غربيين، ومن تيارات عربيّة هي أمشاجٌ من اليساريين والثوريين والناقمين.

كل ذلك منطلق من توصيف أحادي سطحي للديمقراطية؛ إذ تؤخذ باعتبارها فصيلاً مستقلاً عن المؤثرات الأخرى في الدولة والمجتمع، ويتم تفسيرها بشكلٍ تقني يرتبط بالانتخاب بشكلٍ أساسي، بينما طرأت تحوّلات كبرى على مفهوم «الديمقراطية» بالمعنى الفلسفي؛ إذ تزحزح مراراً عن كونه مجرّد تقنية انتخابية، أو آلية إيصال مرشّح؛ وذلك مرده إلى تطور المفاهيم المرتبطة به، سواء «الدولة» أو «الحريّة» أو «العدالة» أو «الليبرالية» و«العلمانية».

كل تلك المفاهيم هي منابع يتغذّى عليها مفهوم الديمقراطية، ومن الصعب الوقوف عند كل المقولات تلك، لكن يمكن المرور سريعاً على مستوى ذلك التداخل، وأثره على تمتين مفهوم الدولة الذي تطوّر مع لوك وروسو وتوكفيل، وصولاً إلى راولز وغوشيه وتشارلز تيللي.

الفيلسوف جون راولز في أبحاثه المتعلّقة بمحاولة التأسيس لمفهوم جديد للعدالة، كان يرسّخ نظرياً لفكرة حضرت من قبل لدى المنظّرين الأوائل لموضوعات العقد الاجتماعي، وبخاصةٍ في كتاب «أصل التفاوت بين الناس» لروسو.

لكن راولز كما ذكرتُ من قبل في شرحي لنظريته ركّز على درْس مستويات الإجحاف في النظام غير الديمقراطي، ومن ثم ثلم ذلك الخلل من خلال العدالة بوصفها «الإنصاف».

من هنا ينطلق آلان تورين في كتابه «ما هي الديمقراطية - حكم الأكثرية أم ضمانات الأقلية؟» إلى اعتبار: «الديمقراطية لم تكن تكتفي بطرح المساواة بالحقوق بصورة تجريدية، بل إنها كانت تدعو إلى المساواة على سبيل مكافحة التفاوتات والإجحافات القائمة».

ثم إن الديمقراطية بالنسبة لتورين يستحيل أن يروّج لها كتجربة واحدة، بل يستحيل التماهي بين التجارب، وخاصة ذات الفوران المرتبط بنشأة الدول القومية، بل إنها تتقلّب بين عدة نماذج وصور قوامها، بحسبه، وضع صيغة للحياة تزوّد العدد الأكبر بأكبر قسطٍ من الحريّة، وهي الصيغة التي تحمي أوسع تنوّع ممكن وتعترف به؛ فهي تختلف عن تجربة إنجلترا في القرن السابع عشر، والولايات المتحدة وفرنسا أواخر القرن الثامن عشر، وفي بلدان أميركا اللاتينية التي غيّرتها أنظمة قومية شعبية كما في البلدان ما بعد الشيوعية.

بينما جون راولز يعتبر نقطة الانطلاق للتفكير بالحقوق «أن تقوم على أسسٍ سياسية لا فلسفية؛ فالعدالة بوصفها إنصافاً تفهم بمبدأين مستقلين هما: الحرية والمساواة: مبدأ الحرية يقترن بالمساواة التي تؤمّن مستويين: تكافؤ الفرص، وأن تكون الحرية طريقاً لتقليص التفاوتات والإجحافات بين الناس».

كل تلك الجمل السريعة توضّح مستوى التطور الذي لحق بالمفهوم متجاوزاً التفريق التقني بين الديمقراطيات بأشكالها التمثيلية أو التشاركية، ليصل إلى تصعيد داخل بنية المفهوم بمعناه الفلسفي لجعله أكثر التصاقاً بالتحوّلات التي شهدها مفهوم الدولة. ولا يمكن وضع صيغة نهائية للديمقراطية باعتبارها «التجربة المركزية»؛ إذ تتبدى صور المفهوم تبعاً لتقلّبه في المجتمعات والدول، كما الفرق بين ديمقراطية اليابان، وألمانيا، كما أنه ليس مشروعاً يؤخذ كله، أو يترك كله، بل يمكن الإفادة من موضوعاته ومجالاته وأبوابه، وهذا ما فعلتْه دول الاعتدال بالخليج؛ إذ وضعت صروحاً استشارية، وقلّصت المسافات والتفاوتات، وهذا هو هدف المفهوم الديمقراطي، غير أن الدول الملكية بوبتْه عبر طرق التنمية المستدامة.

الخلاصة أن الجلَبة التي زُحم بها الإعلام منذ نصف قرن حول الديمقراطية بَانَ عوارها منذ 2010، وزاد بيان نقض كل تلك الأفكار والخطابات في السنتين الماضيتين، حيث الدمار والحروب والخراب والانهيار الاقتصادي.

لقد أثبتت التجارب أن التنمية أقوى وأقدر وأنجح من الديمقراطية، لقد تبيّن لمجتمعات الإقليم أن تقديس الديمقراطية لم يخلق أي تنمية على الإطلاق، وإنما من أسس لها الدول التنموية الصاعدة التي اعتمدت على الاستثمار بالإنسان وحيويّته وقوّته ورسم رؤاها بناءً على الأدمغة المبتكرة والمتعلمة والخلّاقة. هكذا تُبنى الدول، وتنعم المجتمعات وتطمئنّ الأمم.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين نجَحت الملَكيّة وفشلت الديمقراطية حين نجَحت الملَكيّة وفشلت الديمقراطية



GMT 08:30 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 19:51 2021 الأحد ,07 آذار/ مارس

طريقة وضع الكونتور البودرة

GMT 18:52 2021 الأحد ,07 آذار/ مارس

مشاكل جفاف الجلد في فصل الشتاء

GMT 17:14 2019 الجمعة ,21 حزيران / يونيو

دبابات إماراتية تغادر العاصمة اليمنية المؤقتة

GMT 21:29 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

كيف نساعد الطفل على عمل صداقات في المدرسة؟

GMT 15:27 2021 الخميس ,21 كانون الثاني / يناير

راشد الماجد يحمل نعش والدته وينهار لحظة الدفن

GMT 11:54 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

سر فوائد زيت البصل للشعر وطريقة تحضيره في المنزل

GMT 20:53 2025 الأحد ,14 أيلول / سبتمبر

"بيتكوين" تتجاوز 121 ألف دولار وسط تفاؤل تنظيمي

GMT 12:36 2017 الجمعة ,27 تشرين الأول / أكتوبر

أكلات ووصفات طبيعية لزيادة الوزن وعلاج النحافة

GMT 07:29 2020 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

كل ما تريد معرفته عن ميونخ وأهم الأماكن السياحية بها

GMT 21:45 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

دليلك الكامل لتنسيق الأثاث الصناعي

GMT 14:41 2019 الجمعة ,29 آذار/ مارس

اكتساح إيطالي لحكام مباريات الديربي

GMT 10:07 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

ألوان التراب تسحر إطلالات النجمات شتاء 2026

GMT 19:19 2021 الجمعة ,17 كانون الأول / ديسمبر

موضة حقائب بدرجات اللون البني الدافئة
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon