الظاهرة الأصولية وحالة «التأقلم الماكر»

الظاهرة الأصولية وحالة «التأقلم الماكر»

الظاهرة الأصولية وحالة «التأقلم الماكر»

 لبنان اليوم -

الظاهرة الأصولية وحالة «التأقلم الماكر»

بقلم : فهد سليمان الشقيران

في علم الأحياء ابتُكر مفهومُ «التأقلم الحيوي»؛ بحيث يتكيّفُ الإنسانُ مع التغيّرات السريعة سواءٌ على المستوى البيئي أو الطبيعي، ويختلف المدى الزمني لتحقيق التأقلم من فصيل إلى آخر، وهو مفهوم مفيد حتى للمهتمّين بتربية الحيوانات؛ حيث إن تكييفهم مع واقعٍ جديد يحتاج إلى دُربةٍ وصبر، وحالة التأقلم في عالم الكائنات وعلاقاتها بالطبيعة تختلف عن التأقلم الإنساني، وعليه فإنَّ المفهوم لا بد أن يُصحب باستجابة جدية للخروج من حالة الارتباك من التغيّر إلى مستوى متطوّر من الانسجام والانخراط في الواقع الجديد.

مفهوم التأقلم في عالم الطبيعة والكائنات، هو تأقلم صادق وعملي، أمَّا في عالم الآيديولوجيات والأفكار الشمولية فإنَّ ثمة معنى له آخر يمكن وصفه بـ«التأقلم الماكر». هذا حدث بعد انحسار الشيوعية في الثلث الأخير من القرن العشرين وصعود الليبرالية الغربية، حيث تشظّت الحالة الشيوعية وتقسّمت بين من عاند وبقي باكياً على الأطلال، وبين من تأقلم وحاول أن يحدّث من أفكاره الشيوعية ولو جزئياً تزامناً مع الهيمنة الليبرالية الغربية، وهذا واضحٌ في الأحزاب ذات الطابع الشيوعي في أوروبا.

في إقليمنا وبعد صعود الرؤى التنموية وتجريم التيارات الإخوانية بفروعها الصحويّ منها والسروري، وبعد ملاحقة مؤسساتها وتجفيف منابع تمويلها، طرح بعض الطيبين فكرة «نهاية الصحوة وانحسارها»، والواقع أنَّ من يفهم هذه التيارات يجد أنَّها تمارس حالة «التأقلم الماكر».

نعم، الدول والحكومات قامت بعملها ودورها لضرب هذه الجماعات والتيارات، ولكن نهايتها يحتاج إلى وقتٍ طويل، إنها رحلة طويلة وشاقة. الأصوليون يغتبطون ويفرحون بأطروحة «الانحسار»؛ لأنها تعطيهم فرصة لغضّ الأنظار عنهم والتقاط الأنفاس من أجل بناء مؤسساتٍ تعمل تحت الأرض.

على سبيل المثال، يرى الباحث خالد العضاض في حوارٍ معه قبل أيام نُشر على «العربية. نت» أن الجماعات «كانت تعتمد سابقاً على البنية الهرمية والاجتماعات السرية والمراسلات المغلقة والمشفرة، بينما اليوم باتت التنظيمات تتَّجه نحو (التموضع السائل)، حيث يكون العنصر مجردَ مستهلك رقمي للفكر وفي مرحلة أبعد منفذاً لها، دون عضوية مباشرة».

وأتفق معه في قوله: «التنظيم في صورته الحديثة يعتمد على ما يُسمى (التأثير الشبكي)، حيث تكون العلاقة مرنة لا تربطها هيكلة تنظيمية، بل روابط فكرية ومحتوى مشترك. لم تعد هناك حاجة إلى الاجتماعات الخاصة واللقاءات السرية، بل تحل مكانها قنوات مشفرة، ومنتديات إلكترونية، ومجموعات خاصة على (تلغرام) مثلاً، والبث المتكرر على منصات الفيديو».

نعم، إنَّ التيارات المتطرّفة هذه حالياً لا تحتاج إلى ظهورٍ علنيّ في المنابر والمساجد والكاسيت، كما كان حالها في العقود الماضية، بل إنَّ الفضاءات الممنوحة لها الآن أكبر بكثيرٍ مما حصلت عليه في الثمانينات والتسعينات؛ ولذلك فإنها تتغطّى الآن بألبسةٍ جديدة. لم يعد «الزيّ الدعوي» ضرورياً وربما لبسوا مثل الشباب العادي؛ ألبسة حديثة ونظيفة، وبلحى مهذّبة، وربما يراوغون في مدح بعض المشاريع من أجل غضّ النظر عن جذرهم الفكري، ومكرهم الخفي، هذا هو أسلوب الصحوة الذي يعرفه أصغر دارس في هذه الجماعات والتيارات المارقة.

الخلاصة أن الجماعات الأصولية ومنها الصحوة تنتهج حالياً استراتيجية التأقلم الشكلي، الذي أعتبره في غاية المكر والتضليل. إنَّني أتوقّع وأجزم أن ما يقولونه في مجالسهم الخاصة عكس الذي يبثونه عبر الإعلام، إن ما يقولونه وما يزعمونه مجرّد ادعاء بالتكيّف والتوافق مع التنمية والزمن الجديد الصاعد، وعليه فإنَّ من الواجب الحذر من هذا التشويش المقصود.

إنَّهم يعرفون أنَّ الإقليم ذاهبٌ إلى أفكار التنمية والإسلام المعتدل والتدين الطبيعي المحمود؛ ولذلك فهم يخافون من إعلان أفكارهم علناً، بل ربَّما قالوا عكسها بغية غضّ الأنظار عنهم.

إنَّ كل الكائنات الطبيعية تتأقلم بحيوية طبيعية استجابةً لنظم القوانين الكونية، غير أنَّ أصحاب النظريات الشمولية ومنها الظاهرة الأصولية يعاندون التغيّر، لا يعلمون أنَّ الزمن تجاوزهم وأنَّهم في زمنٍ ليس لتياراتهم ولا لأفكارهم ولا لرموزهم.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الظاهرة الأصولية وحالة «التأقلم الماكر» الظاهرة الأصولية وحالة «التأقلم الماكر»



GMT 08:30 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 18:36 2023 الأربعاء ,05 إبريل / نيسان

حقائب فاخرة لأمسيات رمضان الأنيقة

GMT 10:13 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

سقوط مسيّرة إسرائيلية في رب ثلاثين

GMT 06:16 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

هزة أرضية بقوة 3.7 درجات تضرب سيدي بوزيد وسط تونس

GMT 23:13 2021 الجمعة ,29 كانون الثاني / يناير

زلاتان إبراهيموفيتش "أستاذ النحس" في ملاعب كرة القدم

GMT 13:24 2023 الإثنين ,03 إبريل / نيسان

أفضل عطور الزهور لإطلالة أنثوية

GMT 07:00 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

أفضل 5 مطاعم عربية يمكنك زيارتها في برلين

GMT 07:31 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

مسيرة إسرائيلية تقصف بلدة زبقين في جنوب لبنان

GMT 06:51 2024 الأربعاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

نصائح لتحديد أفضل وقت لحجز رحلاتكم السياحية بسعر مناسب

GMT 13:52 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الميزان الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 16:29 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

تراجعت أسعار بيتكوين والعملات المشفرة بنسبة 1.8%
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon