لاءات الخرطوم ولاءات إسرائيل

لاءات الخرطوم ولاءات إسرائيل

لاءات الخرطوم ولاءات إسرائيل

 لبنان اليوم -

لاءات الخرطوم ولاءات إسرائيل

بقلم : عبد الرحمن شلقم

بعد الهزيمة الكبرى التي حلتْ بثلاث دول عربية، في حرب يونيو (حزيران) سنة 1967، تنادى القادة العرب إلى قمة عربية عُقدت في العاصمة السودانية الخرطوم، في 29 أغسطس (آب) 1967. أهم ما شهدته تلك القمة مصالحة عربية علنية، إذ تعانق من كانت بينهم عداوات لونتها الدماء، ولحنتها الأناشيد والأغاني، ورفعت حماستها الخطب المجنزرة عبر الإذاعات. قمة الخرطوم العربية، التي التأمت في حرارة العاصمة السودانية، ارتفعت فيها سخونة الأخوة العربية، التي أشعلتها نيران الهزيمة المنكرة، وأحرقت سنوات طويلة من الجفوة بين الأشقاء الأعداء.

دخلت مدينة الخرطوم قاموس السياسة العربية، وحلَّت في انفعالات الوجدان السياسي العربي، لسنوات طويلة. لاءات الخرطوم رددها السياسيون والصحافيون، وصارت مدافعَ من الكلمات، تُطلق في وجه طوفان الانكسار الكبير. قرار صدر بإجماع كل القادة العرب. لاءات ثلاث. لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع إسرائيل. قرار عربي ثلاثي الأضلاع، صدح في العاصمة السودانية المثلثة. دعم عربي مالي ثلاثي لدول المواجهة، مصر وسوريا والأردن، التزمت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت والمملكة الليبية بتقديمه لتلك الدول التي تواجه إسرائيل. كانت نتائج قمة الخرطوم ضمادة لجرح غائر أصاب العرب من المحيط إلى الخليج.

الرئيس المصري الرحل جمال عبد الناصر بادر بإشعال الحرب مع إسرائيل في مواجهة سميت بحرب الاستنزاف. تحرك العنوان والهدف السياسي لتلك المواجهة، وصار إزالة آثار العدوان. في نوفمبر (تشرين الثاني) 1967 صدر قرار مجلس الأمن الرقم 242 ونص على احترام سيادة دول المنطقة على أراضيها، وحرية الملاحة في الممرات الدولية، وحل مشكلة اللاجئين، وإنشاء مناطق منزوعة السلاح، وإقرار مبادئ سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط. قبلت مصر القرار وبدأت حلقة جديدة من الخلافات بين الدول العربية. دول تشبثت بشعار تحرير فلسطين كاملة من البحر إلى النهر، رأت في قبول الرئيس جمال عبد الناصر بقرار مجلس الأمن 242 تراجعاً عن قرارات قمة الخرطوم، واعترافاً ضمنياً بإسرائيل. إزالة آثار العدوان صار هو عنوان الخطاب السياسي المصري. شنت دول الممانعة هجوماً إعلامياً على مصر، وانضمت لها منظمة التحرير الفلسطينية.

أيقن عبد الناصر أن تحرير كامل فلسطين بقوة السلاح لا سبيل إلى تحقيقه واقعياً. بعد رحيل عبد الناصر وتولي الرئيس أنور السادات رئاسة مصر، ألقى بلاءات الخرطوم في غياهب الماضي، وأعدَّ جيشه لعبور القناة، وخوض معارك سياسية لم تخلُ من جسارة خيالية. زار إسرائيل وتحرك الشرق الأوسط نحو زمن جديد. طافت أحلام سلام قادم بين العرب وإسرائيل، لكن رياح العنف والصدام لم تتوقف وهبت من جهات عدَّة، وما زالت تعصف بكامل المنطقة تقريباً.

في إسرائيل أيضاً، ارتفعت لاءات ثلاث. أطلقها السياسي الإسرائيلي المتطرف مناحيم بيغن، الذي كان يتزعم حزب حيروت، ثم حزب الليكود وترأس الحكومة الإسرائيلية، أطلق لاءات ثلاثاً وهي، لا للانسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب يونيو (حزيران) 1967، ولا قيام لدولة فلسطينية، ولا تقسيم لمدينة القدس. كان ذلك الرد الإسرائيلي على ما صدر في الخرطوم. كان بيغن زعيماً لمنظمة «إتسل» (الأرغون) الإرهابية قبل إنشاء دولة إسرائيل، وقام بعمليات إرهابية ضد الفلسطينيين والبريطانيين. صنفته الحكومة البريطانية إرهابياً، وأصدرت نشرة قبض عليه. شغل منصب رئيس وزراء إسرائيل من سنة 1977 إلى سنة 1983.

كانت تلك الحقبة، سنوات زلازل سياسية في منطقة الشرق الأوسط، وفي مناطق مختلفة من العالم. في الولايات المتحدة الأميركية، صعد إلى كرسي الرئاسة الديموقراطي جيمي كارتر. أعطى اهتماماً خاصاً لعملية السلام بين مصر وإسرائيل. المفارقة السياسية كانت أن الرئيس المصري أنور السادات الذي حارب إسرائيل في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وعبر قناة السويس ودمر خط بارليف، وكان نائباً للرئيس جمال عبد الناصر الذي قال يوماً: «إن ما أُخذ بالقوة لا يُستردُّ إلا بالقوة»، هو من جلس في أميركا مع مناحيم بيغن، الذي قال يوماً: «لا انسحاب من الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل في حرب يونيو (حزيران) سنة 1967»، ووقع على الانسحاب من سيناء.

السياسة بما فيها من صراعات وتحالفات، لا يدوم على حال لها شأن. في تسجيلات أذيعت مؤخراً، تحدث فيها الرئيس جمال عبد الناصر هاتفياً مع الراحل العقيد معمر القذافي، وفي اجتماع له مع الرئيس الموريتاني الراحل مختار ولد داده قال: «إن مصر تعبت من الحروب، وأنهكت بشرياً واقتصادياً»، وانتقد الدول التي تهاجم مصر بحجة أنها تراجعت عن المواجهة مع إسرائيل، وقال إن «الدول التي تريد أن تحرر فلسطين بقوة السلاح فلتحارب، وأن مصر ستدعمها بخمسين مليون جنيه».

اليوم تسيل الدماء في غزة ولبنان وسوريا، والحرب تلوح بين إيران وإسرائيل. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يكرر اللاءات التي أطلقها قبله متطرف إسرائيلي مثله مناحيم بيغن، لكن الأيام ستضربه بمطرقتها الثقيلة، وسيكون الثمن غالياً أكثر مما يعجج في عنف غيبوبته.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لاءات الخرطوم ولاءات إسرائيل لاءات الخرطوم ولاءات إسرائيل



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 21:19 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

عون يشارك في احتفال تسلم قبرص رئاسة الاتحاد الأوروبي

GMT 20:32 2022 الثلاثاء ,10 أيار / مايو

أفكار لتنسيق إطلالاتك اليومية

GMT 16:12 2021 الجمعة ,10 كانون الأول / ديسمبر

ميريام فارس تحتفل بذكرى زواجها مع أسرتها بفستان جريء

GMT 14:00 2022 الأربعاء ,06 تموز / يوليو

نصائح "فونغ شوي" لسكينة غرفة النوم

GMT 19:27 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

ميتا تطلق نظام ذكاء متقدم يدعم أكثر من 1600 لغة

GMT 17:47 2022 الأحد ,03 تموز / يوليو

أفكار لارتداء إكسسوارات السلاسل

GMT 08:26 2025 الإثنين ,17 شباط / فبراير

أبرز التوقعات لبرج الأسد في شهر فبراير/ شباط 2025

GMT 11:11 2020 الأحد ,27 كانون الأول / ديسمبر

اهتمام مغربي بالحفاظ على التراث اليهودي بتعليمات ملكية

GMT 15:41 2025 الجمعة ,03 تشرين الأول / أكتوبر

أحذية مسطحة عصرية وأنيقة موضة هذا الموسم

GMT 08:51 2019 الثلاثاء ,18 حزيران / يونيو

السعودية تدعو إلى جهد جماعي لتأمين ممرات النفط

GMT 01:32 2017 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

أنا سعودي ولكن مختلف
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon