مصالحة من أجْل الترميم

مصالحة من أجْل الترميم

مصالحة من أجْل الترميم

 لبنان اليوم -

مصالحة من أجْل الترميم

فؤاد مطر
بقلم: فـــؤاد مطـــر

من أجْل أن يُرمَّمَ السودان من قِبل أطيافه العسكرية والمدنية التي ألحقت به صراعاتُها من التدمير ما لم يحدُث في وطن آخر، وإن كان لبنان عاش ثلاث سنوات من الاحتراب الشبيه بعض الشيء بالذي عايشناه وما زلنا نرصد مآسيه على الناس في السودان... من أجْل الترميم الذي لا خيار غيره سوى التدمير وتركيم الآلام وحالات التشرد والنزوح والمجاعة، فضلاً عما قيل عن ارتكابات غير أخلاقية وعن مقابر جماعية لا تليق بشعبٍ تعنيه كرامته، لا بد من مصالحة عسكرية - عسكرية وعسكرية - مدنية، كما لا بد من المحاسبة؛ كل من الطرفيْن لذاته.

عند انتهاء نظام الرئيس عمر البشير المُستضاف في أحد بيوت الضيافة احتراماً من رفاق الأسلحة، ازدادت الآمال ببدء عهد تَشاركيّ عسكري - مدني؛ وذلك لأن كِفتيْ حراك ميزان إسقاط النظام كانتا متساويتيْن.

وحيث إن النيات كانت متناقضة، فإن الفوضى انسلّت إلى المشهد السوداني، وبدأ ما علَّق عليه الشعب الآمال، ثم وبما يشبه غير تلك الأقوال التي ينطق بها هذا الطرف العسكري، وتلك الأطراف المدنية، بدأ منسوب الغرق في الفوضى يزداد، ثم لا يحدُث تجاوب مع المساعي التي لم يسبق إن كان بذْلها من أجْل تهدئة الحال في السودان على النحو الذي حدث، مسعى تليه مَساعٍ دولية وعربية. بدأت المساعي على أثر فك الارتباط العسكري - المدني يوم الاثنين 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وساد اعتقاد بأن جماعة الجيش لا بد ستعيد النظر وتتيح المجال أمام المشاركة المدنية ووقْف الاعتقالات التي شملت رموزاً سياسية، بدءاً برئيس الحكومة عبد الله حمدوك. لكن المؤسسة العسكرية تصرفت على نحو ما درَجَت عليه طقوس الانقلابات العسكرية على الرئاسات والحكومات المدنية، ثم حدَث ما سبق أن جرى في سوريا في الخمسينات، وفي غيرها لاحقاً في دول أُخرى؛ أنّ الزعيم العسكري الذي انقلب على الرئيس المدني، سرعان ما وُوجه بزعيم عسكري آخر كان شريكاً له في عمليته الانقلابية، ثم ما لبث أن انقلب على شريكه.

وبدل المسعى الفاعل المأمول، بدأت المنظمات الصحية العالمية تنشر تقارير ذات أرقام تُثير الشفقة والهلع، فضلاً عن أن ما تبثه الفضائيات العربية والدولية عن الأحوال الصحية والتهجير والحاجة إلى الدواء والغذاء كانت تؤكد هذه الأرقام وتعكس الحال السودانية الشبيهة بعض الشيء بالأحوال المستمرة في غزة وفي مناطق من لبنان وسوريا، دون رادع للعدوان الإسرائيلي.

رغم ازدياد حدة الوضع الصحي وتأثيراته على الأطفال والنساء بشكل خاص، فإنه لا إصغاء للمناشدات الإنسانية الدولية كي يتوقف الاقتتال، وإرفاق هذه المناشدات بأرقام دولية؛ من بينها أن 85 في المائة من المستشفيات باتت لا تعمل بسبب الهجمات من جانب اللذيْن كانا رفيقَي السلاح، ثم تحوَّل كل منهما إلى خَصم للآخر، ويتشارك الاثنان في إلحاق الأذى بالإنسان والبنيان في وطنهما السودان. وإلى ذلك حول الوضع الإنساني، هنالك نحو ثلاثين مليوناً من الشعب السوداني باتوا في حاجة إلى مساعدة. وتفادياً لإيراد مزيد من الأرقام تستوقفنا عبارةٌ، مع دخول الحرب سَنتها الثالثة، لوكيلة الأمين العام للأمم المتحدة روزماري ديكارلو، التي قالت، في تصريح حول الجنراليْن قطبَي الحرب، التي من المأمول وضع نهاية لها في ضوء بداية حسمٍ من جانب المؤسسة العسكرية، وتحرير الخرطوم قصراً ومراكزَ من مسيطرين عليها: «إن الصراع بين الجنرال عبد الفتاح البرهان والجنرال محمد حمدان دقلو على السلطة أشعل أزمة ذات أبعاد أسطورية...».

ليس التشخيص الأممي المُشار إليه هو كل ما قِيل أسفاً أو تنبيهاً أو تحذيراً، وعلى مستويات رموز فاعلة من أهل القرار العربي والدولي. فقد كانت هناك المساعي الدولية، إلى جانب مساعي دول عربية ودول الجوار الأفريقي والمنظمات الأفريقية عموماً. وافترضنا، بعد المسعى الأميركي اللافت من جانب إدارة الرئيس السابق جو بايدن، والتلويح في ضوء عدم وقف الصراع، واستعادة الدور المدني الحكومي في شخص عبد الله حمدوك، أو مَن يتم اختياره، في ضوء بيانات ومَطالب حزبية، رئيساً للحكومة، باستعمال أقسى الإجراءات الاقتصادية والمالية، ومنها ما يتعلق بالديون العالق تسديدها، والمساعدات القابلة للتوقف، أن الرسالة ستؤخذ في السودان على محمل التنبه، وبذلك يُصار إلى حكم عسكري - مدني على قاعدة التفهم والتفاهم. لكن ذلك لم يحدُث. ولم يبْق من المأمول حدوثه سوى تفعيل النصح الذي قُدّم للجنرال البرهان، والذي قُدّم من قبل لكل من الرئيس اللبناني جوزيف عون، والرئيس السوري أحمد الشرع، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام. وهذه النصائح تحمل في طياتها الأخذ بمصالحة الذات لإصلاح الحال، وصولاً إلى مصالحة تستهدف الترميم في كل من الدول الثلاث لبنان وسوريا والسودان؛ بأمل أن يكون الترميم لقطاع غزة، بعد أن يكفَّ المعتدي عن عدوانه.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مصالحة من أجْل الترميم مصالحة من أجْل الترميم



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 17:53 2020 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 21:09 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 21:25 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 00:13 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 13:47 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أجواء إيجابية لطرح مشاريع تطوير قدراتك العملية

GMT 20:36 2021 الإثنين ,08 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 20:29 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

النوم 7 ساعات يحمي كبار السن من مرض خطير

GMT 14:59 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

عليك أن تتجنب الأنانية في التعامل مع الآخرين

GMT 14:02 2020 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 20:44 2019 الثلاثاء ,26 شباط / فبراير

الدوري السعودي يشهد إقالة 15مدربًا هذا الموسم

GMT 15:25 2016 الخميس ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

برج الثعبان.. عاطفي وحكيم وعنيف في بعض الأوقات

GMT 17:50 2018 الثلاثاء ,24 تموز / يوليو

في نسف الثّقافة..

GMT 20:11 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

هواوي تعلن رسميا إطلاق لاب توب Huawei MateBook 14

GMT 05:36 2021 الثلاثاء ,05 كانون الثاني / يناير

الترجي التونسي يوثق مسيرة "قلب الأسد" في ذكرى وفاته

GMT 10:18 2021 الجمعة ,29 كانون الثاني / يناير

نيويورك تايمز" تعلن الأعلى مبيعا فى أسبوع

GMT 22:21 2020 الثلاثاء ,29 كانون الأول / ديسمبر

الرفاهية والاستدامة لأجل الجمال مع غيرلان

GMT 17:31 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

غوغل تعرض أحدث نظارات الواقع المعزز

GMT 14:35 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

تحقيق مع موظفين بالجمارك بتهم ابتزاز مالي في مرفأ بيروت
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon