أمان زائف

أمان زائف

أمان زائف

 لبنان اليوم -

أمان زائف

أمينة خيري
بقلم : أمينة خيري

الواقع الافتراضى لا يقتصر على هذه العوالم التى أتاحتها الثورة الرقمية. أجد فى المجتمعات المغلقة على نفسها واقعًا افتراضيًّا، وفى مصادر المعلومات والآراء والتحليلات الأحادية واقعًا افتراضيًّا، وفى المجموعات التى يتم تدشينها على منصات الـ«سوشيال ميديا» لتجمع عشرات أو مئات أو آلاف أو حتى ملايين الأشخاص ممن تجمعهم معتقدات أو أفكار أو ميول متطابقة أو متشابهة واقعًا افتراضيًّا، وفى ملايين الأشخاص الذين يعبرون عن رأى أو موقف، فيلقى شعبية جارفة بين عشرة أو مائة أو ألف شخص، فيعتقدون أن هؤلاء هم العالم الخارجى واقعًا افتراضيًّا، وأمثلة الواقع الافتراضى لا تنتهى. هذا الواقع الافتراضى موجود منذ سنوات وقرون ما قبل الثورة الرقمية وإتاحة الإنترنت والتطبيقات المختلفة لمليارات الأشخاص.

كما أسلفت، المجتمع المغلق على نفسه- أو الدولة التى لا تسمح لمواطنيها بالاطلاع على ما يجرى خارج حدودها- يعيش فى واقع افتراضى. يظن السكان أن العالم عبارة عما يجرى فى حدود البيت أو الشارع أو الوطن، يعتقدون أن الأخبار التى يسمعونها أو يشاهدونها هى ما يجرى فى العالم، وأن الفن الذى يستمتعون به هو الوحيد المتاح، وأن نظام التعليم فى مدارسهم هو المعمول به فى شتى أرجاء الأرض. والتاريخ يخبرنا بنماذج عدة لمجتمعات عاشت واقعًا افتراضيًّا، ووُلدت وعاشت وماتت أجيال وهى تعتقد أن ما عاشته هو فقط المتاح فى العالم. اليوم، جاءت الثورة الرقمية لتقدم إلينا خاصية العوالم الافتراضية ونحن جالسون على كنباتنا. صفحات ومجموعات وتدوينات وتغريدات تعرف طريقها إلينا، تقتحم شاشاتنا، ونسلم لها عقولنا وقلوبنا لأنها «على هوانا». نتماهى مع المحتوى، ويتماهى معنا. يشبه ما نؤمن به وما لقنه لنا آباؤنا وأمهاتنا ومعلمونا.

ويفاقم من إحساسنا الزائف بأن هذا المحتوى هو الحقيقة الوحيدة التى يؤمن بها سكان الأرض وجود الآلاف وربما الملايين معنا على قلب «لايك» و«شير» واحد. هذه العوالم الافتراضية كشفت عن وجهها القبيح فى حرب غزة. ما نظن أنه معلومات تاريخية وحق مؤكد لا ريب فيه ليس إلا عوالم افتراضية تتعارض وعوالم الآخرين الافتراضية أيضًا. ما نؤمن أنه حق ظاهر وظلم جائر فى أبعاد القضية الفلسطينية ليس هكذا فى ربوع الأرض. حتى تعريف الإرهاب ليس واحدًا، ومبررات المقاومة ليست متطابقة، وكون الظلم ثقيلًا لا يعنى أن العالم الخارجى سيهرع بالضرورة إلى عوالمنا الافتراضية ليعيد اكتشاف المفاهيم ويفند الأكاذيب. حرب غزة كشفت أن الهوة سحيقة بين عوالمنا الافتراضية التى ارتضيناها، وبين الواقع حيث عوالم افتراضية أخرى. أنظمة التعليم المعتمدة على التلقين، والخطابات الثقافية والدينية المعتمدة على فكرة الفوقية اللانهائية، واعتبار التفكير النقدى سبة ومناقشة القوالب الجامدة لعنة تمنع سكان العوالم الافتراضية من معرفة ما يدور فى خارج حدود هذا العالم. العالم الافتراضى يمنح سكانه شعورًا زائفًا بالأمان.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أمان زائف أمان زائف



GMT 19:57 2025 الخميس ,20 شباط / فبراير

من «الست» إلى «بوب ديلان» كيف نروى الحكاية؟

GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 19:29 2025 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

الكتب الأكثر مبيعًا

GMT 11:46 2025 الأحد ,26 كانون الثاني / يناير

الرئيس السيسى والتعليم!

GMT 19:13 2025 الثلاثاء ,21 كانون الثاني / يناير

أصالة ودريد فى «جوى أورد»!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 19:51 2021 الأحد ,07 آذار/ مارس

طريقة وضع الكونتور البودرة

GMT 18:52 2021 الأحد ,07 آذار/ مارس

مشاكل جفاف الجلد في فصل الشتاء

GMT 17:14 2019 الجمعة ,21 حزيران / يونيو

دبابات إماراتية تغادر العاصمة اليمنية المؤقتة

GMT 21:29 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

كيف نساعد الطفل على عمل صداقات في المدرسة؟

GMT 15:27 2021 الخميس ,21 كانون الثاني / يناير

راشد الماجد يحمل نعش والدته وينهار لحظة الدفن

GMT 11:54 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

سر فوائد زيت البصل للشعر وطريقة تحضيره في المنزل

GMT 20:53 2025 الأحد ,14 أيلول / سبتمبر

"بيتكوين" تتجاوز 121 ألف دولار وسط تفاؤل تنظيمي

GMT 12:36 2017 الجمعة ,27 تشرين الأول / أكتوبر

أكلات ووصفات طبيعية لزيادة الوزن وعلاج النحافة

GMT 07:29 2020 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

كل ما تريد معرفته عن ميونخ وأهم الأماكن السياحية بها

GMT 21:45 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

دليلك الكامل لتنسيق الأثاث الصناعي

GMT 14:41 2019 الجمعة ,29 آذار/ مارس

اكتساح إيطالي لحكام مباريات الديربي

GMT 10:07 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

ألوان التراب تسحر إطلالات النجمات شتاء 2026

GMT 19:19 2021 الجمعة ,17 كانون الأول / ديسمبر

موضة حقائب بدرجات اللون البني الدافئة
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon