عن سمات المرحلة القادمة

عن سمات المرحلة القادمة

عن سمات المرحلة القادمة

 لبنان اليوم -

عن سمات المرحلة القادمة

عبد الغني سلامة
بقلم : عبد الغني سلامة

مع عودة موجة جديدة من فيروس كورونا، وفي ظل الأزمة الاقتصادية، وانقطاع الرواتب، وصفقة القرن، ومخططات إسرائيل للضم، وقرار السلطة بوقف كافة أشكال التنسيق المدني والأمني مع إسرائيل، وغموض الموقف الإسرائيلي، وقرب موعد الانتخابات الأميركية.. إزاء هذا المشهد المعقد والصعب، وغير المسبوق، ينتابنا جميعا قلق شديد، وخوف من قادم الأيام، وفي ذهن كلٍ منا أسئلة عديدة ومحيرة: إلى أين تتجه الأمور؟ هل ستتفجر الأوضاع دفعة واحدة؟ ماذا سيحدث غداً، وبعد غد؟ هل ستندلع انتفاضة ثالثة؟ هل ستنهار السلطة تحت وطأة الحصار الخانق؟ هل ستمر الصفقة ونخسر كل شيء؟

أعتقد «جازماً» أن لا أحد لديه تصور شامل وواضح لهذه الخارطة المعقدة، وأذكى محلل سياسي وأعمق خبير استراتيجي لا يستطيع التنبؤ بما سيحدث مستقبلاً، إلا في إطار التوقعات والترجيحات، وحتى قيادات المنطقة ليس بوسعها توقع سيناريو واضح ودقيق، وليس بوسعها دفع الأمور بالاتجاه الذي تريده تماماً، بما في ذلك قيادات إسرائيل وأميركا والدول الكبرى.. ببساطة لأن لا أحد يمتلك كل المفاتيح، ولا أحد بوسعه السيطرة والتحكم على مجريات الأحداث وفق مخططاته ورؤيته الخاصة، حيث إن العوامل الذاتية والموضوعية التي تسيّر الأمور متداخلة ومتشابكة ومتناقضة، وكل طرف بيده جزء منها، ويفتقد لأجزاء أخرى.
على ضوء ما سبق، يمكن تخيل السيناريوهات المحتملة التالية، مع ذكر فرصها ومخاطرها:

اندلاع انتفاضة شعبية، وهذا الاحتمال وارد، وبنسبة قليلة، ولكن مخاطره كثيرة.. كيف، ولماذا؟حتى تندلع انتفاضة شعبية شاملة، تمتد في كل الأرض المحتلة، وحتى تستمر، وتحقق نتائج سياسية، لا بد من نضوج الظرفين الذاتي والموضوعي، وهذه حقيقة بديهية، تناولها علم الاجتماع، وأكدتها حقائق التاريخ؛ ولتوضيح ذلك لنأخذ الانتفاضتين الكبيرتين مثالين: الانتفاضة الأولى اندلعت بعد عشرين سنة من احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد تأخرت عقدين كاملين، على الرغم من ضخامة الأحداث التي جرت في تلك الفترة (اغتيالات، مذابح، حروب، اجتياحات، مصادرة أراض، استيطان، روابط قرى، حصار، اعتقالات..) وأي من تلك الأحداث كان كفيلا بتفجير الغضب الشعبي، واندلاع انتفاضة..

لكنها لم تندلع، وبالطبع هذا لا يعني أن الشعب كان مستكينا؛ فقد مارس أشكالا عديدة ومتنوعة من النضال: اشتباكات، عمليات، تظاهرات وإضرابات.. لكنها كانت محدودة ومتقطعة.. ولكن بعد نضوج الظرف الذاتي (العمل الجماهيري، والبناء التنظيمي، والنقابي، والإعلامي، وتراكم الوعي الوطني الجمعي، الذي توازى مع بناء الثقة بين الشعب وقيادته المتمثلة بمنظمة التحرير، خاصة بعد صمودها كل تلك الفترة .. نجم عن ذلك كله امتلاك الشعب لحظة أمل بإمكانية التغيير، واقتناع بضرورته، وترافق ما سبق مع توفر إرادة سياسية ودعم بكافة الأشكال من قبل القيادة) حينها فقط اندلعت الانتفاضة.

في الانتفاضة الثانية كانت العوامل الموضوعية متوفرة وناضجة، لكنها اندلعت في ظل إرادة سياسية صلبة، وقيادة داعمة، ووحدة وطنية، وبناء تنظيمي (ولو في حده الأدنى)، وانخراط الأجهزة الأمنية في فعالياتها.
اليوم، وفي ظل المشهد الحالي كل العوامل الموضوعية متوفرة، وكافية لإشعال انتفاضة، لكن العامل الذاتي غير متوفر (القوى الوطنية متآكلة ومترهلة، ومعزولة عن الشارع، القيادة السياسية لها وجهة نظر مختلفة، الانقسام يشل ويكبح إمكانية نجاح أي حراك جماهيري، ويُفشِل أي جهد سياسي).

لكن ما يمكن حدوثه، بحيث يقلب الطاولة على الجميع هو خروج حراك جماهيري يقوده ويشعله الشباب.. وهنا تكمن المشكلة، فهؤلاء الشباب محبطون وغاضبون، وينتظرهم مستقبل مجهول، في ظل غياب إطار تنظيمي، وعدم وجود قيادة لهذا الحراك، وافتقاره لرؤية سياسية ناضجة وحكيمة.. وقد تكون نفس هذه النقاط عوامل لتفجر الوضع أكثر، لكنه سيكون انفجارا عشوائيا، يصعب التحكم بمساراته ومآلاته، فمن الممكن جداً أن يتحول إلى النمط العسكري والعنيف، فضلاً عن احتمالية وقوع الفوضى العارمة، وتدخل العشائر، ومراكز القوى الاجتماعية والاقتصادية، والجماعات الإرهابية (التي ستجلبها إسرائيل وأميركا، كما فعلتا في سورية والعراق)، وقد تتدهور الأوضاع إلى حد اندلاع حرب أهلية.. وهنا ستكون فرصة إسرائيل لسحق هذا الحراك، ومن المحتمل أن يتطور الأمر بشكل أكثر خطورة بحيث تستغل إسرائيل الفوضى القائمة وتبدأ بتنفيذ ترانسفير جماعي، ومن المؤكد حينها أن هذه الفوضى ستنتقل إلى دول الجوار المستقرة كالأردن والسعودية، وإلى دول الجوار المضطربة أصلا، وستطال إسرائيل.

ولكن، إذا قام هذا الحراك الشبابي، والتزم ببرنامج سياسي واعٍ، وحافظ على نهج مقاومة شعبية سلمية، ولم يتأثر باستفزازات الجيش الإسرائيلي .. حينئذ سيكون بمقدوره إحداث التغيير المنشود، وتحقيق منجزات سياسية مهمة، وسيكون الرد الأمثل على مشاريع الضم، وعلى صفقة القرن.. ونجاح هذا الخيار يتطلب أيضاً مساراً سياسياً ثورياً تتخذه القيادة، أهم بنوده إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير، وإعادة صياغة الدور الوظيفي للسلطة، ودعم القوى الوطنية (بالذات فتح) لهذا الحراك، وانخراطها فيه، وأي تأخير أو تلكؤ في هذا الاتجاه سيفتح المجال لعوامل التخريب أن تفعل مفاعيلها لإجهاضه.

ولكن هذا لا يجيب عن سؤال ماذا سيحدث في المستقبل القريب.. أي ما يتعلق بمستقبل السلطة مع استمرار محاولاتها للانفكاك عن إسرائيل، وما سينشأ عن ذلك من إشكالات: الرواتب، الهويات، سجل الأحوال المدنية، الجسر، حركة التنقل، الاستيراد والتصدير، الطاقة، المياه.. وهذه كلها تحت السيطرة الإسرائيلية.من وجهة نظري، وباختصار شديد، السلطة لن تنهار، ولكنها ستتعرض لمزيد من العقوبات وتضييق الحصار عليها، بمشاركة أميركية، وستواصل إسرائيل فرض الحقائق على الأرض بالقوة والعربدة.. وسيتصدى لها الشعب بما لديه من إمكانيات، وستصعّد إسرائيل إجراءاتها القمعية.. ولن يحدث تغيير دراماتيكي جذري، والمسألة أشبه بسباق شد الحبل، ومن يصبر أكثر، ومن لديه قدرة على الصمود فترة أطول.. وفي ظني أن السلطة تراهن على الشعب، بل وتدفعه إلى المواجهة المباشرة، لاعتقادها أن هذا سيشكل عامل ضغط على إسرائيل، ستؤدي إلى ضغوط ووساطات دولية، قد تؤدي إلى انفراج نسبي، ولكن مؤقت.. وسيستمر الصراع، ولن تهدأ المنطقة طالما ظلت إسرائيل تفكر وتتصرف بعقلية المحتل والقوي، وطالما الدول العربية والمجتمع الدولي في دور المتفرج والمتواطئ.بيدنا نحن الفلسطينيين الكثير من عناصر القوة، وبوسعنا التغيير، لكن عوامل كثيرة، أهمها الانقسام، تكبلنا، وتشل حركتنا.. وهذه المرحلة (وهي أطول فترة من السكون الفلسطيني والجمود والترقب) لن تدوم أكثر، والتغيير قادم لا محالة.

قـــد يهمــــــــك أيضــــــاُ : 

حنين وذكريات

مـتـى بـدأ الانـقـسـام؟

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن سمات المرحلة القادمة عن سمات المرحلة القادمة



GMT 00:53 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

فخامة الرئيس يكذّب فخامة الرئيس

GMT 21:01 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

بايدن والسياسة الخارجية

GMT 17:00 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

أخبار عن الكويت ولبنان وسورية وفلسطين

GMT 22:48 2020 الثلاثاء ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أي استقلال وجّه رئيس الجمهورية رسالته؟!!

GMT 18:47 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب عدو نفسه

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 17:53 2020 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 21:09 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 21:25 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 00:13 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 13:47 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أجواء إيجابية لطرح مشاريع تطوير قدراتك العملية

GMT 20:36 2021 الإثنين ,08 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 20:29 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

النوم 7 ساعات يحمي كبار السن من مرض خطير

GMT 14:59 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

عليك أن تتجنب الأنانية في التعامل مع الآخرين

GMT 14:02 2020 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 20:44 2019 الثلاثاء ,26 شباط / فبراير

الدوري السعودي يشهد إقالة 15مدربًا هذا الموسم

GMT 15:25 2016 الخميس ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

برج الثعبان.. عاطفي وحكيم وعنيف في بعض الأوقات

GMT 17:50 2018 الثلاثاء ,24 تموز / يوليو

في نسف الثّقافة..

GMT 20:11 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

هواوي تعلن رسميا إطلاق لاب توب Huawei MateBook 14

GMT 05:36 2021 الثلاثاء ,05 كانون الثاني / يناير

الترجي التونسي يوثق مسيرة "قلب الأسد" في ذكرى وفاته

GMT 10:18 2021 الجمعة ,29 كانون الثاني / يناير

نيويورك تايمز" تعلن الأعلى مبيعا فى أسبوع

GMT 22:21 2020 الثلاثاء ,29 كانون الأول / ديسمبر

الرفاهية والاستدامة لأجل الجمال مع غيرلان

GMT 17:31 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

غوغل تعرض أحدث نظارات الواقع المعزز

GMT 14:35 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

تحقيق مع موظفين بالجمارك بتهم ابتزاز مالي في مرفأ بيروت
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon