«بيت من الديناميت» ووهم الأمن الأميركي

«بيت من الديناميت» ووهم الأمن الأميركي

«بيت من الديناميت» ووهم الأمن الأميركي

 لبنان اليوم -

«بيت من الديناميت» ووهم الأمن الأميركي

بقلم : نديم قطيش

في مشهدٍ ختامي مروّع من فيلم «بيت من الديناميت» (إخراج كاثرين بيغلو وتأليف نوح أوبنهايم. بُثّ في أكتوبر/تشرين الأول 2025 على منصة «نتفليكس»)، تهرع مسؤولة حكومية متوسطة المستوى نحو حافلة مُنتظرة، تحمل حقيبةً قماشيةً على كتفها وتجرّ بيدها طفلاً ذاهلاً. خلفها، تخرج شخصيات أخرى بملابس رسمية من مبانٍ فيدرالية رتيبة، يتحرّكون بجديّة محمومة تشبه اندفاع الموظفين المتأخرين عن قطارهم. تخبرنا شاشةُ العرض أن وجهتَهم هي «مجمع جبل ريفن روك»، ذلك الملجأ المحفورُ تحت الجبل في بنسلفانيا، والمُعدّ لتمكين الحكومةِ الفيدرالية، منذ عهد الرئيس دوايت أيزنهاور، من إعادة تشكيل نفسِها بعد حربٍ نووية ماحقة.

توّجه بيغلو عبر هذا الموكبِ الهادئ والمهيب للموظفين المُختارين والموعودين بالنجاة، أقسى نقدٍ للقوة الأميركية يخرج من هوليوود منذ سنوات. لم يحدث منذ أن حبسَ ستانلي كوبريك شخصيات فيلمه «الدكتور سترينجلوف» في «غرفة الحرب»، أن قامَ مخرج بكشف المنطقِ العبثي للاستراتيجية النووية بهذا الشَّكل المرير. ولكن، حيث قدَّم لنا كوبريك هجاءً ساخراً للبيروقراطية، تصفعنا بيغلو بعرضٍ واقعي ومزعجٍ للعمليات الإجرائية التي تتّبعها النخبة في حالات مماثلة، كأنَّها تصنع عملاً وثائقياً بارداً، تصل في ختامه إلى نهاية صادمة: نحن لسنا بإزاء فشل النظام، بل أمام النظام وهو يعمل بكامل طاقته. فالمنتج النهائي لدولة الأمن القومي ليس الأمن، بل نجاة الدولة الأمنية ذاتها للمستقبل.

الحبكة الأساسية للفيلم، تدور حول صاروخٍ غير محدّد الهوية يتّجه نحو شيكاغو. نمنح 18 دقيقة، نعيشها ثلاث مرات من منظورات متداخلة، لنشاهد أقوى حكومة على وجه الأرض وهي تكتشف أنَّ ترسانةَ الردع والاعتراض التي أنفقت عليها مئات مليارات الدولارات لا يمكنها إنقاذ حياة أميركي واحد. الرئيس ماركوس كول (إدريس إلبا، الذي يجسد عجزاً مهيباً يذكرنا بالإعياء الذي هيمن على باراك أوباما في ولايته الثانية) يرأس غرفةَ العمليات، حيث كلُّ خيارٍ متاح هو إمَّا غيرُ مفعّل، أو غيرُ مختبر، أو غيرُ مرغوب فيه.

بيغلو، التي رسخت مكانتَها مؤرخةً سينمائيةً لدولة الأمن القومي الأميركية، تركز اهتمامها على ما يحدث عندما لا تكفي ماكينة النظام نفسها. عندما تتجاوز المدخلات والبيانات والإجراءات قدرة النظام على المعالجة، ويستوعب البشر في داخل فقاعة الإدارة أنَّهم ليسوا طيارين، بل مجرد ركاب. وعليه، لا يرينا الفيلم مصدر الصاروخ ولا انفجاره؛ لأنَّ الانفجار ليس هو جوهر المحنة، بل ما يكشفه احتمال الانفجار عن عجز البيروقراطية أمام الأحداث الوجودية.

يأتي فيلم «بيت من الديناميت» في لحظة خيبة أمل عملاقة يعيشها الأميركيون تمكن تسميتها «أزمة الكفاءة الكبرى». فثمة انهيار واسع للثقة العامة، ليس فقط في القادة، بل في قدرة المؤسسات الأميركية على أداء وظائفها الأساسية.

تراكمت هذه الأزمة من إخفاقات متتالية، بدأت مع الانهيار المالي عام 2008، ثم الاستجابة المتعثرة لجائحة كورونا، والانسحاب الفوضوي من أفغانستان، وفشل الاستخبارات في توقع أحداث السابع من أكتوبر 2023، وصولاً إلى تجاهل أو فشل «الفيدرالي الأميركي» في تقدير حجم التضخم ومداه. كل حلقة من هذه الحلقات عزَّزت شكوكاً انتقلت من هوامش الرأي العام إلى متونه العريضة، ومفادها أنَّ الخبراء الذين يديرون مؤسسات النظام ليسوا بالكفاءة التي يدعونها. اللافت هو الطبيعة الشاملة للإدانة، وتجاوزها الانقسام الحزبي. انضم إلى اليمين «الجاكسوني» الشعبوي الذي يزدري منذ زمن نخب واشنطن، أجزاء واسعة من اليسار التقدمي الذين يرون في البنتاغون ووكالات الاستخبارات مجرد امتدادٍ لمنطق القمع. يُجري فيلم بيغلو، في هذا المناخ، عملية جراحية معقدة لادعاءات دولة الأمن القومي. فالمسؤولون في غرفة عملياتها ليسوا أشراراً. إنَّهم مهنيون أذكياء ينفذون البروتوكولات بدقة. وهذه «المهنية الكفؤة» هي تحديداً ما يدينه الفيلم. النظام لا يفشل لأنَّ أشراراً استولوا عليه، بل يفشل لأنَّه «هو» النظام بكامل قصوره البنيوي.

إلى ذلك يمثل إخلاء «ريفن روك» محاكاة ساخرة وقاتمة لمفهوم «الاصطفاء»، ويبدد كثيراً من القداسة التي تحيط بفكرة الانتخابات. فالمختارون هم أسماء في قوائم أُعدّت في وقت السلم، مقاعدهم محجوزة بمرسوم بيروقراطي، لم يُسأل عنها أحد، بينما يُترك بقية المواطنين لمصيرهم. هذه هي البصيرة الأكثر نفاذاً في الفيلم، حيال «حصانة النخبة». فهذه الحصانة ليست فساداً أو مؤامرة، بل هي جوهر التصميم المؤسسي للنظام. المسؤولون الهاربون لا يسرقون الموارد، بل يتبعون بروتوكولات كُتبت لضمان بقائهم هم فقط.

فجأة تسوَّد الشاشة معلنةً نهاية الفيلم من دون أبطال أو حلول. لا نعرف إن كان الصاروخ حقيقياً أم شبحاً. لحظة تكثيف درامية لحالة من عدم اليقين الدائم، لا طاقة لأي عمل فني على أن يقدم حلولاً لها من دون أن يكذب أو يوارب.

لقد صنعت كاثرين بيغلو فيلماً يضاهي الأزمة التي يصفها. عمل يرفض صرف النظر عن الهاوية، ويسأل الأميركيين بوضوح بارد ومرعب: ماذا تنوون فعله قبل أن تسقطوا؟

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«بيت من الديناميت» ووهم الأمن الأميركي «بيت من الديناميت» ووهم الأمن الأميركي



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 12:46 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الحمل الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 22:38 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 13:08 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج السرطان الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:50 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 07:34 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

قتيلان ومصابون جراء 14 غارة إسرائيلية على شرق وجنوب لبنان

GMT 10:52 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

مناخا جيد على الرغم من بعض المعاكسات

GMT 22:26 2020 الثلاثاء ,22 كانون الأول / ديسمبر

مصارع يضرم النار بمنافسه على الحلبة

GMT 07:38 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

ضربتان جويتان إسرائيليتان تستهدفان عنصرين في حزب الله

GMT 22:09 2023 الجمعة ,17 آذار/ مارس

إعصار فريدي يحصد أرواح 326 شخص في ملاوي

GMT 12:23 2022 الخميس ,24 آذار/ مارس

أبرز الصفات الإيجابية الخاصة بكل برج

GMT 09:06 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

جيش الاحتلال الإسرائيلي يشن حملة اعتقالات واسعة في طولكرم

GMT 00:18 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 24 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:50 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 16:31 2025 الثلاثاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

زلزال بقوة 5.2 درجة يضرب قبالة سواحل آومورى اليابانية
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon