الواقع بالأبيض والأسود

الواقع بالأبيض والأسود

الواقع بالأبيض والأسود

 لبنان اليوم -

الواقع بالأبيض والأسود

بقلم: د. آمال موسى

إن طبيعة العلاقة مع الواقع محدد مهم يكشف عن أشياء كثيرة تمثل بدورها أساس بناء استنتاجات حول الثقافة المنتجة لمضمون تلك العلاقة ونمطها. لذلك فإن هذه المسألة لا يستهان بها رغم أنها تختبئ في تفاصيل العلاقات وقلّما تكون بارزة. وهنا لا بد من التوضيح أنّه لا توجد علاقة واحدة مع الواقع بقدر ما هنالك علاقات. وأهم ما يمكن الوقوف عنده هو أن العلاقة التي تبنيها المجتمعات أو الأفراد، هي نتاج ثقافة وتنشئة اجتماعيّة كاملة ومن ثم فهي خلاصة تراكم علاقات أجيال مع الواقع، الأمر الذي أدى إلى تجذر خصائص وسمات تسهم بدورها في إعادة إنتاج العلاقة وتمظهراتها الكثيرة الواحدة.

وفي الحقيقة فإننا نتوقف عند مسألة طبيعة العلاقة مع الواقع لاعتبار أهميتها أولاً ودورها بالدفع للمجتمع نحو التقدم والتجاوز والإنجاز أو عكس ذلك ثانياً.
أيضاً هناك نقطة في ارتباط وثيق بالموضوع المطروح، وهي أن العلاقة بالواقع تحدد علاقاتنا بكل شيء. بل إنّها تتجاوز ذلك إلى ما يتصل بإنتاج القيم وتحديد كيمياء المعاني والمدلولات في اللغة. وإذ نلفت الانتباه إلى هذه الجوانب فلكي نبيّن مدى جوهرية خصائص العلاقة بالواقع.

وكثيراً في لقاءات تبادل الخبرات مع تجارب مجتمعات ونخب أخرى، نلاحظ الاختلاف في مقاربة مشكلات معينة، وهي ظواهر نعاني منها في الفضاء الثقافي العربي والإسلامي. وأتذكر جيداً كيف أنه في أحد اللقاءات رفيعة المستوى، تناولت شخصية بارزة ومسؤولة قيادية في بلد متقدم تجربة بلادها في مجال تمكين المرأة. وما استرعى اهتمامي أنها لم تذكر المنجز ولم تتباهَ بما حققته بلادها ولم تستعرض الأمجاد والقصص الناجحة، بل إنّها تركت كل المنجز جانباً وتحدثت بصوت واثق ونبرة جادة عن مشكل التمكين السياسي وضعف وصول نساء بلادها لمواقع القرار، مبرزة أن 7 في المائة فقط من نساء بلادها يشغلن مناصب قيادية، معبرة عن حيرة تجاه ما وصفته بضعف وجود النساء في مواقع القرار، والحال أن 66 في المائة من خريجي الجامعات لديهم فتيات. اللافت للانتباه هو التعاطي الصادق مع الواقع والاهتمام بالمشكل كما هو من دون لجوء للتزويق والحديث عن الإنجازات رغم وجودها. فالشعوب المنجزة تضع كل تركيزها على ما لم ينجز بعد لأنه جدير بكل الطاقة قبل أن يتحول إلى منجز.
بالنسبة إلى ثقافتنا العربية يمكن القول إننا نتعالى على الواقع ونمارس ضده نوعاً من الإنكار. بمعنى آخر، فإننا نهرب من مواجهة الواقع وأحياناً نؤجل المواجهة إلى تاريخ غير محدد. نجد صعوبة في تسمية الأشياء بأسمائها وهذا مشكل بنيوي عميق. ويبدو لنا أن عدم معالجة هذه المسألة سينعكس سلباً على الواقع نفسه باعتبار أن العلاقة به عنصر مهم في بلورته وتشكيله.
لذلك لا بد من التحلي بشجاعة المواجهة وبناء علاقة جديدة مع الواقع، وهو أمر يمثل أحد أهم بنود التغيير الثقافي وإعادة هندسة النظام الفكري والثقافي العربي. فنحن نلتجئ إلى الغيبي ونميل إلى التفسيرات الرمزية الميتافيزيقية مما طبع العلاقة بالواقع بالمسافة والتعالي والإنكار. وكما نعلم فإن هذه المسألة تعني أيضاً صعوبة توخي الموضوعية وامتلاك ناصية المنهج العلمي في التعامل مع الموجودات والواقع.
أيضاً هناك نقطة من شأنها أن تفسّر لنا تعقد العلاقة مع الواقع، وهي تسييس الواقع أي هيمنة السياسة على الواقع في العقود الأخيرة، الأمر الذي جعل الواقع محكوماً بعمليات مونتاج وتجميل مستمرة؛ لأن الفهم السياسي الغالب كان يرى في إظهار مشكلات الواقع وثغراته ضربة للسياسي واتهاماً بالتقصير. لذلك كان هناك نوع من الريبة في التعامل مع أرقام البطالة والفقر والأميّة وغيرها، حيث كان يعتقد السياسيون أن الجهر بواقع البطالة والفقر وإعلان الأرقام الصحيحة مسألة ليست في صالحهم. وهكذا أضرت السياسة كثيراً بكيفية بناء العلاقة مع الواقع؛ إذ إن الواقع الذي يصل للمواطن كان يفتقد كثيراً من المصداقية.
حالياً، أو لنقل بأكثر دقة في العشرية الأخيرة، بدأت بلدان عربية عدة تعرف إصلاحات جوهرية وعرفت بعض من البلدان ثورة، وكلها مؤشرات تفيد بالمخاض الذي باتت تعرفه العلاقة بالواقع. وهنا لا يفوتنا دور الإعلام وتحديداً وسائل التواصل الاجتماعي التي أخذت على عاتقها في بلداننا خاصة، تضخيم الواقع والاقتراب منه بشكل حوّله إلى شاشة عملاقة لما هو كبير وتفصيلي من الظاهر والمشكلات. فمع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وإقبال مجتمعاتنا الجارف على استعمالها فإنه لم يعد ممكناً تجاهل الواقع أو تجميله أو إخفاء جزء منه، وهو أمر أنتج تحولاً قسرياً في العلاقة بالواقع وفي التعامل معه وفي الاعتراف به. ومثّل هذا المنعرج ضغطاً إيجابياً نعتقد أن إيجابياته ستكون كثيرة وأولها قراءة الواقع بالأبيض والأسود.
إن مشكلات كثيرة وكبيرة تملأ الواقع العربي اليوم ولا مفر من تغيير علاقتنا بالواقع والانتقال بخطى أكثر سرعة وموضوعيّة في تسمية كل شيء باسمه ووصف الواقع ومحتوياته بالأوصاف الدقيقة.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الواقع بالأبيض والأسود الواقع بالأبيض والأسود



GMT 19:57 2025 الخميس ,20 شباط / فبراير

من «الست» إلى «بوب ديلان» كيف نروى الحكاية؟

GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 19:29 2025 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

الكتب الأكثر مبيعًا

GMT 11:46 2025 الأحد ,26 كانون الثاني / يناير

الرئيس السيسى والتعليم!

GMT 19:13 2025 الثلاثاء ,21 كانون الثاني / يناير

أصالة ودريد فى «جوى أورد»!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 13:33 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

يحمل إليك هذا اليوم كمّاً من النقاشات الجيدة

GMT 16:44 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

المكاسب المالية تسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 23:31 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 08:44 2019 الثلاثاء ,09 إبريل / نيسان

ألوان منعشة من مجموعات عبايات ربيع وصيف 2019

GMT 19:00 2022 السبت ,14 أيار / مايو

موضة خواتم الخطوبة لهذا الموسم

GMT 05:21 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

فرنسا تعتزم حظر ارتداء الحجاب في الجامعات

GMT 11:17 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

السلطات السورية تفرج عن صحفي أردني بعد 5 أعوام من اعتقاله

GMT 07:34 2024 الإثنين ,23 أيلول / سبتمبر

براد بيت يتألق بساعات فاخرة تلفت أنظار الجميع

GMT 14:30 2021 الجمعة ,13 آب / أغسطس

فيلم "الكاهن" مفاجأة على السينما المصرية

GMT 14:00 2022 الأربعاء ,11 أيار / مايو

أفضل مطاعم الشانزليزيه الموصى بها

GMT 22:16 2021 الإثنين ,02 آب / أغسطس

إطلالة “كاجول” لرامي عياش وعائلته

GMT 07:03 2025 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

حيل ونصائح لترتيب المطبخ غير المزود بخزائن
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon