الدولة والإنسان

الدولة والإنسان

الدولة والإنسان

 لبنان اليوم -

الدولة والإنسان

بقلم: د. آمال موسى

هناك شيء يسمى الاستثمار في رأس المال البشري به تتمايز البلدان وتقيَّم سياسات الدول. بمعنى آخر فإن نجاح أي مشروع دولة يحدَّد بتقويم المنجَز في مجال الإنسان وإلى أي حد هناك رهان جدي وحقيقي حول رأس المال البشري في أي بلد من البلدان. قد يبدو مثل هذا الكلام مغرقاً في المثالية، ولكن بشيء من التمعن والتجرد سنجد أن الإنسان هو في النهاية المحور الأساسي للتنمية والسياسات، وكل ما ينجَز هو على الأقل نظرياً لفائدة رأس المال البشري.

لذلك فإن الدولة هي أكثر طرف معنيّ ومن واجبها الاهتمام برأس المال البشري، لا سيما أن القطاع الخاص يهتم بالربح أساساً والقيمة الربحية هي الهاجس الأول والأخير لأي مشروع خاص.
ومن هذا المنطلق فإن الاستثمار في الإنسان وفي المواطن الفرد وفي الأسرة وفي الأطفال وفي النساء، إنما هو شأن الدول قبل القطاعات الخاصة، ومن الخطأ التفريط في هذا الشأن لأنه مصدر مشروعية أصحاب القرار ومن المهم والأساسي أن يكون في سلم الأولويات.
فالحديث عن الاستثمار في رأس المال البشري يعني الاستثمار في الصحة والتعليم والثقافة، وهي مجالات تشكيل الإنسان ورأس المال البشري بشكل عام على نحو يجعل منه جوهر التنمية وأساسها وهدفها.
وتتقاطع هذه الرؤية مع الخطة الأممية للتنمية المستدامة التي تدور حول الجملة المفتاح والشهيرة «لا نترك أحداً خلف الركب».
طبعاً لا تفوتنا الإشارة إلى أن الاستثمار في رأس المال البشري مكلف مادياً جداً ويتطلب إيماناً عميقاً بأهمية التربية والصحة والثقافة وبتصور متعدد الأبعاد للربح. ذلك أن الاستثمار في التربية بمختلف مراحلها يعني العمل على إنتاج مواطنين أكفاء وأذكياء لأن العمل كقيمة أساسية لا يؤتي أُكله إلا بالعقل، والتربية تعني الرهان على العقل وقدراته. فلا يمكن توقع التقدم والتنمية والرخاء ونسب الأمية مرتفعة، ولا يمكن بناء إنسان قادر على الإبداع من دون توفير الأطر القادرة على تأمين التربية السليمة وتحفيز المهارات والكفاءات وصنع إنسان قادر على إنتاج الأفكار والحلول والإبداع علمياً. فاليوم مسألة التعليم أساسيّة لقياس التطور والتقدم ولم يعد مقبولاً وجود أفراد لا يمتلكون القدرة على القراءة. بل إن الرهان اليوم على محاربة أشكال جديدة من الأمية على غرار الأمية الرقمية والأمية في مجال امتلاك اللغات وغير ذلك.
كما أن الرهان على التربية قد اختلف اليوم عن الرهان في الستينات والسبعينات من القرن الماضي؛ إذ في تلك العقود كانت المدرسة هي الهاجس ولا شيء غير المدرسة، في حين أن الواقع اليوم أصبح يتناول مسألة في غاية الأهمية تتمثل في التربية ما قبل المدرسة، أي مرحلة رياض الأطفال، وهي مرحلة أصبحت ذات صلة بالمدرسة وأساسية بشكل أصبح فيه التحصيل الدراسي للمدرسة يضع في اعتباره التربية ما قبل المدرسة في تحديد المضامين التربوية للمرحلة الابتدائية. وأظهرت دراسات عدة أن الأطفال الذين لا يتمتعون بالتربية ما قبل المدرسة هم الأكثر عُرضة للانقطاع المبكر عن الدراسة والرسوب. وإذا ما تم ترك هذه المرحلة للقطاع الخاص فإن النتيجة ستكون صادمة جداً باعتبار أن رياض الأطفال الخاصة مكلفة وليست في متناول جميع الأسر، لا سيما بعد ما أظهرته الأزمات وعلى رأسها جائحة «كوفيد - 19» من هشاشة ومن ارتفاع معدلات الفقر في كثير من البلدان ومن ارتفاع عدد الأطفال الفقراء. وإذ نركز على هذه النقطة فذاك يعود إلى أهمية هذه التربية وارتباطها بمستقبل الطفل الدراسي.
أيضاً التنمية والتقدم والرخاء، كل هذا يحتاج إلى جسد سليم من ناحية وإلى بنية تحتية تتعلق بالمستشفيات ومرافق الصحة، وأيضاً هذه البنية التحتية أصبحت اليوم مكلفة جداً.
إن الاستثمار في رأس المال البشري يحتم محاربة الفقر لأن الفقر يجعل غالبية السكان من مشمولات الدولة ولا يستطيعون تأمين حاجيات التربية والصحة والثقافة من دون مساندة الدولة. وفي الوقت نفسه وكما نعلم فإن الدولة اليوم باتت أقل قدرة في أداء الدور الاجتماعي الأمر الذي يجعل من وضع محاربة الفقر هدفاً استراتيجياً مسألة ذات أولوية لأن رفع يد الدولة لن يكون إلا بالتخفيض من الفقر والقضاء عليه، حيث إنه ساعتها يمكن للفرد أن يعوّل على نفسه والاستفادة من خدمات القطاع الخاص التي هي خدمات بمقابل.
لذلك فإن الدولة الأقل عبئاً اليوم هي التي أنهت حربها ضد الجهل والأمية والفقر، وما دامت هذه الحرب في أوجها في بلدان عدة فإنه لا خيار غير الضغط على الموارد وترتيب الأولويات بشكل يجعل من الاستثمار في رأس المال البشري هو الأول.
إن استيفاء مرحلة الاستثمار العمومي في الإنسان هي التي تفتح الباب للاستثمار الذي يليه وإذا ما حصل القفز والتفريط في واجب الاستثمار في رأس المال البشري فإن ما يتم إنجازه سيهدمه الجهل والأمية واحتقان الفقر اليائس.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الدولة والإنسان الدولة والإنسان



GMT 19:57 2025 الخميس ,20 شباط / فبراير

من «الست» إلى «بوب ديلان» كيف نروى الحكاية؟

GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 19:29 2025 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

الكتب الأكثر مبيعًا

GMT 11:46 2025 الأحد ,26 كانون الثاني / يناير

الرئيس السيسى والتعليم!

GMT 19:13 2025 الثلاثاء ,21 كانون الثاني / يناير

أصالة ودريد فى «جوى أورد»!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 13:48 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 13:13 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 16:45 2019 الخميس ,04 إبريل / نيسان

أبرز الأحداث اليوميّة عن شهر أيار/مايو 2018:

GMT 15:05 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

تملك أفكاراً قوية وقدرة جيدة على الإقناع

GMT 11:09 2020 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 14:16 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

يوم مميز للنقاشات والاتصالات والأعمال

GMT 19:42 2021 الأحد ,04 تموز / يوليو

63 حالة إيجابية على متن رحلات وصلت إلى بيروت

GMT 11:09 2020 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

اتيكيت التعامل مع المدير

GMT 09:00 2021 السبت ,02 كانون الثاني / يناير

حكومة لإطفاء مشاكلنا الداخلية؟!

GMT 07:09 2021 الأربعاء ,05 أيار / مايو

جرح فلسطين المفتوح

GMT 13:18 2021 السبت ,30 كانون الثاني / يناير

خبير بريطاني يعلن عن اكتشاف "خنافس غامضة" عمرها 4000 عام

GMT 18:36 2023 الأربعاء ,05 إبريل / نيسان

حقائب فاخرة لأمسيات رمضان الأنيقة
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon