قلق الشهر الثامن من السنة

قلق الشهر الثامن من السنة!

قلق الشهر الثامن من السنة!

 لبنان اليوم -

قلق الشهر الثامن من السنة

بقلم: سليمان جودة

يأتي شهر أغسطس (آب) من كل سنة ليُعيد الإشارة إلى الفارق الأهم بين الإنسان والحيوان، ولكنه يُشير إليه هذه السنة أكثر من أي سنة انقضت على مدى ثمانية عقود.

أما السبب فهو أنه في مثل هذا الشهر من عام 1945، بل في مثل هذه الأيام بالضبط، كانت اليابان مسرحاً لأول استخدام للقنبلة الذرية في الحروب، فاحترقت مدينة هيروشيما في اليوم السادس من الشهر بقنبلة، وما كادت أيام أقل من أصابع اليد الواحدة تمر، حتى كانت مدينة ناغازاكي قد لحقت بهيروشيما عندما استهدفتها القنبلة الثانية في اليوم التاسع.

وفي 2024 كانت هذه الذكرى الدامية قد أطلّت على الناس، وكانت جائزة نوبل للسلام هي التي أحيتها، عندما ذهبت إلى جمعية الناجين من حريق القنبلة. وقد أذاعت «وكالة الصحافة الفرنسية» تقريراً وافياً عن الذكرى، وعن الحريق النووي الذي أكل المدينتين في مثل هذا الشهر من تلك السنة، فلم يقف أحد، ولا شيء، في طريقه، وهو يأكل كل ما هو حي وغير حي فيهما.

والذين ذهبوا إلى هناك لاحقاً، وقد كنت واحداً منهم، رأوا بأعينهم أن القنبلتين اللتين ألقاهما الأميركيون على المدينتين بأمر من الرئيس الأميركي هاري ترومان، لم يتوقف حريقهما عند البشر، ولكنه تجاوزهم إلى الشجر والحجر!

رأيت هناك الأشجار وقد جفّت فروعها في مكانها، ورأيت أحجاراً احتفظ بها اليابانيون في متاحف خاصة بحريق المدينتين النووي، ولم تكن أحجاراً من النوع العادي الذي نعرفه، ولكنها أحجار اختلط فيها الصخر بالدم، فتشكلت كُتل حجرية بشرية معاً، وتجمدت دماء ضحايا القنبلة على كل حجر. وقد احتفظ اليابانيون ببقايا البشر مع بقايا الحجر، لعل العالم يتعلَّم من تجاربه، فلا يعود إلى الفعل نفسه للمرة الثانية، ثم يتوقع أن يحصل على نتيجة مغايرة.

ورغم ذلك، فإنه لا يكف عن العودة إلى ما سبق أن جرّبه ورأى حصيلته، ولا يتوقف عن السير في الطريق النووي المعروفة نهايته. فإذا جاءت العودة في الشهر نفسه الذي احترقت فيه المدينتان، وسقط في الأولى 140 ألفاً وفي الأخرى 74 ألفاً، فإن المعنى أن الإنسان وهو يعود أو يعاود الذهاب في الطريق ذاته، إنما يمحو الفارق الأهم بين الإنسان والحيوان.

فكلاهما كائن حي، وكلاهما يحس ويشعر، وكلاهما لديه رأس يحتوي على ذاكرة، ولكن هناك فوارق طبعاً، وربما كان هذا هو ما جعل أرسطو يصف الإنسان بأنه حيوان ناطق، لأن الحيوان لا ينطق ولا يتكلم. غير أن الفارق الأهم هو أن الإنسان كائن له تاريخ، أما الحيوان فلا تاريخ له في مسيرته على الأرض منذ الحيوان الأول على ظهرها إلى الحيوان الأخير.

وحين أراد الأستاذ أحمد بهاء الدين تعريف هذا الفارق في كتابه «أيام لها تاريخ» قال إن الطريقة التي جرى بها اصطياد أول فأر في التاريخ، لا تزال هي نفسها التي يتم بها اصطياد كل الفئران، وسوف تظل هي نفسها إلى آخر التاريخ.

جاء شهر أغسطس هذه السنة، فإذا بنا أمام الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف، رئيس مجلس الأمن القومي الروسي، وهو يطلق تهديدات نووية في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية ومعها العالم، فيقول إن على الأميركيين ألا ينسوا أن لدى الروس قدرات نووية موروثة عن الاتحاد السوفياتي السابق.

وكان معنى التهديد الروسي أن موسكو لا تجد شيئاً يمنعها من تكرار حريق المدينتين اليابانيتين مرةً ثانية، ولكن في اتجاه مُدن أخرى، وبغير أن نعرف أي مدينة بالضبط يمكن أن يطولها الحريق النووي هذه المرة.

ولم يُكذّب الرئيس الأميركي دونالد ترمب خبراً في المقابل، فأعلن أنه أعطى أوامره بنشر غواصتين نوويتين أميركيتين في مناطق مناسبة بالنسبة للروس، وبغير أيضاً أن نعرف ما المكان المناسب بالنسبة إلى روسيا في حالة مثل هذه، وما المكان غير المناسب؟ وازدادت الأجواء سخونة نووية حين قال ترمب إن العالم مقبل كما يبدو على صيف نووي، وأنه بصفته رئيساً لبلاد العم سام مكلف بحماية مواطنيه في أميركا!

سوف يحمي مواطنيه من حريق الصيف النووي الذي ينفخ فيه، ولكننا لا نعرف شيئاً عمَّن سيحمي بقية الناس في أنحاء الكوكب من حريق الصيف الذي يُبشّر به ترمب أو ينذر.

المفارقة أن هذا كله يتم بالتزامن مع الذكرى الثمانين لحريق 1945، ويتم فيما شهادات الناجين من الحريق منشورة تقول إن ما وقع يجب ألا يتكرر، وإن تكراره يعني محو الفارق الأهم بين الإنسان والحيوان، وإن التهديد الأميركي في مواجهة التهديد الروسي يُبدد رصيد السنوات الثمانين في مسيرة العالم، فلا يكون هناك فارق بين إنسان وحيوان.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قلق الشهر الثامن من السنة قلق الشهر الثامن من السنة



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 13:46 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الأسد الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 09:18 2022 الخميس ,05 أيار / مايو

نصائح لتصميم غرف نوم اطفال جذابة

GMT 13:56 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 19:09 2021 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

راين كراوسر يحطم الرقم القياسي العالمي في رمي الكرة الحديد

GMT 08:47 2017 الأربعاء ,18 كانون الثاني / يناير

استقرار أسعار الذهب في الأسواق المصرية الأربعاء

GMT 14:08 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل

GMT 14:23 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

يبشّر هذا اليوم بفترة مليئة بالمستجدات

GMT 19:43 2019 الإثنين ,11 آذار/ مارس

لجنة الانضباط تعاقب المصري حسين السيد

GMT 00:52 2016 الأحد ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

البرازيل يستدعي فابيو سانتوس بدلاً من مارسيلو

GMT 17:59 2019 الثلاثاء ,08 كانون الثاني / يناير

باهبري يحقق رقم مميز في تاريخ المنتخب السعودي

GMT 09:33 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تتمتع بالنشاط والثقة الكافيين لإكمال مهامك بامتياز
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon