هناك ظاهرة غريبة فى تاريخ الشعر العربى ، أن الشعراء الكبار هربوا من أوطانهم أو تم نفيهم لأسباب كثيرة ، وما بين الوطن والشعر والمنفى دارت حكايات كثيرة وقصص سجلها التاريخ، وإن بقى المنفى سرًا بين الشاعر ووطنه.. والشعر أقدم فنون العرب، وكانت القبائل تحتفل بميلاد الشاعر فيها، وكان الشاعر صوت القبيلة؛ يتغنى بأمجادها وبطولاتها، وإذا انتصرت فى المعارك فهو فى مقدمة الصفوف يحكى عن مآثرها.. ولا توجد عاصمة عربية لم تنفِ أكبر الشعراء فيها..
- كان المتنبى أشهر الشعراء العرب، ضحية كافور الإخشيدى، وقد هجاه المتنبى فى أكثر من قصيدة:
«لا تشترى العبد إلا والعصا معه إن العبيد لأنجاس مناكيد»
وهرب المتنبى واتجه إلى منفى جديد فى العراق، لكنه سقط قتيلًا فى الطريق. وبينما كانت الدماء تغرق جسده المتعب صاح فيه ابنه: كيف يا أبتاه نستسلم وأنت القائل: «السيف والبيداء تعرفنى»
وعاد المتنبى يقاتل وسقط فى الميدان، وهو يخاطب ابنه: قتلتنى يا بنى قتلك الله.. وخرج المتنبى هاربًا من مصر وقُتل وهو ذاهب إلى بغداد..
ــــ كان أمير الشعراء أحمد شوقى يكتب مدافعًا عن الخديو عباس حلمى، وغضب الإنجليز من شعر ومواقف شوقى، وتقرر نفيه إلى إسبانيا حيث قضى أربع سنوات بعيدًا عن مصر:
وكتب شوقى فى المنفى
(من الغائب إلى المقيم):
يا ساكنى مصرَ، إنا لا نزال
على عهدِ الوفاءِ وإن غبنا مقيمينا
هلا بعثتم لنا من ماءِ نهركم
شيئا نُبلُّ به أحشاءَ صادِينا
كل المناهلِ بعد النيلِ آسنةٌ
ما أبعد النيلَ إلا عن أمانينا.
رد حافظ إبراهيم (من المقيم إلى الغائب):
عجبتُ للنيلِ يدرى أن بُلبُلَهُ
صادٍ ويسقى رُبَا مصرٍ ويسقينا
واللهِ ما طاب للأصحابِ موردُه
ولا ارتضوا من بعدكم من عيشهم لينا
لم تنأ عنه وإن فارقتَ شاطئَهُ
وقد نأينا وإن كنا مقيمينا
وكانت سنوات المنفى أكبر تحول فى حياة شوقى وشعره..
ــــ كان الجواهرى أشهر شعراء العراق فى خلاف مع النظام الحاكم، وترك العراق وتنقل بين العواصم العربية، وعاش فى مصر شهورًا قليلة وخرج منها غاضبًا، وكتب قصيدة لم تُنشر، وكان الأستاذ هيكل يحتفظ بصورة منها.. وعاش الجواهرى بعيدًا عن وطنه ومات غريبًا..
وفى حنين إلى الوطن فى شعر الجواهرى ليس حنينا منفصلا عن المكان ، ولا تعلّقا بالأهل والذكريات ، بل هو ممزوج بالألم والعنف والحقد على الواقع.. قال فـى قصيـدة «أطياف وأشباح» :
سَهِرْتُ وَطَالَ شَوْقى لِلْعَـراقِ
وَ هَـلْ يَدْنُـو بعيدٌ بِـاشْتِيَــاقِ
وَ مَـا لَيْلـى هُنَــا أَرَقٌ لَـدِيْغٌ
وَ لَا لَيْلى هُنَـاكَ بِسِحْــرٍ راقِ
وَ لَكـنْ تُربَـةٌ تَجْفُـو و تَحْنُـو
كَمَــا حَنَتِ المَعَاطِـنُ لِلنّيَــاقِ
ــــ كان نزار قبانى من أشهر شعراء المنفى منذ ترك سوريا، وعاش فى لبنان فترة قصيرة، واستقر به الحال فى لندن عاصمة الضباب.. وكثيرًا ما زرته فى بيته، وكان يقول: لم أجد عاصمة عربية واحدة تحتمل كلماتى.. وكانت صدمته فى رحيل توفيق ابنه شابا محنةَ عمر، ثم كانت كارثة بلقيس زوجته، وقد كتب فيهما شعرا بديعا وحزينا ولم يعد أمامه طريق غير أن يحمل حقائبه ويعيش فى لندن، عاصمة الضباب
ومات نزار فى لندن، وعاد إلى سوريا جسدًا ليدفن بجوار ضريح الصوفى الكبير ابن عربى، ويومها كتبت فيه قصيدة ورحل فارس العشق
هَذَا الغَرِيبُ الَّذِى يَمْضِى بِلا صَخَبٍ
كَمْ أَشْعَلَ الْكَوْنَ.. بِالنِّيرَانِ وَالصَّخَبِ
مَنْفَى غَريبُ.. وَقَلْبُ حَائِرُ.. وَيَدُ
مَشْلُولةُ الحُلْمِ.. فِى سِجْنٍ مِنَ الغَضَبِ
ــــ فى مقدمة شعراء المنفى يأتى محمود درويش بعد أن خرج من وطنه.. عاش فى مصر أعوامًا، ثم عاش فى الأردن فى صحبة ياسر عرفات.. وقد التقينا فى غداء فى بيت ياسر عرفات، وعاتبنى درويش عندما قلت إننى أخاف على شاعر المقاومة من عواصف أوسلو، وكنت على حق..
فى لحظة حنين لأمه وهو فى المنفى كتب محمود درويش هذه القصيدة
أحنُّ إلى خبز أمى
وقـــــهــوة أمى
ولمســـة أمــى...
ـــ من أشهر شعراء المنفى فى مصر محمود سامى البارودى صاحب السيف والقلم.. نفاه الإنجليز إلى جزيرة سرنديب، وكتب فيها أروع قصائده شوقًا لمصر، ويُعد البارودى من شعراء التجديد فى مسيرة الشعر العربى.. وبعد سنوات المنفى عاد البارودى، وكانت الشيخوخة قد أخذت أجمل سنوات عمره، وإن بقى شعره من أجمل ما كُتب عن الغربة
وكفى بمقامى فى سرنديب غربة
نزعت بها عنى ثياب العلائق
ومن رام نيل العز فليصطبر
على لقاء المنايا واقتحام المضايق
فإن تكن الأيام رنَّقْن مشربى
وثلَّمْن حدى بالخُطُوب الطوارق
فما غيّرتنى محنة عن خليقتى
ولا حولتنى خُدعة عن طرائقي
ـــ لا أدرى أين نضع شعراء المهجر: جبران وإيليا أبو ماضى وميخائيل نعيمة، وهل كان سفرهم إلى أمريكا اختيارًا أم قدرًا أم هروبًا؟ لقد عاشوا فى أمريكا وحققوا أمجادًا على مستوى العالم، خاصة جبران خليل جبران وكتابه الأشهر «النبى»، وقد تُرجم إلى عشرات اللغات العالمية.. وأنا أُعِدّهم من شعراء المنفى حتى لو كان رحيلهم اختيارًا..
ـــــ من الشعراء الذين عاشوا محنة السجن ابن زيدون، وقد كتب أجمل قصائده فى السجن، وكانت حبيبته ولادة قد تنكرت لحبه، وقد كتب فيها أجمل قصائده، وكتبت على قبره:
«أغار عليك من نفسى ومنى ومن عينيك من هذا الزمان، ولو أنى خبأتك فى عيونى إلى يوم القيامة ما كفانى»..
كانت قصة ابن زيدون مع ولّادة من أشهر قصص الحب فى تاريخ العرب فى الأندلس، وإن لم تكتمل، فقد سُجن ابن زيدون أكبر شعراء قرطبة، وانتهت العلاقة بينهما، ومات ابن زيدون وعاشت ولّادة بعده فترة طويلة..
ـــــ هناك ظاهرة غريبة فى شعراء المنفى، فقد انتهت حياتهم بفراق الأهل والأحباب.. ماتت زوجة البارودى وهو فى المنفى، وماتت زوجة الجواهرى وكتب فيها شعرًا جميلًا، وكتب نزار قبانى رائعته إلى زوجته بلقيس، ومات درويش فى الولايات المتحدة، ودُفن ابن زيدون فى إشبيلية، ومات نزار فى لندن. وكانت نهايات شعراء المنفى قصصًا من الحنين إلى الوطن وأيام الشقاء والغربة.. هناك أسماء كثيرة لشعراء ما زالوا حتى الآن بعيدين عن أوطانهم التى خرجوا منها هروبًا أو نفيًا أو بحثًا عن الحرية، وكتبوا أجمل الشعر حنينًا لعلهم يرجعون.
ــــ هناك أعداد كبيرة من الشعراء الذين تركوا أوطانهم بحثًا عن الحرية، أو سعيًا لحياة أفضل.. وإن كان هناك شعراء عاشوا فى أوطانهم، وقاوموا عصور الظلم ودفعوا الثمن..
والخلاصة: إن الشعراء هربوا، أو اختاروا المنفى، أو فرضت عليهم الظروف الرحيل عن أوطانهم.. ذهب الجميع، وبقى الشعر.
..ويبقى الشعر
لن أقبلَ صمتَكَ بعد اليومْ
لن أقبل صمتي
عمرى قد ضاع على قدميكْ
أتأمّل فيكَ. وأسمع منك.
ولا تنطقْ.
أطلالى تصرخُ بين يديكْ
حَرّكْ شفتيكْ.
انطِقْ كى أنطقْ.
اصرخْ كى أصرخْ.
ما زال لسانى مصلوبا بين الكلماتْ
عارٌ أن تحيا مسجونا فوق الطرقاتْ
عارٌ أن تبقى تمثالا
وصخورا تحكى ما قد فاتْ
عبدوكَ زمانا واتّحدتْ فيكَ الصلواتْ
وغدوتَ مزارا للدنيا
خبّرنى ماذا قد يحكي، صمتُ الأمواتْ!
ماذا فى رأسكَ. خبّرني!
أزمانٌ عبرتْ.
وملوكٌ سجدتْ.
وعروشٌ سقطتْ
وأنا مسجونٌ فى صمتكْ
أطلالُ العمرِ على وجهي
نفسُ الأطلالِ على وجهكْ
الكونُ تشكّلَ من زمنٍ
فى الدنيا موتي. أو أحياءْ
لكنكَ شيءٌ أجهلهُ
لا حيٌّ أنتَ.. ولا مَيّتْ
وكلانا فى الصمتِ سواءْ.
أَعْلنْ عصيانَكَ. لم أعرف لغةَ العصيانْ.
فأنا إنسان يهزمنى قهرُ الإنسانْ.
وأراكَ الحاضرَ والماضي
وأراكَ الكُفرَ مع الإيمانْ
أَهربُ فأراكَ على وجهي
وأراكَ القيدَ يمزّقني.
وأراكَ القاضيَ. والسجّانْ!.
انطقْ كى أنطقْ
أصحيحٌ أنكَ فى يومٍ طفتَ الآفاقْ
وأخذتَ تدور على الدنيا
وأخذتَ تغوصُ مع الأعماقْ
تبحث عن سرّ الأرضِ.
وسرِّ الخلقِ. وسرّ الحبِّ
وسرِّ الدمعِة والأشواقْ
وعرفتَ السرَّ ولم تنطقْ؟
ماذا فى قلبكَ؟ خبّرني!.
ماذا أخفيتْ؟
هل كنتَ مليكا وطغيتْ.
هل كنتَ تقيّا وعصيتْ
رجموكَ جهارا
صلبوكَ لتبقى تذكارا
قل لى من أنتْ؟
دعنى كى أدخلَ فى رأسكْ
ويلى من صمتي!. من صمتكْ!
سأحطِّمُ رأسكَ كى تنطقْ.
سأهشّمُ صمتَكَ كى أنطقْ!.
أحجارُكَ صوتٌ يتواري
يتساقطُ منى فى الأعماقْ
والدمعةُ فى قلبى نارٌ
تشتعل حريقا فى الأحداق
رجلُ البوليسِ يقيًّدني.
والناسُ تصيحْ:
هذا المجنونْ.
حطَّمَ تمثالَ أبى الهول
لم أنطق شيئا بالمرّه
ماذا. سأقولْ؟
ماذا سأقولْ!
قصيدة « كلانا فى الصمت سجين » سنة 1986