دفاع عن الفنون والإعلام

دفاع عن الفنون والإعلام

دفاع عن الفنون والإعلام

 لبنان اليوم -

دفاع عن الفنون والإعلام

عبد المنعم سعيد
بقلم - عبد المنعم سعيد

أصبحت الفنون والإعلام واقعتين فى قفص الاتهام كلما حلت مصيبة أو جرَت مناقشة حول الفقر أو العنف الإرهابى أو الأسرى أو الزيادة السكانية أو ضيق العقل والحال. وتتراوح دائمًا قائمة الاتهام ما بين الإهمال والتقصير، وحتى المشاركة فى تنمية العقلية العنيفة وتزيين الخطيئة وازدراء الأديان وتدهور الأخلاق.

وهناك ما هو أكثر. يحدث ذلك فى حياتنا العامة، ولا بأس أبدًا أن تجرى هذه الاتهامات، بينما نمارس مشاهدة مباريات كرة القدم التى تأتى من بلدان بعيدة، أو نشاهد فيلمًا ما لم نجده على منافذنا الإعلامية، فنبحث عنه فى قنوات أخرى مشفرة أو غير مشفرة.

الحقيقة هى أن الإنسان لا يستطيع التخلى عن الإعلام ولا عن الفنون المختلفة لأن فيها وظائف تقوم بها ولا يستطيع الإنسان العيش بدونها لأنها باتت من الاستخدامات المنزلية ومن مستلزمات الحضارة.

منذ أن بدأت خطوات الإنسان الأولى فإنه أخذ فى خط الخطوط على جدران الكهوف، التى عاش فيها بعيدًا عن وحوش ضارية وعالم قاسٍ بالعواصف والرعود.

كانت الطبيعة فيها الكثير الذى يعطى الإلهام.. دقات المطر كان فيها الانتظام والتسارع والتباطؤ، الذى ينتهى إلى الصحو والشمس الساطعة. هذا المشهد بما فيه من صوت وصورة كان كافيًا لكى يبدأ فيه الإنسان الرسم، وربما بدأ دقات من نوع أو آخر. ولكن المرأة كانت دومًا هى القاسم المشترك الأعظم فى كل الكهوف، وفى أوقات لم تكن سهلة أبدًا، أصبح البقاء، ومن ثَمَّ التكاثر، هو أكثر الأمور الحميمية اللازمة للإنسان.

خرج الإنسان من الكهف فى النهاية، وباتت الرؤى والأصوات والرموز تربط جماعة إنسانية، ومنها تولدت حضارات عريقة. كل ما عرفته البشرية من حضارات كان لها فى الرسم والموسيقى، ومن الأولى خرجت التماثيل والمعابد والمسلات.

ومن الثانية جاءت السيمفونيات والأوبرا والأغانى الرومانسية، حتى الروك والراب وأنواع أخرى كثيرة. وبين هذا وذاك تولدت فنون المسرح والسينما والتلفزيون، ومؤخرًا أشكال مختلفة من اليوتيوب.

الإشكالية ربما المتولدة عن ذلك كله تنجم من شعور الإنسان بضعف السيطرة على أدوات الفنون والإعلام ومدى تأثيرها الحديث على سلوكيات البشر.

ورغم أنه بمقدور الإنسان دائمًا أن يبتعد عن كليهما، أو يغلق التلفاز، أو يضغط على زر الريموت كونترول لكى يغادر القناة، فإنه دائمًا يجد فى السخط والشكوى ملاذًا من المسؤولية الشخصية.

خلال مناقشات جرَت مؤخرًا فى مجلس الشيوخ المصرى حول «العنف الأسرى»، ألقى كثيرون من النواب المسؤولية ليس فقط على الفنون العامة والإعلام المتاح، وإنما امتد الأمر إلى لعب الأطفال، التى تشجع على العنف وإلى الشبكات التلفزيونية الأجنبية التى تبث أفلامًا للرعب والجريمة.

التصور هنا أن الإنسان دائمًا هو ضحية لأشكال مختلفة من الإغراء واللذة لا يلبث أن ينْجَرَّ إليها، فيكون الفشل الأخلاقى المروع. هنا فإن التوازنات الاجتماعية تختفى، وهى التى تبث من الأسرة والعائلة والجيرة والصداقة والمدارس والجامعات والجوامع والكنائس.

والتى وظائفها الأساسية أن تخلق موانع للشرور المختلفة. ازدياد فاعلية الفنون والإعلام ليس شهادة لها لأن وظيفتها هى الشهادة على الحالة الإنسانية، بينما هذه الأخيرة تلقى المسؤولية الأخلاقية على ما يغذيه المجتمع للفرد والجماعة.

فالحقيقة هى أنه بشكل ما أصبحت الفنون جزءًا من الهوية، ومع تراكم التراث التاريخى ومعماره، فإن إدراك الذات ومميزاتها وتفوقها أو انسحاقها مدعاة لأشكال كثيرة من البحث عن الخلود الفنى فى الأشعار أو التماثيل أو رسوم المعابد أو فى الأوبرا. تولد عن «الإلياذة» الكثير من الحديث عن البطولة، وأصبحت الأساطير جزءًا من الديانة، وفى معظمها كان هناك الكثير من الفروسية والتضحية.

والفنون، ومن ضمنها الآداب وكل ما جاد به خيال، كانت موحدة للأمم، ولكنها كانت مُفرِّقة بينهم، حيث كانت الملاحم قادمة من انتصارات وهزائم سابقة. ولكن داخل الفن نفسه كانت هناك معارك أولًا بين ما هو حقيقى وعاكس للواقع، وما هو خيالى أو مجرد؛ وثانيًا بين ما هو راقٍ أو سامٍ وذلك الذى يُعد مبتذلًا.

النتيجة دائمًا فيها الكثير من الخلاف، ولا تحسم هذه المعارك قط، وفى كثير من الأحيان فإنها تظهر فى الملابس وأثاث البيوت وتخطيط الأحياء والمدن والطرق.

وما جعل الفنون الشعبية أكثر انتشارًا مما كان عليه الحال من قبل هو أن العصر بات زمن التواصل الاجتماعى، حيث بات ممكنًا لملايين من الجماعة الإنسانية أن يقرروا الذوق العام- وليس رواد المسرح أو قاعات السينما أو حتى الحفلات الغنائية- وأن يقرروا النوعية التى يريدون مشاهدتها أو الاستماع إليها.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دفاع عن الفنون والإعلام دفاع عن الفنون والإعلام



GMT 19:57 2025 الخميس ,20 شباط / فبراير

من «الست» إلى «بوب ديلان» كيف نروى الحكاية؟

GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 19:29 2025 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

الكتب الأكثر مبيعًا

GMT 11:46 2025 الأحد ,26 كانون الثاني / يناير

الرئيس السيسى والتعليم!

GMT 19:13 2025 الثلاثاء ,21 كانون الثاني / يناير

أصالة ودريد فى «جوى أورد»!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 13:48 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 13:13 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 16:45 2019 الخميس ,04 إبريل / نيسان

أبرز الأحداث اليوميّة عن شهر أيار/مايو 2018:

GMT 15:05 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

تملك أفكاراً قوية وقدرة جيدة على الإقناع

GMT 11:09 2020 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 14:16 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

يوم مميز للنقاشات والاتصالات والأعمال

GMT 19:42 2021 الأحد ,04 تموز / يوليو

63 حالة إيجابية على متن رحلات وصلت إلى بيروت

GMT 11:09 2020 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

اتيكيت التعامل مع المدير

GMT 09:00 2021 السبت ,02 كانون الثاني / يناير

حكومة لإطفاء مشاكلنا الداخلية؟!

GMT 07:09 2021 الأربعاء ,05 أيار / مايو

جرح فلسطين المفتوح

GMT 13:18 2021 السبت ,30 كانون الثاني / يناير

خبير بريطاني يعلن عن اكتشاف "خنافس غامضة" عمرها 4000 عام
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon