غداً عامٌ جديد

غداً عامٌ جديد

غداً عامٌ جديد

 لبنان اليوم -

غداً عامٌ جديد

بقلم: عبد المنعم سعيد

قبل أن يأتي منتصف الليل بأضوائه اللامعة معلناً عن مولد عام جديد، سوف يكون هناك الكثير من الأحبار قد استُهلكت، وجرى الكثير من التمنيات المعبرة عن الأحلام أو الحكمة. المهم هو أنه عند هذه اللحظة ما بين عامين، وجسر ما بين زمنين، فإن التقاليد البشرية جعلته احتفالاً يغطيه الإعلام الكوني من أول انتصاف الليل في المحيط الباسفيكي شرقاً، حتى نصل عبر المسيرة الزمنية غرباً إلى المحيط ذاته من الناحية الأخرى غرباً. العبور لا يجري فقط بين خطوط الطول والعرض، وإنما فوق مسافات تقاليد وثقافات، وعوالم مختلفة الإيقاع بين التفاؤل بعام يكون أكثر سعادة، وبين التشاؤم الذي استسلم أصحابه أن الدنيا كعادتها تنتقل من سيئ إلى الأكثر سوءاً. قضية الحديث دائماً مركزها مدى التغيير فيما كان والتوقع لما سوف يأتي، والعالم ممتلئ بالكثير من أحاديث التغيير والانقلاب رأساً على عقب، والذي يظهر بعده نظم دولية وعالمية جديدة. الأمر هكذا ليس جديداً في حد ذاته، فكلما حل بالكوكب ملمة أو مصيبة، فإن هذه الحالة تنتاب المفكرين والمحللين، أما الساسة فإنهم يتأملون ما سوف تأتي به الأيام من وقائع وحقائق يصبح عليهم الائتلاف معها أو معارضتها أو تجاهلها كلية. وما يحدث على المستوى الكوني يجد له صدى في عالمنا العربي، حيث يوجد الشغف بأن أمراً جديداً سوف يجدّ، والمرجح أنه سوف يُنزل بالعرب سوءاً، ونادراً ما نجد اجتهاداً يطرح علينا ماذا يريد أهل منطقتنا أن يكون عليه الكون، وماذا يكون عليه حالنا؟

وعلى مدى العقود الثلاثة (1990-2020) كانت قسمات القطبية الأحادية والعولمة هما المحددين الأساسيين للنظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. ولكن العامين الأخيرين شهدا تغيرات جوهرية وقع في مقدمتها أن المعسكر الغربي في عمومه والولايات المتحدة عاشت قدراً كبيراً من الوهن تجسّد في هزيمة الولايات المتحدة وتراجعها وخروجها من الشرق الأوسط، فضلاً عن تقلبها السياسي الداخلي ما بين مذاهب سياسية متعددة أدت في النهاية إلى انقسام وتشرذم، وعجز عن التوافق المطلوب في مجتمع سياسي ليبرالي ديمقراطي. وثانيها أن مجيء «الجائحة» وفشل الولايات المتحدة ومعها المعسكر الغربي في مواجهته فضلاً عن قيادة العالم في التعامل معه، أخذ الكثير من سمعة القوة والتكنولوجيا الأميركية. وثالثها أن الصين التي أخذت في الاستفادة من العولمة خلال العقود الثلاثة السابقة صعدت مع الأزمة إلى مكانة القوة العظمى في النظام الدولي، ومن ثم بدأت في دعوات لمراجعة النظام الدولي بحيث تقوم فيه شراكات جديدة تختلف عن الانفراد الأميركي. ورابعها أن روسيا التي عانت كثيراً من المهانة خلال العقود الثلاثة السابقة، عادت إلى العالم مرة أخرى تحت قيادة فلاديمير بوتين لكي تراجع نظام ما بعد الحرب الباردة. عملياً أصبح هناك نظام جديد ثلاثي الأقطاب يضم الولايات المتحدة والصين وروسيا، وما بقي هو كيف تجري التفاعلات والعلاقات بينهم حتى نتحدث عن نظام دولي جديد؟

المتغير الأساسي، ومعناه القوة الدافعة للنظام الدولي في تشكيلته وفاعليته، هو قيادة دونالد ترمب للولايات المتحدة وانعكاس قيادته على أوروبا وآسيا في التخلص من الليبرالية السياسية والعملية، وعودة الدولة الوطنية مرة أخرى إلى مكانتها باعتبارها المكون الرئيسي للنظام الدولي. هذا المتغير هو صاحب الحضور الأكبر في ساحة الدبلوماسية العالمية لصناعة السلام سواء كانت في غزة أو أوكرانيا أو السودان أو البحر الكاريبي، أو الاستخدام المباشر للقوة المسلحة كما حدث من قِبل الولايات المتحدة تجاه إيران. الجديد في استخدام السلاح هو أن ذلك لا يستسلم إلى مجال «الحرب الأبدية»، وإنما كانت الحرب في الخليج منتهية بعد 12 يوماً وفي ظل قنوات مفتوحة بين واشنطن وطهران. العالم العربي يواجه العام القادم والعالم على هذه الصورة؛ ولكن يضاف لها ظروف إقليمية تتطلب الاهتمام والبحث الدؤوب. أولاً أن تأثيرات «الربيع العربي» لا تزال باقية في دول عربية تعيش ظروف الحروب الأهلية، وظل الميليشيات العسكرية، والتوجه نحو التفكك والانقسام الطائفي والعرقي والجهوي. وثانياً أن تهافت صفات الدولة الوطنية في هذه الدول ترجح تعميق الواقع البائس الذي يزداد التهاباً في اليمن والسودان وسوريا وليبيا والصومال؛ بينما الحالة الفلسطينية تزداد عجزاً بلا قدرة على إنقاذ غزة والضفة الغربية ولا قدرة على المصالحة الوطنية. معالجة ذلك يشكل مسؤولية على المجموعة العربية التي نجت من «الربيع» المزعوم، والتي لديها من التماسك الوطني والرؤية التنموية ما يكفي للسعي نحو الاستقرار الإقليمي، ولا يتحقق دون تعاونها الاستراتيجي الذي تدعمه نخبة من المفكرين والدارسين لمرحلة من أكثر مراحل التاريخ العربي حرجاً.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غداً عامٌ جديد غداً عامٌ جديد



GMT 07:42 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

مفكرة السنة الفارطة... عام الختام البعثي

GMT 07:40 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

النقد الاستعماري ومجتمعات الانقسام

GMT 07:39 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

إسرائيل... الاعتراف الملغوم

GMT 07:36 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

تأمين الجغرافيا اليمنية

GMT 07:35 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

إيران... السوق غاضبة

GMT 07:33 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

إيران... المرشد والرئيس والشارع

GMT 07:27 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

حمدي قنديل غير قابل للمصادرة!

GMT 07:14 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

ملف الذكاء الملغوم

نادين نسيب نجيم تتألق بإطلالات لافتة في عام 2025

بيروت ـ لبنان اليوم

GMT 12:43 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 20:36 2021 الإثنين ,08 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 17:01 2017 الثلاثاء ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

صدارة شباك التذاكر العالمي تشهد تقلبات ومتغيرات كثيرة

GMT 00:16 2018 الثلاثاء ,05 حزيران / يونيو

هل يعود لبنان كما عرفناه صغاراً

GMT 15:46 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

إينيس دي سانتو تطلق تصاميمها لفساتين الزفاف ٢٠١٨

GMT 07:39 2020 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

"ريد سوبا" المغربي يصدر جديده الفني "نيبالا"

GMT 15:56 2021 الإثنين ,05 تموز / يوليو

محطات متقدمة في تحقيقات انفجار بيروت

GMT 07:58 2019 الثلاثاء ,11 حزيران / يونيو

أيام فى الإسكندرية

GMT 19:36 2021 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

ارتفاع أسعار النفط وسط توقعات بشأن مخزون الخام الأمريكي
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon