بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
لم يُمهل القدر الصديق الحبيب د. زياد عقل حتى ينشر المواويل التى كتبها. أكثر من ستة أعوام مضت منذ رحيله المبكر. يبدو للوهلة الأولى أنه مات بلا مقدمات، إذ لم يكن مريضًا بأى من الأمراض القاتلة. كان يعانى آلاما مبرحة فى العمود الفقرى، وآثر أن يتحملها بدل إجراء جراحة غير مضمونة نتائجها.
لكنه كان يشعر فى قرارة نفسه بأن عمره قصير. لم يأخذه أصدقاؤه على محمل الجد حيث كان يخبرهم بأن عمره لن يطول. تعاملوا مع قوله «أنا ابن موت» باعتباره مجازًا يعبر عن لحظات إحباط يمكن أن يمر بها أى شخص. ولكن ثبت أن شعوره كان صادقًا، إذ عرف الموت الطريق إليه فى ريعان شبابه.
ونجد فى الموال التالى ما يعبر عن هذه الحالة التى مر بها الراحل الكريم قبل رحيله: (شفت صورة حد غيرى مش أنا – واللى قدام المراية هو أنا – صورة حزين مهموم من الزمان اتهد – صورة جرح مظلوم ما وقفش جنبه حد – صورة شبح مأزوم شعره اللى بقى أبيض – ما عرفت نفسى وبكيت على نفسى قدام مراية الزمان).
لم يكن زميلنا فى مركز الأهرام للدراسات زياد عقل باحثًا وكاتبًا قديرًا فقط، بل كان فنانًا عميق الأغوار. اهتم بعدد من الفنون. ولكن الموال الشعبى كان أكثر ما جذبه فأحبه وعشقه ودرسه حتى ظهرت موهبته فى كتابته. كتب مواويل بديعة، وكان فى جعبته الكثير منها.
ويتضمن كتاب «مواويل القليوبية» الصادر قبل أيام عن دار «نظر للمعارف والفنون» المواويل التى كتبها عن محافظة القليوبية حيث مسقط رأسه. وتعد هذه المواويل جزءًا من الموال «الفلاحى» أو «الدلتاوى» نسبة إلى الدلتا.
فالمواويل تختلف جزئيًا من مكان إلى آخر، ولكن يجمعها أنها القالب الغنائى الأكثر أهمية على المستوى الشعبى بما تحفل به من مدائح ومراث وهجاء، وحكم وتأملات فى الخلق كما جاء فى مقدمة الكتاب الذى عشت معه ليلة شعرت فيها بأننى أسمع صوت الحبيب الراحل أكثر مما أقرأ كلماته التى يستحق كل الشكر من جمعها ونشرها. سلام لروح زياد.