العار

العار

العار

 لبنان اليوم -

العار

عمرو الشوبكي

عرض أحد الإعلاميين صوراً فاضحة ادعى أنها للمخرج والفنان خالد يوسف، وانتفض الكثيرون انتفاضة ضمير أخلاقية ومهنية فى مواجهة هذا العار الذى أصاب الإعلام على يد من تكرر منه الإساءة وارتكب من الجرائم ما فاق الحدود دون أى حسيب أو رقيب، فهو من المحصنين الذين أطلقهم البعض على الشعب المصرى ينهشون فى عرض الجميع حتى وصل التدنى إلى أقصى درجاته بعرض صور مشبوهة على شاشات التليفزيون.

ولعل القضية ليست فى تجاوزات متكررة تصل حتماً لحد الجرائم لعدد من الإعلاميين إنما فى كيفية وصولنا إلى هذا المستوى من الانهيار، ومن المسؤول عما وصلنا إليه، وهل هى توجهات مخططة أم عشوائية واستباحة تحكمها فلسفة مباركية قديمة: دعهم يتعاركوا ويسبوا ويخونوا بعضهم البعض حتى ينسونا.

والحقيقة أن استباحة المجتمع من خلال بعض الإعلاميين أصبحت سمة العصر، فالذوق العام استبيح، وأصبحت جملة من مخلفات الماضى، وإهانة الناس لا تتم فقط عبر شتائم وصور فاضحة على بعض الفضائيات، إنما أيضا من غياب فكرة النقاش العام والمجتمعى حول القضايا السياسية والاجتماعية التى يجب أن تشغل بال الناس، وعدم بذل أى جهد يذكر فى بناء دولة القانون.

والحقيقة أن الخوف من انحياز الدولة ممثلة فى رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء تجاه ما يجرى فى بعض وسائل الإعلام أمر مفهوم، وفكرة الحفاظ على مسافة واحدة من كل الأطراف يمكن استيعابها فى الوقت الحالى، فى حين أن المطلوب هو الحفاظ على نوع من الحياد الذى سميناه من قبل بالحياد الإيجابى وليس السلبى، فالأول يعنى مساهمة الدولة الإيجابية فى وضع قواعد قانونية وأطر قانونية تنظم الإعلام وتحافظ على حرمة الحياة الخاصة، وتضع القواعد القانونية والمهنية لضبط عمله، وهو ما لم يحدث حتى الآن، لأن المعتمد هو سياسة الحياد السلبى التى يغيب عنها أى اجتهاد من أجل وضع قواعد تؤسس لنظام سياسى جديد ينعكس على الإعلام وأداء أجهزة الدولة، تاركة الفساد وسوء الأداء يكتسب خطوات كل يوم دون أى قواعد تحول دون انتشاره.

الحياد السلبى هو الوجه الآخر للانحياز والترصد وكلاهما خطر على مصر، فمبارك لم يكن محايداً، لا بالمعنى الإيجابى ولا السلبى، وانحاز لرموز نظامه من سياسيين وإعلاميين وكتاب، ولحزبه الوطنى الديمقراطى بالحق والباطل، والمطلوب ليس تكرار ذلك إنما نوع من الحياد الفعال والإيجابى للسلطة السياسية.

والغريب أن التحول الذى شهدته مصر بعد ثورتى يناير ويونيو أفضى إلى وجود رئيس يحكم بقدر معتبر من الرصيد الشعبى وليس لديه حزب سياسى ينحاز له، ولا إعلاميون أو كتاب متحدثون باسمه، وكثيراً ما كرر أكثر من أى رئيس آخر وربما أكثر من اللازم أنه لا يوجد أحد محسوب عليه وهو غير محسوب على أحد وانتظر الكثيرون ومازالوا أن تتحول هذه الفرصة التاريخية والحالة الحيادية الفريدة فى غياب «حزب الرئيس» (ولو مؤقتا) إلى حياد أو فعل إيجابى يؤسس لنظام جديد وقواعد جديدة.

أن تُعرض صور مشبوهة على شاشات التليفزيون، وهى خارجة على كل القيم والأعراف، سيعنى أن هناك جهة ما أعطت الضوء الأخضر وربما تكون أرسلت لهذا «الإعلامى» هذه الصور، والسؤال: من هى؟ وما هى مصلحتها إذا كانت من داخل الدولة؟ وهل المطلوب قص ريش مبكر لخالد يوسف، أم أن الموضوع له علاقة بطريقة عامة لحكم البلاد تحرص على إبقاء صورة النخبة السياسية بهذه الطريقة، شتائم وصور بذيئة وتخوين، متصورين بذلك أن هذا فى صالح استقرار النظام السياسى.

مازلت أذكر ومعى الكثيرون كيف أن نفس هذا الإعلامى قام بحملة تحريض وأكاذيب أثناء الانتخابات البرلمانية، وحين أتذكر كيف صرخ وقال يوم الانتخابات وفى ظل ما سمى بالصمت الانتخابى (الذى احترمه الجميع إلا هو): «أسقطوا عمرو الشوبكى لأن الإخوان والسلفيين يحشدون له» من حق أى مواطن وأى إعلامى أن يسعى لإسقاط من يريد ولكن إذا كان هناك إعلاميون آخرون دعموا كاتب هذه السطور ولم ينطق واحد منهم أيام الصمت الانتخابى بكلمة دعم أو تعاطف واحدة أو من أى من المنافسين، فهنا نتحدث عن قاعدة قانونية اسمها قانون ينظم الإعلام والعملية الانتخابية والسياسية استبيح ورمى تحت الأقدام وليس انحيازات شخصية وسياسية مقبولة لهذا الشخص أو ذاك.

أخطر ما يمكن أن تتعرض له مصر أن يصبح هذا العار نمط حياة وطريقة حكم، لأنه سيعنى أن كل الوسائل السياسية لمواجهة الخصوم والمنافسين قد استبعدت لصالح حملات التشهير والسباب التى يروجها «الرباعى المحصن» تحت سمع وبصر أجهزة الدولة.

ليس مطلوبا منع أحد من التعبير عن آرائه السياسية فمن أراد أن يدافع عن مبارك كل يوم من حقه، ومن أراد أن يدافع عن السيسى كل يوم من حقه، ومن أراد أن يهاجم ثورة يناير أو يونيو أيضا من حقه، أما أن تنشر صور العار أو تروج لأكاذيب وشتائم لا أساس لها من الصحة فتلك جرائم قانونية ومهنية لا علاقة لها بالرأى السياسى يجب وقفها بالقانون وبسياسة الحياد الإيجابى لا السلبى.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العار العار



GMT 08:07 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

فشلنا في امتحان الجاهزية والاستعداد

GMT 08:05 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

مفكرة السَّنة الفارطة... الإعصار دونالد

GMT 08:04 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

عن اقتصاد السّوق واقتصاديات السُّوء

GMT 08:02 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

القدية غربَ الرياض تُلقي التَّحية الأولى

GMT 08:01 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

هل ثمّة حياة بعد الدولة الأمّة ذات الحكم المركزي؟

GMT 07:59 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

السلطة والطرب... فيلم «الست»

GMT 07:58 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

عامٌ «ترمبي» يرحل وآخرُ يُقبل

GMT 07:56 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

غداً عامٌ جديد

نادين نسيب نجيم تتألق بإطلالات لافتة في عام 2025

بيروت ـ لبنان اليوم

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 00:13 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 14:00 2022 الخميس ,17 شباط / فبراير

أفخم 3 فنادق في العاصمة الايرلندية دبلن

GMT 21:09 2023 الأربعاء ,03 أيار / مايو

القماش الجينز يهيمن على الموضة لصيف 2023

GMT 16:33 2025 الثلاثاء ,21 كانون الثاني / يناير

الدولار يرتفع بعد فرض ترامب رسوم جمركية على كندا والمكسيك

GMT 02:06 2018 الثلاثاء ,24 إبريل / نيسان

فورد"موستانج 2019" سيارة العضلات الأمريكية
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon