رأس الديك الأحمر لـ أحمد الخميسي
آخر تحديث GMT10:09:26
 لبنان اليوم -

"رأس الديك الأحمر" لـ أحمد الخميسي

 لبنان اليوم -

 لبنان اليوم - "رأس الديك الأحمر" لـ أحمد الخميسي

القاهرة ـ وكالات
فى مجموعته القصصية الأحدث «رأس الديك الأحمر» (2012 )، يستقطر الأديب الدكتور أحمد الخميسى براعته الفنية فى ست عشرة قصة قصيرة تتنوع بين الحكى الكلاسيكى، والقصة الرمزية، والواقعية السحرية؛ لكنها جميعا تشترك فى سخريتها اللاذعة من واقع اجتماعى وسياسى يثقل على النفس ويدفع العقل إلى حافة الجنون. فى إطار من براعة السرد وشفافية الأسلوب، وبلاغة الصور وعمق دلالاتها، يرسخ السرد لقيم إنسانية عالية. تأتى قصة «رأس الديك الأحمر»، التى منحت المجموعة عنوانها، بالغة الإيجاز مشحونة بالدلالات. فقد انفصل رأس الديك عن جسده، ذلك الرأس الراغب دوما فى الحرية، بينما الجسد يؤثر السلامة. أما الآن «فيتفجر البدن وحده بالمهانة المختزنة طويلا. يهتاج ثائرًا يفتش عن منفذ. يخطو بمفرده متخبطًا.. ترتعش كل خلية فيه بغريزة التفكير». الرأس والجسد، كلاهما يبحث عن حريته منفردًا. وأخيرًا يعثر البدن على طريق للخروج لم يخطر ببال الرأس: «فجأة، انفلت البدن. رفرف لأعلى. دار فى الهواء دورة عجيبة غير متوقعة. خفق جناحاه فى الأرض والسقف. اندفع إلى نافذة مفتوحة وانطلق منها إلى الحرية. تطلع الرأس إلى النافذة بنظرة خابية. لقد نجا؟! كيف لم تخطر النافذة على بالى؟!». بإيجاز بالغ يعبر الكاتب عن ثقته فى جموع الشعب، التى قد تتفوق على النخب بأن تعثر وحدها على طريق الحرية والخلاص. يأتى تاريخ النشر الأول لهذه القصة (أبريل 2012) ليعمق دلالة ارتباطها بثورة 25 يناير 2011 وما حدث من تفوق جماهير الشعب غير المسيسة على النخب السياسية، واقتناصها لحريتها من نظام فاسد جثم على صدرها زمنا طويلا. ويغلف الرمز أيضا قصة «تاريخ فقاعة»، ويتجه بها نحو الإسقاط السياسى. تدور القصة حول فقاعة تلتصق بجدار معدة رجل دولة رفيع المقام، بينما هو فى طريقه إلى إلقاء خطاب مهم، فتنغص عليه يومه. تحشد الفقاعة قوتها وتتصدى لمحلول القطرات المذيب، فتنتصر عليه، ومن ثم تزهو بنفسها وتدرك قدراتها الكامنة: «تصدت الفقاعة للقطرات بصمود مذهل. وبينما كان مفعول القطرات ينحسر ارتجف على الجدران الداخلية للفقاعة خيط هش وردى اللون من وعى محدود. وعى لا يمكن أن تسميه عقلا إلا مجازا. لكن ذلك الوعى ألهم الفقاعة ألا تستسلم للطرد والخروج، وربما هداها الوعى المحدود إلى فكرة أن فقاعة حية داخل معدة أفضل ألف مرة من فرقعة مجيدة. وحين تحللت الفقرات مهزومة دق فى قلب الفقاعة الشعور بقوة وجودها، فأخذت تقلص المصران وترخيه. تتواثب بداخله، تمطه وتمهله إلى أن اطمأنت إلى تأثيرها، فتضاعف وعيها بذاتها حدة، وواصلت حياتها نحو لحظة مجدها». ولا يخفى على القارئ الإسقاط السياسى الذى يلمح إليه الكاتب، من التبشير بالثورة وإرهاصاتها متمثلة فى مدى هشاشة النظام السياسى وضعف مقاومته، بعد أن انكشف زيف قوته وضعف حصونه، لا سيما أن القصة كُتبت فى أكتوبر 2010 (أى قُبيل ثورة 25 يناير بأقل من ثلاثة أشهر). وأتوقف عند قصتين من قصص المجموعة تستروح كل منهما نفحات القصة القصيرة عند أنطون تشيكوف ويوسف إدريس، فتتعالى فيهما النبرة الإنسانية انحيازا للفقراء والمهمشين، ممن يحرصون على قيم أخلاقية يفتقر إليها كثير من الأغنياء. ففى قصة «جلباب أزرق»، يلتقط الكاتب لحظة إنسانية فارقة. يسافر خليفة، الفلاح الفقير، من قريته فى الصعيد إلى القاهرة، قاصدًا أحدى المستشفيات الحكومية حيث توفى أخوه، لإجراء ترتيبات دفن الجثة فى مدافن الصدقة. وكان أحد جيران القرية قد أعار المتوفى جلبابه الأزرق، أفضل أثوابه، ليذهب به إلى القاهرة بدلا من ملابسه المهترئة المتسخة. بعد أن ينتهى خليفة من إجراءات دفن أخيه ينشغل بالبحث عن الجلباب الذى لم يجد له أثرًا، حتى إنه يدخل شاكيًا لمدير المستشفى، لكنه ينهره ويسخر منه. فيخرج من مكتبه يحدث نفسه: «ربنا يعطى الحياة وهو من يستردها. لكن الجلابية واخدينها من جودة؟». ويبقى خليفة مؤرقا بإعادة الجلباب طوال رحلة العودة إلى القرية، وعند مدخلها يتوقف «تحت السماء والنجوم التى تضوى فى الظلمة» يرفع عينيه للسماء يناجى ربه: «يا رب.. أنت من يعطى الحياة وأنت من يأخذها.. ماقلناش حاجة.. لكن الجلابية مش بتاعتنا. لازم نردها. يا رب». وفى قصة «صعيدى» ينفتح النص على حياة مجموعة من عمال التراحيل، ممن هجروا قراهم فى الصعيد وأتوا إلى القاهرة بحثا عن لقمة العيش. ورغم جوعه وشدة حاجته للعمل، يرفض الشاب الصغير القيام بعمل يتنافى مع مفهوم الرجولة كما يعرفها أهل الصعيد. يركب الشاب بجوار رجل جاء يطلب عاملا للقيام ببعض الأعمال بمسكنه، وعندما يعلم الشاب أن العمل المطلوب إزالة بعض بقع الطلاء من على الأرض يرفض بشدة: «الصعايدة مايشتغلوش فى المسح يا بيه». يغريه الرجل بمزيد من المال، لكنه يتمسك بالرفض: «مش حكاية فلوس.. الصعايدة مايشتغلوش فى المسح». وفى قصة «ومض» تبلغ رقة المشاعر وشفافية العبارات حدا تتحول معه القصة إلى نسيج حريرى بالغ الرقة غُزلت خيوطه من الواقع والخيال بإحكام شديد. يفقد الأستاذ الجامعى حبيبته وزوجته التى غيبها الموت، فيبقى أسيرا لذكراها وطيفها. وأثناء نومه يوقظه ومض يتوهج باللون البرتقالى، يكتشف أنه إنسان أضناه الحب فشف وصار طيفًا: «حل علىّ الذهول حين رأيت أمامى طيفًا مجسمًا بلون برتقالي، بدون وجه. ترتعش أطرافه متوهجة. يسطع ويختفى منه خيطان مضيئان كذراعين.. تجمدت محدقا به». ويقطع الطيف الصمت بينهما: «توقعت أنك ستفزع عند رؤيتى.. الناس لا يتعرفون على السحابة عندما تغدو مطرًا، على الشجرة عندما تصبح حريقًا». وعندما يسأله عن هويته يجيب بأنه «طيف إنسان.. تشف المعادن فى النار والبشر فى العشق. إذا طال العشق وزادت أشواقه يشف الإنسان حتى يغدو طيفًا. الكون عامر بأطياف أرواح عاشقة». حقيقة يصعب الإلمام بكل قصص المجموعة فى تلك العجالة، فكل منها يحتاج مقالًا منفردًا. ولكن يبقى القول إن «رأس الديك الأحمر» مجموعة قصصية «تربت على النفس وتنبه الوجدان وتناجى العقل». وكما يقول الكاتب إبراهيم حمزة، فى مقدمته للمجموعة، فإن «ثمة جوهرًا نورانيًا فى الإبداع يُحس ولا يُمس، وقراءة هذه المجموعة فسحة للروح تسمو بها وتطهرها، تضحكها أحيانا، وتبكيها، وتدعوها فى كل الأحوال لتأمل حياتنا».
lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رأس الديك الأحمر لـ أحمد الخميسي رأس الديك الأحمر لـ أحمد الخميسي



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 09:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
 لبنان اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 18:07 2026 الإثنين ,19 كانون الثاني / يناير

إطلالات راقية تبرز أناقة الفنانات السعوديات في حفل Joy Awards
 لبنان اليوم - إطلالات راقية تبرز أناقة الفنانات السعوديات في حفل Joy Awards

GMT 17:53 2020 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 21:09 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 21:25 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 00:13 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 13:47 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أجواء إيجابية لطرح مشاريع تطوير قدراتك العملية

GMT 20:36 2021 الإثنين ,08 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 20:29 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

النوم 7 ساعات يحمي كبار السن من مرض خطير

GMT 14:59 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

عليك أن تتجنب الأنانية في التعامل مع الآخرين

GMT 14:02 2020 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 20:44 2019 الثلاثاء ,26 شباط / فبراير

الدوري السعودي يشهد إقالة 15مدربًا هذا الموسم

GMT 15:25 2016 الخميس ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

برج الثعبان.. عاطفي وحكيم وعنيف في بعض الأوقات

GMT 17:50 2018 الثلاثاء ,24 تموز / يوليو

في نسف الثّقافة..

GMT 20:11 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

هواوي تعلن رسميا إطلاق لاب توب Huawei MateBook 14
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon