فضيحة الأدوية المزوّرة تكشف انهيار الرقابة وتواطؤ شبكات محمية في لبنان
آخر تحديث GMT17:45:45
 لبنان اليوم -

فضيحة الأدوية المزوّرة تكشف انهيار الرقابة وتواطؤ شبكات محمية في لبنان

 لبنان اليوم -

 لبنان اليوم - فضيحة الأدوية المزوّرة تكشف انهيار الرقابة وتواطؤ شبكات محمية في لبنان

الأدوية المهرّبة والمزوّرة
بيروت ـ لبنان اليوم

لم تعد فضيحة الأدوية المهرّبة والمزوّرة مجرّد أزمة صحيّة أو ملفّاً جزائيّاً عابراً، بل تحوّلت إلى مرآة ساطعة لانهيار المنظومة الرقابية والإدارية في لبنان، في ظلّ تواطؤ شبكات سياسية وأمنية وفّرت الغطاء لتجّار الموت تحت مظلّة الإفلات من العقاب.

في خضمّ الانهيار المتسارع للقطاعين الصحّي والاقتصاديّ، تفجّر أحد أخطر الملفّات المتعلّقة بالأمن الدوائيّ، بعدما أطاحت التحقيقات بشبكة منظّمة لتوزيع مستحضرات مهرّبة ومزوّرة، تورّط فيها مقرّبون من شخصيات سياسية نافذة، أبرزهم محمد خليل، شقيق وزير المال السابق والنائب الحالي علي حسن خليل.

هذا الملفّ الذي ظلّ لسنوات مجرّد همس في الكواليس، خرج إلى العلن كقضيّة قضائيّة مفتوحة تتقاطع فيها شبكات التهريب مع نفوذ سياسي وأمنيّ، من المطار إلى الصيدليات، ومن الوزارات إلى المعابر. ومع أنّ التحقيقات لا تزال في بدايتها، إلّا أنّ المؤشرات تدلّ على أننا أمام منظومة متكاملة لتشريع الموت بغطاء رسميّ.

وفي قلب هذه الفضيحة، تعود إلى الواجهة ملفّات التعيينات المشبوهة، أبرزها إدخال محمد خليل نفسه إلى قوى الأمن الداخلي بمرسوم خاص، دون خضوعه لأيّ مباراة رسمية، في عهد الرئيس ميشال عون، ضمن تعيينات استنسابية خضعت للمحاصصة الطائفية والسياسية، وسمحت بتغلغل الفساد داخل أجهزة يفترض أنها حامية للصحة العامة.

تُظهر وثائق التحقيق أنّ المستحضرات المهرّبة لم تكن محصورة بأدوية بسيطة، بل شملت أدوية خطيرة مخصّصة لعلاج السرطان، بيعت في السوق السوداء بأسعار باهظة رغم أنها غير مطابقة للمواصفات أو لا تحتوي على مواد فعّالة. وقد أدلت المريضة فاديا المكاوي بشهادة موثقة عن شرائها دواءً لعلاج سرطان الثدي مقابل 900 دولار، ليتبيّن لاحقاً أنه غير صالح للاستخدام. وتكرّرت شكاوى مشابهة من مرضى أُجبروا على شراء علاجات مزوّرة، ما أدّى إلى تدهور حالتهم الصحيّة، وسط صمت رسميّ مريب وتراخٍ في المحاسبة.

وفي حديث لـ “نداء الوطن”، أكّد مستشار وزير الصحة، رضا الموسوي، أنّ الوزارة “تتابع الملفّ قضائياً بكلّ دقة”، وأضاف: “الوزير اتّخذ قراراً باتّخاذ صفة الادّعاء ضدّ كلّ من يثبت تورّطه في تعريض صحة اللبنانيين للخطر، سواء في ملفات الدواء أم الاستشفاء، ونحن ننتظر صدور النتائج القضائية النهائية للتحرّك على هذا الأساس”. الموسوي شدّد على أنّ الوزارة “لن تتهاون مع أي صيدلية أو جهة تتاجر بصحة الناس، والرقابة ستشتدّ خلال الفترة المقبلة”.

جو سلّوم لـ “نداء الوطن”: فوضى ممنهجة تدمّر قطاع الدواء… والمرضى أولى الضحايا

القطاع الدوائيّ في لبنان على شفير الانهيار، بفعل فوضى ممنهجة بدأت بتهريب الأدوية المدعومة، وتوسّعت إلى إدخال مستحضرات مهرّبة ومزوّرة، بعضها سُوّق تحت غطاء “الاستيراد الطارئ” بتواقيع وزارية، من دون رقابة فعلية أو مطابقة للمواصفات.

يرى نقيب الصيادلة جو سلّوم أنّ النقابة قرعت جرس الإنذار منذ أكثر من ثلاث سنوات، محذّرة من كارثة تطول مرضى السرطان والأمراض المزمنة، وتُفرغ الصيدليات الشرعية من الأدوية، ما دفع المرضى إلى السوق السوداء، وأدّى إلى تفشّي مراكز بيع دواء غير شرعية وظهور مستودعات مخالفة ومنصّات توزيع عبر الإنترنت.

غياب تطبيق مراسيم الوكالة الوطنية للدواء، رغم إقرارها منذ العام 2021، ساهم في تعميق الأزمة. هذه الوكالة يُفترض أن تكون الجهة الناظمة لتسجيل الأدوية وضبط أسعارها وجودتها، إلّا أن المشروع بقي في الأدراج، ما أبقى السوق مفتوحة على التلاعب.

ملفّ الأدوية المستوردة من دول مثل إيران يثير تساؤلات مهنية لا سياسية. جزء من هذه المستحضرات لا يملك شهادات مطابقة للمعايير الدولية، ويُوزّع اليوم على مرضى السرطان من دون ضمانات.

نقابة الصيادلة تطالب بإطلاق مراسيم الوكالة فوراً، وتفعيل الهيئات الرقابية، وإجراء مراجعة شاملة لكل الأدوية والمتمّمات التي دخلت السوق في السنوات العشر الأخيرة، خصوصاً تلك المرتبطة بمناقصات وزارة الصحة. ما يجري، وفق سلّوم، ليس فوضى عابرة، بل منظومة فساد محمية سياسياً وأمنياً، تشرعن التهريب والتزوير، وتعرض حياة اللبنانيين للخطر، في ظلّ غياب كامل للمحاسبة.

 ثلث السوق خارج الرقابة… وشبكات محميّة تهدّد صحّة اللبنانيين

يُقدَّر حجم سوق الأدوية المهرّبة والمزوّرة في لبنان بما بين 150 و 200 مليون دولار سنوياً، أي نحو ثلث السوق المحلية، وفق ما تكشفه نقابة مستوردي الأدوية. هذه الأرقام تعكس اختراقاً خطيراً على المستوى الصحي والاقتصادي والقانوني، وسط انتشار شبكات تهريب وتواطؤ صيدليات مخالفة لا تزال تعمل رغم مخالفات موثّقة بحقها.

من أبرز هذه الشبكات ما يُعرف بـ “شبكة برمينا”، التي تضمّ أكثر من 70 صيدلية متورّطة في تسويق مستحضرات مغشوشة، بعضها مخصّص لعلاج السرطان. أحد التحقيقات كشف أنّ دواءً يُسوّق لعلاج الأورام لم يكن سوى محلول ملحيّ. كما أن سوء التخزين أفقد العديد من الأدوية فعاليّتها، ما يعرّض حياة المرضى للخطر.

المحاسبة غائبة. عدد من الملفّات كُشف ولم تُتابَع قضائياً، وسط تقاعس رسميّ لافت، ما يفاقم الأزمة ويُفقد الناس ثقتهم بالقطاع. الجهد المطلوب يتوزّع على مستويين: أولاً، ضبط المعابر الحدودية والمطار عبر الجمارك والأجهزة الأمنية؛ وثانياً، تحرّك سريع من وزارة الصحة لإحالة الملفات إلى النيابة العامة بالتنسيق مع وزارة العدل.

الرقابة التقنية بدورها غير مكتملة. لا تزال بعض الصيدليات خارج نظام “MediTrack”، ما يترك ثغرات واسعة. النقابة تعمل على تعميم الترميز التسلسلي لكل عبوة، وتطوير تطبيق إلكتروني يتيح للمواطنين التحقّق من شرعية الدواء مباشرة من المصدر. المسؤولية لا تقع على النقابات وحدها. رئاسة الجمهورية ولجنة الصحة النيابية برئاسة النائب بلال عبد الله أطلقتا تحركاً تنسيقياً مع الوزارات والأجهزة المعنية، لكن التنفيذ ما زال غائباً. الرهان اليوم على إرادة سياسية حازمة، تضع حداً للفوضى قبل أن تتحوّل إلى قاعدة دائمة تُشرعن التزوير وتُهدّد ما تبقّى من منظومة الرعاية الصحية في لبنان.

هيلين شماس: الاستيراد الطارئ شرّع الفوضى

وفي حديث موسّع لـ “نداء الوطن”، أكدت الباحثة في السياسة الدوائية د. هيلين شماس أنّ الفوضى الحالية تعود إلى تراكمات سابقة، وقرارات سياسية خارجة عن المعايير.

وأشارت إلى أن دعم الأدوية طُبّق دون ضوابط، ما سمح بتهريب المستحضرات المدعومة، مقابل إدخال أدوية غير فعّالة ومنتهية الصلاحية. كما كشفت عن تسجيل أدوية إيرانية في عهد الوزير جميل جبق خلال فترة لا تتعدّى الشهرين، في تجاوز واضح للمعايير الدولية، ما أثّر على جودة السوق وثقة المواطنين.

كما انتقدت قرار “الاستيراد الطارئ” في عهد وزير الصحة الأسبق حمد حسن، حيث خُفّضت المعايير تحت ذريعة النقص، فدخلت أدوية من دول لا تملك أيّ اعتماد دولي. ولفتت إلى أن هذه الفوضى شجّعت على المحسوبيات، إذ مُنحت الموافقات فقط للمقرّبين، بينما حُرمت منها شركات محترمة.

وعن نظام “MediTrack”، قالت شماس إن التطبيق شابه العديد من الثغرات، أبرزها الاستنسابية في توزيع الأدوية، وعدم وضوح المعايير التي تحدّد المستفيدين.

وختمت بالقول إن الأزمة الدوائية في لبنان ليست تقنية فحسب، بل سياسية في جوهرها، وتستدعي خطة إنقاذ متكاملة تُعيد الثقة إلى القطاع الصحي وتحمي حياة الناس.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فضيحة الأدوية المزوّرة تكشف انهيار الرقابة وتواطؤ شبكات محمية في لبنان فضيحة الأدوية المزوّرة تكشف انهيار الرقابة وتواطؤ شبكات محمية في لبنان



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 09:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
 لبنان اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 17:32 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

عون يؤكد تعزيز دور القضاء ضروري لتسريع البت بقضايا الموقوفين
 لبنان اليوم - عون يؤكد تعزيز دور القضاء ضروري لتسريع البت بقضايا الموقوفين

GMT 13:56 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 21:00 2021 الإثنين ,08 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك

GMT 11:54 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

سر فوائد زيت البصل للشعر وطريقة تحضيره في المنزل

GMT 10:12 2020 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك

GMT 06:51 2024 الأربعاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

نصائح لتحديد أفضل وقت لحجز رحلاتكم السياحية بسعر مناسب

GMT 23:17 2021 الأحد ,17 كانون الثاني / يناير

إطلالات شبابية عصرية من الممثلة المصرية هبة الدري

GMT 11:57 2023 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

برومو ”الاسكندراني” يتخطى الـ 5 ملايين بعد ساعات من عرضه

GMT 05:23 2020 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

غوتيريش يعرب عن قلقه من تطورات جنوب اليمن

GMT 16:16 2020 السبت ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

تطورات جديدة في قضية وفاة الأسطورة "دييغو مارادونا"

GMT 23:31 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 19:20 2023 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

نوال الزغبي تتألق بإطلالات خريفية مُميّزة

GMT 12:50 2025 الخميس ,16 تشرين الأول / أكتوبر

ببغاء يُفاجئ باحثي بممارس لعبة تُشبه الغولف

GMT 12:49 2020 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

صيحات مناكير الأظافر لربيع 2020.. مشرقة وفريدة
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon