تلاشــــــى
آخر تحديث GMT09:48:19
 لبنان اليوم -

تلاشــــــى

 لبنان اليوم -

 لبنان اليوم - تلاشــــــى

بقلم: حاتم عرفة
قطعوا يده.. أخبروه أنهم بهذا ينقذونه من انتشار المرض في جسده.. ظلوا يمهدون له الأمر بضعة أشهر حتى أصبح لا يتخيل حياته في وجود يده.. تأكد من أنه سيعتاد الأمر بعد أيام.. بل إنه اعتاد على هذا من قبل حتى أن يذهب لأداء العملية.. كان يتدرب على استخدام يده اليسرى وحدها في كل شيء.. تعلم الكتابة بها.. وحمْلَ الأشياء والتصفيقَ بها وحدها أيضًا.. .... قبل أن يخرج من المستشفى كان الطبيب يخبره أن يده اليسرى ربما تكون أصيبت بالعدوى.. وعند الكشف عليها تيقن من هذا.. وطلب منه أن يمر عليه بعد يومين حتى يقوم ببتر الأخرى.. حفاظًا على صحته.. ... يخبر من في البيت بما حدث.. فيندهشون للأمر في البداية، ولكنه هوّنه عليهم.. وأقنعهم بأن هذا أنسب لصحته، وأنه لا يرى ضررًا في هذا.. سيعتاده كما اعتاد أشياء أخرى كثيرة، فبدأوا يرون فعلاً أن شكله بدون يديه سيكون أفضل.. .... أفاق من المخدر في غرفته وهو مبتسم.. نظر إلى كتفيه عن يمينه وشماله فيمتد نظره إلى الفراغ.. يشعر بحرية أكثر.. يرقصهما على نغمات الأغنية التي في التلفاز.. عندما قدموا له الإفطار ولم يجد يديه اللتين اعتاد أن يأكل بهما.. لم يتوتر.. اعتمد على نفسه كعادته، وقلّد ذلك الأسلوب الفني لدى بعض الكائنات في التهام الطعام بالفم مباشرة.. وبعد أن انتهى من إفطاره.. قام يرتدي ملابسه وحده، ولم يوقظ أخاه النائم على الأريكة ليساعده كيلا يزعجه.. ربط أربطة الحذاء بالطريقة الفنية نفسها.. وقبل أن يخرج من الباب كان الطبيب يدلف إلى الغرفة في عجلة، ويخبره في توتر وهو يرسم ابتسامة على شفتيه أنه يود الكشف على ساقيه، للتيقن من بعض الأمور..! .... عاد إلى المنزل وهو يستند على أخيه ويقفز على قدمه الواحدة.. حيَّا أقاربه الذين جاءوا ليطمئنوا عليه، ولقضاء العطلة الصيفية.. وفيهم إحدى قريباته عزيزة على قلبه، أبدت إعجابها بشكله الجديد.. وأخبرته أنه أصبح أفضل بكثير.. فتذكر حلم الزواج منها الذي طاف بخياله كثيرًا من قبل.. ورأى أن هذا أنسب وقت لتحقيق هذا الحلم.. واستوت الفكرة في عقله كما يستوي وجهه احمرارًا من مديحها.. رن جرس الهاتف، وعندما أراد أن (يقوم) ليرد عليه تذكر أنه لم يعد يحبذ الكلام في الهاتف في الفترة الأخيرة.. فردت أخته الصغيرة.. وعندما عرفت المتكلم.. أعطته السماعة.. فاستمع إلى الطبيب الذي بدا عليه التوتر راسمًا ابتسامة على (صوته).. عندها علم أن هناك ساقًا أخرى تحتاج (الكشف) عليها.. وبدأ يتخيل شكله الجديد الذي سيكون أفضل لصحته..! .... عندما استسلم على سرير العمليات سأله طبيب التخدير الذي أصبح صديقه أخيرًا عن أي أنواع (البنج) يفضل هذه المرة.. فطلب منه ألا يخدره على سبيل التغيير، فاكتفى الطبيب (بالبنج) الموضعي على بطنه ثم ظهره.. وعندها دلف الطبيب الجراح مكممًا فمه وأنفه والابتسامة المرسومة على شفتيه تُشَم رائحتُها.. وضع المشرط على حدود بطنه وهو يسأله إذا كان يفضل – بعد البتر – الاحتفاظ بالنصف العلوي أم السفلي.. فاختار الخيار الأول متذكرًا نصيحة قريبته التي ينوي الزواج منها له.. وإعجابها بشخصه في حد ذاته دون (اعتبارات) أخرى.. فبدأ المشرط يتحرك ببطء بمحاذاة خط الاستواء القديم في جسده.. وهو يراقبه في اطمئنان.. .... عاد إلى المنزل متهلل الأسارير لأن المستشفى أخرجته مبكرًا هذه المرة وزوجته تحمله على يدها، مع الحقائب التي أتت بها من السُّوق.. وهي تنبهه إلى أنه أصبح أخف وزنًا بكثير بعدما فقد رأسه.. فضحك بصوت عالٍ، وأخبرها أن الدكتور طمأنه، وأنه لن يؤدي أية عمليات مرة أخرى، لأنهم قد خلصوا جسده من كل المخاطر، أو خلصوا المخاطر من كل جسده.. فأبدت سعادتها البالغة.. ووضعت قبلة على (خده).. استقبلها في انتشاء.. .... مع نسمات الفجر الأولى قام من نومه على صوت رنين الهاتف.. وأجاب الطبيب الذي فاحت ابتسامته المرسومة على شفتيه عبر الأسلاك.. فأبعد السماعة حتى لا تزكم أنفه.. ثم أخبره: "دقائق وأكون عندك". ارتدى (ملابسه) على عجل، وألقى نظرة على زوجته، ثم خرج من المنزل.. وأقفل الباب خلفه بهدوء كيلا يزعجها.
lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تلاشــــــى تلاشــــــى



GMT 07:04 2025 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

يقولون : في الليل تنمو بذرة النسيان..

GMT 09:26 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

أزمة الصمت

GMT 09:24 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

لا ترجعي...! :

GMT 09:25 2023 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

لماذا أكتب لك؟؟ وأنت بعيد!!

GMT 09:19 2023 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

أنا النزيل الأعمى على حروف الهجاء ( في رثاء أمي الراحلة)

GMT 16:58 2021 الأربعاء ,01 أيلول / سبتمبر

صوت الملامة

GMT 15:48 2021 الجمعة ,23 تموز / يوليو

بانتظار الربيع

نادين نسيب نجيم تتألق بإطلالات لافتة في عام 2025

بيروت ـ لبنان اليوم

GMT 14:07 2025 الإثنين ,01 كانون الأول / ديسمبر

فستان الكاب لإطلالة تمنح حضوراً آسراً في السهرات
 لبنان اليوم - فستان الكاب لإطلالة تمنح حضوراً آسراً في السهرات

GMT 14:33 2025 الإثنين ,01 كانون الأول / ديسمبر

رحلة إلى عالم الألوان اكتشف روعة الشفق القطبي في النرويج
 لبنان اليوم - رحلة إلى عالم الألوان اكتشف روعة الشفق القطبي في النرويج

GMT 23:58 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

زيلينسكي يؤكد أن اتفاق السلام مع روسيا بات جاهزا بنسبة 90%
 لبنان اليوم - زيلينسكي يؤكد أن اتفاق السلام مع روسيا بات جاهزا بنسبة 90%

GMT 18:36 2025 الثلاثاء ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

إطلالات النجمات تخطف الأضواء في حفل Fashion Trust Arabia 2025
 لبنان اليوم - إطلالات النجمات تخطف الأضواء في حفل Fashion Trust Arabia 2025

GMT 18:00 2025 الخميس ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

وجهات سياحية مدهشة لعام 2026 ستعيد تعريف متعتك بالسفر
 لبنان اليوم - وجهات سياحية مدهشة لعام 2026 ستعيد تعريف متعتك بالسفر

GMT 18:34 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

دليل عملي لغسل الستائر في المنزل بسهولة وفعالية
 لبنان اليوم - دليل عملي لغسل الستائر في المنزل بسهولة وفعالية

GMT 12:43 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 20:36 2021 الإثنين ,08 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 17:01 2017 الثلاثاء ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

صدارة شباك التذاكر العالمي تشهد تقلبات ومتغيرات كثيرة

GMT 00:16 2018 الثلاثاء ,05 حزيران / يونيو

هل يعود لبنان كما عرفناه صغاراً

GMT 15:46 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

إينيس دي سانتو تطلق تصاميمها لفساتين الزفاف ٢٠١٨

GMT 07:39 2020 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

"ريد سوبا" المغربي يصدر جديده الفني "نيبالا"
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon