2023 والتنجيم السياسي

2023 والتنجيم السياسي

2023 والتنجيم السياسي

 لبنان اليوم -

2023 والتنجيم السياسي

يوسف الديني
بقلم: يوسف الديني

ثقافة التنبؤات ثقافة راسخة في كل العالم وحتى في تراثنا العربي والإسلامي رغم أن موقفه واضح ومتحيّز للعقلانية «كذب المنجمون ولو صدقوا»، لكن الرغبة الدفينة في معرفة المستقبل دفعت عدداً من السياسيين القدماء وحتى المحدثين إلى الرغبة في قراءة ما سيحدث، إما بدافع التحرّك والتعاطي معه أو بهدف قراءة سياق صيرورة التاريخ، والأكثر في التراث البحث عن استمرارية الشرعية في ظل أجواء مضطربة جداً... التحليل السياسي اليوم يختلف كثيراً، فقد بدأ يأخذ شكل ما يسمى تجاوزاً «علم المستقبليات» وقراءة الخطوط العريضة للأحداث وفقاً للنتائج التي قد تدفع بها المقدمات التي سبقتها وإن كانت غير يقينية أو دقيقة، وكثير من الكتاب والمحللين والباحثين السياسيين يقومون عادة بمثل هذه التوقعات في استشراف السنة الميلادية الجديدة، على الرغم من أن فكرة «التحقيب» الزمني تبدو غير عقلانية ومرتبطة أكثر بجوانب عاطفية تنظيمية منها إلى محددات للأحداث، وسبق أن استخدم سلاح التأويل خصوصاً مع العباسيين للآيات القرآنية أو للأحداث أو للإشارات، وصولاً إلى ما يسمى الكهانة والعرافة أو «علوم الخواص». وهناك العديد من الكتب الطريفة في التتبع التاريخي الكرونولوجي لهذه الظاهرة في التراث، لكنها تجلت اليوم بشكل كبير في الكتابات السياسية الجادة في العالم الغربي على خلفية حرب أوكرانيا وروسيا، وكان من أبرزها التوقعات المضادة كلياً لمحللين غربيين بارزين مثل ستيفن إم والت في «الفورين بوليسي» الذي يحرص على كتابة تحليل استباقي، لكنه هذه المرة كتب نظرة إلى العام الحالي (2023) من خلال نقد «التنجيم السياسي».
كانت التوقعات الغربية، أن بوتين لن يجتاح أوكرانيا، ومن توقع أي تحرك ظنه محدوداً للغاية لا يتجاوز حدود دونباس، كما توقع المحللون أزمة حادة جداً تصل إلى حدود المواجهة بين الصين وتايوان، لكن ذلك لم يحدث، وحتى ما قيل عن حملة شرسة اقتصادية تجاه الصين تشنّها إدارة بايدن لا تبدو بوادرها مواتية.
فيما يخص الصين، كان الاعتقاد السائد أنها ستعود بفائدة كبيرة من التعافي من تبعات أزمة «كورونا»، لكنها اليوم تعيش مواجهة حادة غامضة بأعداد مجهولة وضخمة، خصوصاً مع فشل سياسة الحالة الصفرية وعدم الاكتراث بمسألة المراقبة والتتبع والأرقام، وهو الشيء ذاته الذي كُتب لاحقاً من اكتساح روسي في أوكرانيا، لكن اليوم الجميع يتحدث عن مبالغة بوتين في تقدير قدرات المقاومة من قِبل الأوكرانيين.
على مستوى الشرق الأوسط، اعتقد المحللون، أن إدارة بايدن والمجتمع الغربي قادران على إدارة ملف إيران النووي وسلوكها في المنطقة بشكل أكثر جدية على خلفية فشل التعامل مع سيادة ملف الطاقة و«أوبك» والموقف السعودي الذي تميّز بتحييد هذا الملف ورفض تحويله أداة ضغط سياسي حتى مع زيارة بايدن، والشيء ذاته فيما يخص الزيارة التاريخية للرئيس الصيني التي لم تكن شكلية أو صورية، كما حاول المحللون الغربيون تقدير تحولات الأوزان السياسية وتوازنات القوى في المنطقة وسأم دول الشرق الأوسط وحلفاء أميركا من ازدواجية المعايير، لكن الأكثر خطورة كان ولادة تحالف دفاعي استراتيجي بين طهران وروسيا يمكن أن يهدد بشكل أكثر جدية الأمن في المنطقة ويعمّق الفوضى بغض النظر عن حالة الاستنزاف في الحرب الروسية – الأوكرانية، ومدى مساهمة أو ردة فعل الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وفيما يخص أوروبا فكل التوقعات بموقف ألماني حازم يغير المعادلة فوجئ الجميع بمهددات داخلية وصعود لليمين على نحو يستدعي القلق ليس في ألمانيا وإنما أوروبا بأكملها مع توقعات لا تنتمي إلى التنجيم بانفجار الهويات الفرعية وحتى عودة اليسار بأشكال مختلفة في ظل الركود الاقتصادي.
في إيران، بعيداً عن دعمها بوتين بالمسيّرات وقد تحدثت عنه في المقال السابق، اليوم هناك فشل لكل التحليلات والتنبؤات بأن العام الفائت كان فرصة لاتفاق نووي واضح ضمن خطة العمل الشاملة... اليوم، كل التقارير تتحدث عن صعود في حالة التسليح في إيران واهتمام كبير من قِبل ملالي طهران بالوصول إلى كميات كبيرة من التخصيب وتطوير القدرات النووية كجزء من ترحيل أزماتهم المتفاقمة في الداخل.
اليوم، المفترض أن ينشغل الكتّاب الغربيون وغيرهم بكشف حساب السنة والاهتمام بتصورات وتحليلات عقلانية لعالم يتجه إلى الرقص في مسرح اللامعقول، هناك أزمة مصداقية وحالة من اللايقين السياسي تجتاح العالم بدأت بالانسحاب من أفغانستان وتلتها أزمة أوكرانيا وروسيا، ثم هذا الارتباك الكبير للقوى الغربية الذي يتأرجح بين محاولة إنقاذ الاقتصاد ولو بشكل براغماتي وبين الانكفاء عن معضلات وأزمات العالم التي تتطلب ما هو أبعد من الشعارات أو حتى التوقعات الحالمة!

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

2023 والتنجيم السياسي 2023 والتنجيم السياسي



GMT 19:57 2025 الخميس ,20 شباط / فبراير

من «الست» إلى «بوب ديلان» كيف نروى الحكاية؟

GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 19:29 2025 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

الكتب الأكثر مبيعًا

GMT 11:46 2025 الأحد ,26 كانون الثاني / يناير

الرئيس السيسى والتعليم!

GMT 19:13 2025 الثلاثاء ,21 كانون الثاني / يناير

أصالة ودريد فى «جوى أورد»!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 00:18 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 24 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:58 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 04:43 2021 السبت ,16 كانون الثاني / يناير

بايدن يواجه مشكلة مع تويتر بعد "الصفحة الجديدة"

GMT 06:41 2024 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

توقعات الأبراج اليوم الإثنين 11 نوفمبر / تشرين الثاني 2024

GMT 21:14 2017 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

فتح الله يحمل إدارة الزمالك مسؤولية تراجع الفريق

GMT 18:25 2016 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

ازياء Dolce & Gabbana ربيع 2016

GMT 23:40 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

الوحدة يهزم عجمان في كأس الخليج العربي

GMT 22:23 2022 الإثنين ,14 شباط / فبراير

سامسونج تخطط لإطلاق هاتف رخيص بمواصفات رائدة

GMT 06:35 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

هطول أمطار على منطقة المدينة المنورة
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon