الخوارزمي مُستاء جداً

الخوارزمي مُستاء جداً!

الخوارزمي مُستاء جداً!

 لبنان اليوم -

الخوارزمي مُستاء جداً

بقلم:د. آمال موسى

منذ سنوات طويلة ونحن نعرف في مجتمعاتنا حالة مركّبة من العزوف: عزوف عن المشاركة السياسية في الانتخابات بجميع مستوياتها، وعزوف عن القراءة والمطالعة، وأيضاً بدأنا نسجل عزوفاً عن الزواج، وفي طريقنا بخطى ثابتة نحو نوع آخر أو تمظهر جديد من تمظهرات حالة العزوف الذاتية والعامة، وهو العزوف عن الإنجاب والاكتفاء بالحد الأدنى، حيث إنه في بعض الأوساط بدأت تُروَّج، بشكل هامس، فكرةُ الطفل الواحد.

كل هذه الأبعاد نلاحظها في الواقع الاجتماعي العربي العام ونتحدث عنها، وهناك البعض من هذه الأبعاد أو التمظهرات من حالة العزوف، تم تناولها في دراسات، خصوصاً ظاهرتَي العزوف عن المشارَكة السياسية، والعزوف عن القراءة.

ولكن لا نتحدث إلا همساً عن ظاهرة خطيرة، تتمثل في العزوف عن مادة الرياضيات في صفوف تلاميذنا وطلبتنا. والأمر بالنظر إلى الأرقام قد بلغ درجة تبعث على القلق باعتبار ارتباط الرياضيات بالمستقبل، والعلم، والازدهار، والتفوق، والإبداع التكنولوجي.

لا شك في أن العزوف خصوصاً في طابعه المركّب المعقد هو تعبير عن حالة نفسية واجتماعية واقتصادية وحضارية ليست حسنة ولا صحية. غير أن ما يتصل بالتعليم والعلم والمعرفة عادة ما يمثل نوعاً من العلاج وطوق الأمل والنجاة في كل اللحظات الحضارية الداكنة. لذلك فإن العزوف عن مادة الرياضيات تحديداً يعد عزوفاً إشكالياً ومقلقاً، وهو يختلف عن العزوف عن القراءة مثلاً، الذي يمكن تفسيره بغلاء الكتب وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا الاتصال الحديثة، في حين أن مشكلة مادة الرياضيات أنها مادة أساسية تدرس في المدارس والمعاهد وينفر منها التلاميذ، وتحصيل الأغلبية فيها ضعيف جداً. كما أن الذين يختارون التوجه لشعبة الرياضيات أصبحوا، مقارنة بعدد التلاميذ الذي يختارون شعب الاقتصاد والتصرف والآداب والإعلامية، يعدون على الأصابع حقيقة، وليس مجازاً.

لماذا هذا النفور الرهيب من الرياضيات من طرف تلاميذنا وطلبتنا؟ وما مصداقية الرّهان على التقدم والتنمية والحال أن الجيل الذي سيأخذ المشعل بعد سنوات قليلة في بلداننا ينفر من الرياضيات ويسقطها من اهتماماته؟

من المهم الإشارة إلى أن العالم يحتفل غداً باليوم الدولي للتعليم، إضافة إلى أن التعليم الجيد يشكل هدفاً رابعاً من أهداف التنمية المستدامة، ويأتي هذا الهدف مباشرة بعد هدفَي مقاومة الجوع والفقر. لذلك فإن تناول قضية النفور من الرياضيات لدى الناشئة اليوم في بلداننا إنما يندرج ضمن شرط أساسي للتعليم الجيد.

ما يلفت الانتباه أننا ننتمي إلى حضارة ذات صلة وإسهامات في علم الرياضيات، بل إن تأسيس علم الجبر قد تم على يد الخوارزمي في القرن التاسع الميلادي، من دون أن نغفل الإسهامات الدقيقة للأعلام مثل الطوسي والبيروني وابن الهيثم في الهندسة ونظرية الأعداد، وصولاً إلى المعطى التاريخي الذي يقول صراحة إن العلماء العرب نقلوا هذه المعارف إلى أوروبا عبر الترجمات اللاتينية، التي شكلت سبباً مهماً في النهضة الأوروبية، وظهور النهضة العلمية التي مهدت للثورة الصناعية.

هكذا هو التاريخ بكل عنفوانه ولمعانه. أما اليوم فمادة الرياضيات تعرف مشكلاً عميقاً في بلداننا كافة، ونذكر من هذه البلدان مصر وتونس: في مصر هناك عزوف عن دراسة الرياضيات في الجامعات المصرية، وفي تونس يوجد حديث عن هجرة التلاميذ لشعبة الرياضيات، حيث إن عدد التلاميذ الذين اجتازوا بكالوريا الرياضيات في تونس في إحدى الدورات الأخيرة لم يتجاوز الـ700 تلميذ في بلد يجري فيه الآلاف من التلاميذ مناظرة البكالوريا في كل عام.

إننا نقترب من لحظة عربية سيئة سنجد فيها أنفسنا أمام انقراض شعبة الرياضيات في مدارسنا وجامعاتنا، ولا يجب أن نغتر بالمرة بعدد قليل من المتفوقين.

من الواضح وجود مشكل بيداغوجي، ومشكل في طريقة تدريس الرياضيات في سياساتنا التربوية، وهذا المشكل متأصل في المرحلة الابتدائية من التعليم، حيث تُصنع بدايات الشغف بالمواد. فالرياضيات تكون صعبة عندما لا يتم ربطها بالواقع وبالحياة اليومية فتظل مجردة، والطفل يجد صعوبة في التعلق بما هو مجرد. وبعد المرحلة الابتدائية تأتي المرحلة الإعدادية، وهي مرحلة تشكو أيضاً مشكلات، من أهمها غياب آليات المرافقة الميسّرة لصعوبات الانتقال من مرحلة إلى أخرى، وتعبّر لنا إخفاقات التلاميذ في الرياضيات عن هذه الصعوبات باعتبار أن التكوين في أساسه ضعيف.

كما لا يفوتنا البُعد النفسي أيضاً، فالتلميذ ينفر من الرياضيات لأنها تظهره ضعيفاً، وتضعف ثقته بنفسه وذكائه. وهذا الوضع العلائقي السلبي يتحمل مسؤوليته معلمون غالبيتهم فشلوا في غرس التعلق بالرياضيات، فكانت الأعداد الصادمة، والنفور، وضعف الثقة، والقلق، والخوف من الرياضيات.

إننا نعدّ هذا المشكل خطيراً ومانعاً للتعليم الجيد وللتنمية، خصوصاً أن مجالات الهندسة، والإعلامية، والطب، وعلوم الأحياء، والإحصاء، والبيئة، والمناخ، وغيرها تقوم على الرياضيات التي هي كما نعلم لغة العلم وأساس التحليل والتفكير النقدي والمنطقي وبناء النماذج المثالية، وهي - أي الرياضيات - أساس التعليم والعلم الحديثين. نقترح على منظمة «الألكسو» إيلاء هذه المشكلة حجمها، وإطلاق صيحة فزع من خلال تنظيم سلسلة من المؤتمرات ترصد فيها الواقع التربوي العربي العام في مادة الرياضيات، ووضع توصيات عملية مدعمة بتجارب تربوية بيداغوجية ناجحة وملهمة في مجال عظيم وحده يغير حاضرنا هو علم الرياضيات. أغلب الظن أن الخوارزمي وجماعته مستاؤون منا جداً.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الخوارزمي مُستاء جداً الخوارزمي مُستاء جداً



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 11:57 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 13:48 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج العذراء الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 16:44 2018 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

تسريب صور مخلة للآداب للممثلة السورية لونا الحسن

GMT 18:57 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

النجوم الشباب يتصدرون مسلسلات موسم دراما رمضان 2026

GMT 06:46 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مرض طفيلي يسبب العمى لمستخدمي العدسات اللاصقة

GMT 10:07 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

ألوان التراب تسحر إطلالات النجمات شتاء 2026

GMT 18:31 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد مالك يكشف فيلمه الأقرب إلى قلبه "كولونيا"

GMT 19:34 2017 الأحد ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

بدء عرض الموسم الثالث من "مسرح مصر" منتصف تشرين الثاني

GMT 06:32 2016 الجمعة ,22 تموز / يوليو

ماء الورد ... مكون اساسي لجمالك
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon