عودة الإمبريالية

عودة الإمبريالية!

عودة الإمبريالية!

 لبنان اليوم -

عودة الإمبريالية

بقلم: عبد المنعم سعيد

التحذير واجب فى بداية المقال من أن الكاتب لا يضمن أن تكون الحقائق المعروضة سوف تكون باقية ساعة النشر؛ والسبب فى ذلك ليس بعيدًا عن القارئ وهو أن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب يمثل فصيلة جديدة من الرؤساء الأمريكيين لا تنفد مفاجآتها، وكان آخرها غزو فنزويلا!، وهى ليست آخر الغزوات ولن تكون آخرها. الرئيس ليس من جماعة الرؤساء الأمريكيين التى بدأت مع انتصار الثورة الأمريكية واستقرار الاتحاد الأمريكى على وثيقة الاستقلال والدستور وقائمة لحقوق الإنسان؛ ولا الجماعة التى عاشت قبل وبعد الحرب الأهلية الأمريكية حينما جرت التعديلات الدستورية 13 و14 و15 التى بعد تحرير العبيد، أعطت حقوقا سياسية لهم لم تلبث أن أخذت منها قوانين «جيم كرو» القائمة على مبدأ «متساوون ولكن مختلفون». ترامب مختلف أيضًا عن الجماعة الثالثة من الرؤساء الأمريكيين التى أخرجت أمريكا من عزلتها إلى العالم الفسيح وبدأت مع «ثيودور روزفلت» واستمرت حتى الرئيس «جوزيف بايدن»، ورغم الكثير من الغرابة فى ولايته الأولى فإن الرئيس ترامب كان لا يزال حريصًا على أن تبقى الولايات المتحدة على التقاليد التى استقرت عليها منذ مطلع القرن العشرين والتى سعت إلى وضع تقاليد «عالمية» ذات طبيعة قانونية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية؛ وطبيعة اقتصادية جاءت مع «العولمة» التى استقرت بعد سقوط الاتحاد السوفيتى وحتى جاءت الولاية الثانية للرئيس ترامب.

الولايات المتحدة لم تكن بعيدة عن «الإمبريالية التقليدية» فقد كان لديها سابقة استعمار الفلبين؛ ولكنها حرصت فيما بعد ذلك على تركيز النفوذ الاقتصادى الذى أصبح عالميا بعد اعتبار الدولار الأمريكى عملة عالمية معززة بالتفوق الصناعى والتكنولوجى وفتح أمريكا أذرعها للهجرة العالمية. الآن لم يعد الحال كذلك فى عصر ترامب الجديد الذى ظهرت له لمحات إمبريالية تشمل إعلان القوة المسلحة، والاستيلاء على الأرض، والفائدة الاقتصادية، وتجنب التكلفة الاقتصادية التى واكبت غزوات أمريكا السابقة فى فيتنام وأفغانستان والعراق. أول الملامح جاء ليس فقط تأييد إسرائيل فى غزوتها لغزة وإنما عرض أن تقوم الولايات المتحدة بالسيطرة على غزة وتحويلها إلى «ريفييرا» سياحية جالبة لكثير من الثروة. استعراض القوة جاء مع شن واشنطن بالمشاركة مع إسرائيل فى حرب الاثنى عشر يوما على إيران والتى دمرت القدرات التسليحية الإيرانية. وثانيها جاء مع الإعلان المباشر عن غزو فنزويلا وقيام الولايات المتحدة بإدارتها وتحذير القيادة الجديدة للدولة من عدم الانصياع للأوامر والرغبات الأمريكية وفى المقدمة منها قبول الشركات البترولية الأمريكية والتقديم الفورى على سبيل الجزية 2 مليون برميل من النفط مع منع خصوم الولايات المتحدة مثل الصين من الحصول على البترول الفنزويلى. قائمة الاستغلال المباشر للثروات الطبيعية التى تصاحب الإمبريالية عادة كانت صريحة حيث الاحتياطى النفطى على القمة فى العالم، ومعها الكثير من الذهب والمعادن النادرة التى تحرص قيادة ترامب على الحصول عليها من أوكرانيا وجرينلاند كما سوف نرى.

غزو فنزويلا يعود بالعالم إلى المرحلة السابقة للاستعمار خلال القرن التاسع عشر الذى جعل التوسعات «الإمبريالية» منظمة نتيجة التقدم التكنولوجى فى البحر بالسفن البخارية والسكك الحديدية والتلغراف. هو عودة للإمبريالية بعد التخلص منها أثناء القرن العشرين بعد مبادئ الرئيس «وودرو ويلسون» الأربعة عشر وإنشاء الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية وما أرسته من مبادئ. هذه المرة فإن العودة للإمبريالية تأتى فى ظل قوة فائقة للولايات المتحدة بعد التفوق فى الثورات الصناعية المتتالية والوقوف الصامت للقوى المنافسة لها؛ روسيا والصين، والوهن الشديد للقوى الأوروبية. أصبح الأمر تعبيرًا عن اختلال كبير فى توازن القوى العالمى وهو ما يبدو مشجعًا للرئيس ترامب لكى يعلن عن قائمة من التوسعات بالقوة المسلحة مثل التدخل بالعون العسكرى للمتظاهرين فى إيران، والتهديد بتدمير القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية. أكثر من ذلك فإن علامات اللحظة الإمبريالية تظهر من تغيير وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة الحرب الأمريكية، وتغيير أسماء الجغرافيا مثل استبدال خليج المكسيك بخليج أمريكا. أصبح مصاحبًا لكل ذلك، خاصة بعد الغزوة الفنزويلية، الإعلان عن قائمة الدول التى سوف تتعرض للتهديدات الاستعمارية والتى تبدأ بجرينلاند ويتلوها دول فى أمريكا اللاتينية مثل كوبا وكولومبيا؛ وبينما الأولى التى تقع بها قاعدة عسكرية أمريكية هامة فإنها باتت «ضرورية للأمن القومى الأمريكى». وهذه المرة فإن هناك الكثير من الشواهد أن الغرض من ضم جرينلاند ليس استراتيجيًا فقط وإنما أيضًا من خلال الثروات الطبيعية بما فيها النفط والغاز والمعادن النادرة.

العودة الإمبريالية على هذا النحو تطرح حالة جديدة على «النظام الدولى» لا تزال فى بواكير زمنها بينما بقية العالم والقوى الكبرى فيه لا تزال تعيش مرحلة الذهول الأولى والتى نجح فيها ترامب فى خلق حالة من الاضطراب والترويض والخوف لدى دول مثل الصين وروسيا وحتى المملكة المتحدة وألمانيا واليابان. إسرائيل فى هذه الساحة تبدو مشاركة فى هذه الحالة أولًا بتأييد الولايات المتحدة فيما تقول به وتفعله؛ وثانيًا بالإعلان عن توجهاتها الإمبريالية الخاصة بإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وضم الأراضى الفلسطينية بالغزو أو بالاستيطان. السؤال هو: ماذا تفعل مصر والعرب تجاه هذا النظام الاستعمارى الجديد؟!

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عودة الإمبريالية عودة الإمبريالية



GMT 06:24 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

الحلّ الأرخص

GMT 06:22 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

«القاهرة» ومعنى القراءة

GMT 06:20 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

سردية الاستقرار في مواجهة خرائط الانفصال

GMT 06:19 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

لبنان وتحدي إعادة تأسيس الدولة

GMT 06:14 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

ترمب يحوّل الثوابت إلى خيارات

GMT 06:13 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

الملف اليمني... تطورات مثيرة

GMT 06:10 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

إيران... سيناريوهات حروب مُعَجَّلة أو مُؤَجَّلة

GMT 06:07 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

ماجد الكدواني نجومية على نار هادئة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 18:07 2026 الإثنين ,19 كانون الثاني / يناير

إطلالات راقية تبرز أناقة الفنانات السعوديات في حفل Joy Awards
 لبنان اليوم - إطلالات راقية تبرز أناقة الفنانات السعوديات في حفل Joy Awards

GMT 15:01 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 13:43 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 22:27 2022 الخميس ,17 شباط / فبراير

شاومي يطرح حاسوب لوحي مخصص للكتابة

GMT 07:26 2023 الثلاثاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2023

GMT 01:58 2015 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

حارس "الزمالك" محمد أبوجبل يرفض الدور الثانويّ

GMT 08:19 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

علاج حب الشباب للبشرة الدهنية

GMT 21:42 2018 الأحد ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

دراسة تكشف عن فائدة جديدة تخص الرضاعة الطبيعية

GMT 05:17 2015 الجمعة ,28 آب / أغسطس

هوامش
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon