الجيش في زمن الربيع العربي

الجيش في زمن "الربيع العربي"

الجيش في زمن "الربيع العربي"

 لبنان اليوم -

الجيش في زمن الربيع العربي

عريب الرنتاوي
تكشّفت ثورات "الربيع العربي" وانتفاضاته، عن الدور المحوري الذي يلعبه الجيش لا في حماية الحدود والنظام العام فحسب، بل وفي حفظ الدولة والمجتمع سواء بسواء .. في الدول التي انهارت في الجيوش وتفككت، انهارت الدول وتفسخت المجتمعات وعمّت الفوضى والحروب الأهلية وشتى أنواع الاقتتالات. العراق، ومن قبله الصومال، وفّرا أول النماذج للأثر التدميري الشامل لتفكك الجيش وانحلاله .. جاءت ليبيا لتقدم مثالاً آخر على الفوضى المستحكمة والمستدامة المترتبة على غياب الجيش أو تغييبه .. أما مصر وتونس فلولا الجيش، وانحيازاته الواضحة للإرادة الشعبية كما صاغتها الغالبية العظمى من المواطنين، لكان البلدان قد تورطّا في حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس .. ما يجري في ليبيا من فوضى شاملة، وتحكم المليشيات والعصابات وتغلغل القاعدة والسلفية الجهادية فوق ترابها، يؤكد الحاجة للجيش ودوره المحوري. وإن كان ثمة من بصيص أمل في خروج العراق من عنق الزجاجة، بعد أن خرج من حفرة "الفصل السابع" التي وقع فيها قبل أكثر من عقدين من الزمان، فإنه يتجلى في الجيش الوطني القادر... وفي الصومال, فإن "نواة الجيش الصومالي" هي القشة التي يتعلق بها الصوماليون للخروج من قبضة "القاعدة" و"الشباب" وحروب الطوائف والقبائل والعصابات والقراصنة .. أما مصر وتونس، فالجيش هو ضمانة "عدم تغوّل" القادمين الجدد للسلطة، بكل الشبق والنهم والرغبة في الهيمنة والاستئثار، توطئة للاستبداد والتفرد .. لولا وجود الجيش على منصة المراقبة، لعاث هؤلاء تنكيلاً بخصومهم وإمعاناً في تهميش "الآخر". سوريا تنهض كشاهد على محورية دور الجيش، فهو الذي يبقي الدولة حتى الآن، وهو الذي يوفر "اللاصق" الضرورية لعيش المكونات السورية المشترك .. وإذا ما قُدّر للجيش السوري أن ينهار ويتفكك، فأقرأوا على سوريا السلام .. وانتظروا أن تنبثق على أطلاقها "سوريات" عديدة، مقسمة وفقاً لخرائط المذاهب والأقوام. لبنان المفكك طائفياً ومذهبياً، والموزّعة رئاساته ومؤسساته وسلطاته وأجهزته على الطوائف وفقاً لأحجامها وأوزانها، لبنان هذا ما كان ليبقى قطعة واحدة حتى اليوم، لو أن جيشه توزّع بدوره على الطوائف والمذاهب .. ولقد جاء انتصار الجيش قبل أيام على "بؤرة الفتنة المذهبية" ومشروع ميليشيا القتل على الهوية، لكان لبنان، قد التحق بالعراق وسوريا، واستعاد صور حربه الأهلية المديدة والمريرة، ولكنا قد فتحنا صحفة جديدة في سفر التفكك العربي، خاصة بهذا القطر الشقيق. وفي تركيا، ما كان لأردوغان وتياره في حزب العدالة والتنمية، أن ينحو مذهبياً ودينياً، وأن يبدأ بتفكيك علمانية الدولة التركية، وأن يتعامل مع خصومه بكل هذه الغطرسة والاستعلاء والاستكبار، لولا أنه نجح في إضعاف الجيش، وأعادته إلى "البراكسات"، وبترحيب أوروبي وغربي واسع، تبدي عواصم عدة، ندمها الشديد عليه. ثمة قوى عديدة، الإسلامية بخاصة، "تكره جيوشها الوطنية"، ليس لأن عقيدتها القتالية لا تنهض على "العداء لإسرائيل" كما يزعم الناطقون باسمها، بل لأنها ستظل شوكة في حلق هذه القوى، تمنعها من فرض سلطانها المتفرد .. بعضها يستهدف الجيش عسكرياً وبصورة مباشرة، كما يفعل الجهاديون والسلفيون والقاعدة في معظم الدول، فهذه التيارات لا تنمو إلا خارج الدولة وعلى أنقاضها .. وثمة قوى إسلامية أخرى، تسعى في اختراق الجيش لتدبير انقلابات بواسطته للوصول إلى السلطة، وفي هذا المجال برع الإخوان والقوميون، وحول هذا الهدف تركزت جهود "حزب التحرير الإسلامي" .. لكن في غالب الأحوال، فإن الجماعة الإخوانية، تفضل استهداف الجيش بالوسائل السياسية، ومن بينها التشكيك بدوره الوطني والقومي، ومن بينها الإساءة لصورته ومكانته، خصوصاً حين يكون في الخندق المقابل لها، أما حين تتواطئ الجيوش معها، فتسقط عنها كل هذه الاتهامات دفعة واحدة، وقد يصبحون "جند الله في أرضه". في الأردن، لم يبلغ الوضع الأمني منذ أكثر من أربعين حالة اضطرت فيها الدولة للجوء إلى الجيش على نطاق واسع .. تمت الاستعانة بوحدات من الجيش لمواجهة تحديات بعينها لكن المؤسسة العسكري ظلت بعيدة عن السياسة وتقلباتها ويجب أن تبقى كذلك. والجيش الأردني، يعد اليوم آخر المؤسسات التي تحظى بإجماع الأردنيين، لم تتناوله سهام النقد والتجريح، ولم تستهدفه المظاهرات والاعتصامات والحراكات الشعبية والشبابية .. ويكاد يتوفر الإجماع الوطني على ضرورة إبعاد الجيش عن السياسة والانتخابات ليظل بعيداً عن التجاذبات. وكما في مختلف الدول العربية، فإن للجيش وظيفة حماية الحدود، فضلاً عن الوظيفة الضاغطة في مناخات الربيع العربي: حماية الدستور وقواعد اللعبة السياسة والمصالح العليا للدولة والمجتمع .. ولهذا السبب بالذات، يجب توخي الحذر في الدعوة لأي إجراءات أو تغييرات، يمكن أن تمس من مكانة الجيش وهيبته ودوره وموقعه، فقد صرنا في زمن تحوّلت فيه الجيوش، إلى نقيض الميليشيات المصطرعة والاحتراب الأهلي والفوضى الشاملة.
lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الجيش في زمن الربيع العربي الجيش في زمن الربيع العربي



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 13:48 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 13:13 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 16:45 2019 الخميس ,04 إبريل / نيسان

أبرز الأحداث اليوميّة عن شهر أيار/مايو 2018:

GMT 15:05 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

تملك أفكاراً قوية وقدرة جيدة على الإقناع

GMT 11:09 2020 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 14:16 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

يوم مميز للنقاشات والاتصالات والأعمال

GMT 19:42 2021 الأحد ,04 تموز / يوليو

63 حالة إيجابية على متن رحلات وصلت إلى بيروت

GMT 11:09 2020 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

اتيكيت التعامل مع المدير

GMT 09:00 2021 السبت ,02 كانون الثاني / يناير

حكومة لإطفاء مشاكلنا الداخلية؟!
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon