نحو عالم جديد أكثر انقساماً وأقل ترابطاً

نحو عالم جديد أكثر انقساماً وأقل ترابطاً

نحو عالم جديد أكثر انقساماً وأقل ترابطاً

 لبنان اليوم -

نحو عالم جديد أكثر انقساماً وأقل ترابطاً

بقلم:هدى الحسيني

مما لا شكّ فيه أنّ العالم الذي عرفناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بقوانينه وأعرافه ومبادئه، قد تغيّر ولن يعود إلى ما كان عليه. فتوافق المجتمع الدولي، تحت قبّة الأمم المتحدة في نيويورك، على احترام سيادة الدول وحقوق الإنسان، وحماية المستضعف من اعتداء الأقوى، ومعاقبة مَن يخالف القوانين الدولية -وهي كلها وُضعت لحماية السلام العالمي ومنع قيام حروب كبرى كارثية- قد ولّى. والأحداث الأخيرة في العالم تدلّ على أنّ هذا النظام الدولي قد تغيّر فعلاً، وأنّ البديل لم تتضح معالمه بعد.

لم تكن العملية الأميركية في فنزويلا، وسَوْق رئيس الجمهورية نيكولاس مادورو مكبَّلاً إلى المحاكمة في الولايات المتحدة، العملية الوحيدة من نوعها. لكن الجديد فيها أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن صراحةً عن استيلائه على منابع النفط وإدارة الإنتاج، وهو ما قال إنه سيؤمّن مردوداً ضخماً سيستفيد منه الفنزويليون، وسيغطّي أيضاً تكلفة الخسائر الأميركية الناتجة عن تصدير المخدرات من قبل نظام مادورو، إضافةً إلى تكلفة العملية العسكرية الأخيرة وإدارة فنزويلا المستقبلية. وبكل بساطة، لم يجد الرئيس ترمب حرجاً في القول إنها عملية غزو سيغنم فيها من خيرات البلاد، تماماً كما كان يحصل في زمن الإمبراطوريات.

السؤال هو: ما حاجة الولايات المتحدة إلى النفط وهي تملك احتياطياً هو الأكبر في العالم؟ الجواب أنّها تريد السيطرة على عملية توزيع النفط في العالم، وبذلك تُسيطر على الدول المستهلكة. فالصين، التي تستورد 70 في المائة من نفط فنزويلا، ستُصبح خاضعة لشروط وإملاءات المسيطر على النفط الفنزويلي، أي الولايات المتحدة. وإذا ما أسهمت واشنطن في إحداث تغيير في النظام الإيراني ليصبح موالياً لها، فإنّ 90 في المائة من نفط إيران الذي يذهب إلى الصين سيصبح أيضاً خاضعاً لإملاءات واشنطن.

ويستمر مسلسل التغيير بإصرار الرئيس ترمب على ضم غرينلاند، جزيرة السبعة والخمسين ألف نسمة، التي تغمرها الثلوج معظم الوقت. وهي خطوة قد تؤدي إلى خلاف حاد مع الاتحاد الأوروبي، الذي ينبري للدفاع عن حق الدنمارك في غرينلاند، فضلاً عن احتمال تفكك حلف «الناتو» إذا ما أقدم ترمب على احتلال الجزيرة عسكرياً. فما أهمية غرينلاند لكي تستأهل تعريض علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها لهذا الخطر؟ الجواب هو الكمّ الضخم من اليورانيوم والسيليكون والبوكسيت والحديد الموجودة في باطن الجزيرة، التي تطمح الولايات المتحدة إلى السيطرة عليها أينما وُجدت، وبذلك تسيطر على عملية توزيعها على الدول المستهلكة، وأولها الصين.

وببساطة، ما تريده الولايات المتحدة هو التحكّم في توزيع مواد الإنتاج، فتُخضع الدول المنتجة لإملاءات تناسب مصالحها. وعندها لا بأس -من هذا المنظور- إذا احتلت الصين تايوان التي تنتج 89 في المائة من الشرائح الدقيقة المستخدمة في معظم الأجهزة حولنا، إذ إنّ إنتاجها سيكون خاضعاً للتحكم الأميركي إذا ما نجح ترمب في مخططاته.

ولا يقتصر هذا التحوّل على حالات معزولة أو قرارات ظرفية، بل يعكس انتقالاً أعمق في منطق إدارة العلاقات الدولية، من منطق القواعد إلى منطق المصالح الصريحة. ففي السنوات الأخيرة، تراجعت مكانة القانون الدولي والمؤسسات المتعددة الأطراف لصالح صفقات ثنائية، واتفاقات قوة، وتوازنات تقوم على مَن يملك الموارد الحيوية، ومَن يسيطر على طرق نقلها وتوزيعها. ومع تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، لم تعد المواجهة عسكرية مباشرة، بل اقتصادية وتكنولوجية وطاقوية في جوهرها؛ حيث تصبح المواد الخام، وسلاسل الإمداد، والمعادن النادرة، وممرات التجارة أدوات صراع لا تقل خطورة عن الصواريخ والطائرات.

فالمعادن النادرة، مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل، باتت تُشكّل عصب الصناعات الحديثة من بطاريات السيارات الكهربائية إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة. وتُظهر الأرقام أنّ الصين تُسيطر اليوم على ما يزيد على 60 في المائة من عمليات تكرير هذه المعادن عالمياً، في حين تعتمد الولايات المتحدة وأوروبا على الاستيراد لتأمين حاجاتها منها. وهذا ما يفسّر اندفاع واشنطن المتزايد نحو مناطق غنية بهذه الموارد، سواء في أميركا اللاتينية أو أفريقيا أو القطب الشمالي، ومحاولتها إعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي، بما يضمن لها اليد العليا في مرحلة التحوّل الصناعي المقبلة.

في هذا السياق، تُصبح السيطرة على النفط، والمعادن، وأشباه الموصلات، والممرات البحرية الكبرى -من مضيق ملقا إلى قناة بنما والقطب الشمالي- جزءاً من استراتيجية واحدة، هدفها التحكم في شرايين الاقتصاد العالمي. فالدولة التي تتحكم في تدفق المواد الأساسية تستطيع التأثير في نمو الآخرين؛ في صناعاتهم، وفي أسعارهم، وفي استقرارهم الاجتماعي والسياسي. ومن هنا لم يعد الاستقرار هدفاً بحد ذاته، بل أداة لإدارته أو زعزعته وفق الحاجة.

ويظهر هذا المنطق أيضاً في العقوبات الاقتصادية التي تحوّلت من وسيلة ضغط سياسية إلى سلاح بنيوي يعاد به تشكيل الأسواق والاصطفافات. فالدول التي تُعاقَب لا تُعاقَب فقط سياسياً، بل يُعاد توجيه تجارتها، وعملاتها، ومصارفها، واستثماراتها قسراً نحو محاور بديلة، ما يخلق عالماً أكثر انقساماً وأقل ترابطاً. وهكذا، بدل أن تكون العولمة شبكة واحدة، تتحوّل تدريجياً إلى كتل اقتصادية متنافسة، لكل منها منظومتها المالية والتجارية والتكنولوجية الخاصة.

وفي ظل هذا المشهد، تتآكل فكرة «المصلحة الدولية المشتركة» لصالح مفهوم «الأمن القومي الاقتصادي»، حيث تُعاد صياغة كل شيء -من التجارة إلى البيئة إلى التكنولوجيا- بلغة الأمن والتهديد والسيطرة، وهذا ما يجعل الصراع المقبل أقل وضوحاً في شكله، لكنه أعمق أثراً في نتائجه، لأنه يطول أسس الحياة اليومية للدول والمجتمعات، من الطاقة والغذاء إلى العملة والتكنولوجيا والوظائف.

ويبقى السؤال الأهم: ما الذي سيحلّ مكان النظام العالمي الذي شارف على نهايته؟ وما حجم المخاض الذي سيعانيه العالم في ولادة نظام جديد؟ هذا ما سنتناوله في المقال المقبل!

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نحو عالم جديد أكثر انقساماً وأقل ترابطاً نحو عالم جديد أكثر انقساماً وأقل ترابطاً



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 15:40 2021 الجمعة ,10 كانون الأول / ديسمبر

أسلوب الكلام الراقي حسب قواعد الإتيكيت

GMT 01:07 2018 الأربعاء ,17 كانون الثاني / يناير

السيد يكشف أنّ العلاج بجزيئات الذهب يقضي على السرطان

GMT 01:56 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

وفاة الفنان المصري هادي الجيار بعد صراع مع كورونا

GMT 09:33 2019 الثلاثاء ,18 حزيران / يونيو

نصائح مُهمّة لتنظيم أفراح صيف 2019

GMT 10:58 2022 السبت ,19 آذار/ مارس

واشنطن ومطرقة روسيا وسندان الصين

GMT 17:47 2025 الإثنين ,20 تشرين الأول / أكتوبر

زيلينسكي يطالب بتجميد الحرب قبل محادثات السلام

GMT 08:10 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

فيتامينات ومعادن أساسية ضرورية لشيخوخة أفضل صحياً

GMT 19:23 2024 السبت ,27 إبريل / نيسان

أكذوبة النموذج الإسرائيلي!

GMT 17:55 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

احدث موديلات فساتين زفاف لعام 2021 للعروس الممتلئة

GMT 04:22 2018 الأربعاء ,22 آب / أغسطس

العيب فى بعضنا وليس فى الإسلام!
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon