هندسة القرار السيادي لماذا أصاب نواف سلام

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

 لبنان اليوم -

هندسة القرار السيادي لماذا أصاب نواف سلام

نورا علي المرعبي كاتبة وباحثة لبنانية
بقلم : نورا علي المرعبي *

في كل مرة يدخل فيها لبنان دوامة الانقسام، ننشغل بالإجابة قبل أن نتفق على السؤال. نختلف حول السلاح، أو التفاوض، أو الحكومة، أو التوازنات السياسية، لكننا نتجاوز السؤال الذي يسبق كل ذلك: من يملك شرعية تعريف المصلحة الوطنية عندما يتعلق الأمر بالقرارات المصيرية؟

هذا السؤال ليس تفصيلاً دستورياً، ولا ترفاً فكرياً، بل هو جوهر الدولة الحديثة. ففي أدبيات بناء الدولة والأمن القومي، لا تُعرَّف السيادة بامتلاك وسائل القوة وحدها، وإنما بوجود مرجعية شرعية واحدة تمتلك حق اتخاذ القرار الاستراتيجي، وتتحمل مسؤوليته كاملة أمام المجتمع والقانون والتاريخ. فالمشكلة لا تبدأ عندما تتعدد أدوات القوة، بل عندما تتعدد الجهات التي تقرر متى تُستخدم هذه القوة ولماذا.

لهذا السبب، أرى أن كثيراً من الانتقادات التي وُجهت إلى تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام أخطأت في تشخيص القضية. فالجدل انصبّ على مضمون التصريحات، بينما تكمن أهميتها في أنها أعادت طرح سؤال تأسيسي: هل يريد لبنان أن يبقى دولة تتقاسم فيها المرجعيات القرار السيادي، أم دولة تُدار وفق قاعدة واضحة تجعل المسؤولية والقرار وجهين لعملة واحدة؟هيئات تنفيذية

لقد تغيّر مفهوم الأمن القومي بصورة جذرية خلال العقود الأخيرة. لم يعد الأمن يعني حماية الحدود فقط، بل حماية الاقتصاد، والعملة، والطاقة، والبنية الرقمية، والثقة بالمؤسسات، والقدرة على اجتذاب الاستثمار، والحفاظ على الكفاءات البشرية. ولم تعد الدولة القوية هي تلك التي تمتلك أكبر ترسانة، بل تلك التي تستطيع دمج جميع عناصر قوتها ضمن استراتيجية وطنية واحدة، يقودها قرار سيادي موحّد.

من هنا، فإن الحديث عن حصرية القرار الاستراتيجي ليس موقفاً أيديولوجياً، بل ضرورة مؤسساتية. فالدولة التي تفاوض هي نفسها التي تلتزم بالاتفاقات. والدولة التي تخوض الحرب هي نفسها التي تعيد الإعمار، وتحمي الاقتصاد، وتواجه التداعيات الاجتماعية، وتُحاسَب أمام مواطنيها. أما إذا انفصلت سلطة اتخاذ القرار عن سلطة تحمل نتائجه، فإن الدولة تتحول إلى جهة تُطالب بتحمل الأعباء من دون أن تمتلك كامل أدوات القرار.

إن تأييدي لما طرحه دولة الرئيس نواف سلام لا ينبع من تأييد لشخص أو لحكومة، بل من اقتناع بأن الدولة لا يمكن أن تستعيد معناها إذا بقي قرارها الاستراتيجي موزعاً بين أكثر من مرجعية. فالقضية ليست مواجهة مع أي مكوّن لبناني، وليست إنكاراً لتضحيات أو لتاريخ، وإنما دفاع عن مبدأ يُشكّل أساس كل دولة مستقرة: أن القرار الذي قد يغيّر مصير شعب بأكمله يجب أن يصدر عن المؤسسة التي تمثل الشعب بأكمله، وتخضع لمساءلته.

قد يختلف اللبنانيون في تقييم الخيارات السياسية، وهذا حق مشروع. لكن لا ينبغي أن يختلفوا على قاعدة أكثر عمقاً: لا يمكن بناء دولة قابلة للحياة إذا كانت مسؤولية القرار منفصلة عن شرعية القرار. فالدولة الحديثة ليست مجرد جهاز إداري، بل منظومة متكاملة تربط بين السلطة والمسؤولية والمحاسبة. وهذه المعادلة هي التي تمنح القرار الوطني شرعيته، وتحميه من أن يتحول إلى رهينة موازين قوى متغيرة.

إن أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس نقص الإمكانات، بل تشتت المرجعيات. فالدول لا تخسر مكانتها لأنها تفتقر إلى عناصر القوة، بل لأنها تعجز عن تنظيمها داخل مشروع وطني واحد. وعندما تغيب هندسة القرار السيادي، تصبح السياسة الخارجية مرتبكة، والاقتصاد هشاً، والاستثمار متردداً، وتصبح ثقة المواطن بدولته أولى الضحايا.

من هذا المنطلق، فإن ما طرحه دولة الرئيس نواف سلام لا يستحق أن يُختزل في سجال سياسي عابر. إنه يعيد توجيه النقاش نحو سؤال الدولة نفسها: هل نريد دولة تمتلك وحدها حق اتخاذ القرار المصيري لأنها وحدها تتحمل تبعاته، أم نريد استمرار معادلة تتوزع فيها السلطة بينما تبقى الدولة وحدها مطالبة بتحمل الكلفة؟

لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على امتلاك القوة، بل بقدرتها على تنظيمها، وضبطها، وربطها بالمصلحة الوطنية. فالقوة التي لا تحكمها مرجعية سيادية موحدة قد تحقق مكاسب آنية، لكنها تعجز عن إنتاج استقرار دائم. أما الدولة التي تنجح في توحيد قرارها، فإنها لا تحمي حدودها فحسب، بل تحمي مستقبلها أيضاً.

ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يحكم النقاش اللبناني لم يعد: من يمتلك القوة؟ بل: هل يمتلك لبنان هندسة سيادية تجعل كل عناصر قوته تعمل ضمن مشروع وطني واحد؟

هناك يبدأ بناء الدولة.
وهناك، في تقديري، تكمن القيمة الحقيقية لما دعا إليه دولة الرئيس نواف سلام.هيئات تنفيذية

* نورا علي المرعبي كاتبة و باحثة لبنانية

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هندسة القرار السيادي لماذا أصاب نواف سلام هندسة القرار السيادي لماذا أصاب نواف سلام



GMT 14:56 2023 السبت ,07 كانون الثاني / يناير

الطبابة في حوض الفولغا

GMT 14:53 2023 السبت ,07 كانون الثاني / يناير

أميركا... زمن «فرسان الساحات الخالية»

GMT 14:51 2023 السبت ,07 كانون الثاني / يناير

مقتطفات السبت

GMT 14:49 2023 السبت ,07 كانون الثاني / يناير

عام جديد من النزاعات والتحديات المستمرة والمتجددة

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 13:40 2021 الإثنين ,13 أيلول / سبتمبر

حضري بشرتك لاستقبال فصل الخريف

GMT 13:34 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

رحالة رومانية خاضت تجربة العيش مع أسرة سعودية بسبب "كورونا"

GMT 10:52 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

انخفاض بأسعار البنزين والمازوت في لبنان

GMT 05:15 2021 الثلاثاء ,05 كانون الثاني / يناير

لجنة الانضباط تفرض عقوبات على الأندية العمانية

GMT 08:43 2023 الأربعاء ,22 آذار/ مارس

موديلات حقائب ربيع وصيف 2023

GMT 13:46 2025 الأحد ,13 إبريل / نيسان

جنات تستعد لطرح أغنيتها الجديدة بطل تمثيلك

GMT 07:34 2024 الإثنين ,23 أيلول / سبتمبر

براد بيت يتألق بساعات فاخرة تلفت أنظار الجميع

GMT 07:08 2020 الثلاثاء ,28 تموز / يوليو

أسعار الذهب في لبنان الثلاثاء 28 يوليو - تموز

GMT 11:33 2022 الأحد ,24 إبريل / نيسان

تألقي بمجوهرات الربيع لإطلالة أنيقة

GMT 18:36 2023 الأربعاء ,05 إبريل / نيسان

حقائب فاخرة لأمسيات رمضان الأنيقة

GMT 22:47 2021 الأربعاء ,11 آب / أغسطس

فيسبوك تتيح إيموجي صوتية لتطبيق ماسنجر
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon