فرنسا ومأزق تجميد العملية السياسية

فرنسا ومأزق تجميد العملية السياسية

فرنسا ومأزق تجميد العملية السياسية

 لبنان اليوم -

فرنسا ومأزق تجميد العملية السياسية

بقلم:جمعة بوكليب

في اللهجة المحكية الليبية يسمّون الزقاق «زَنقة». و«الزنقة» كلمة من فصيح لسان العرب، وتعني الطريق أو الزقاق الضيق. «الزنقة» ذاعت وانتشرت خلال انتفاضة «فبراير 2011» حين توعّد الراحل العقيد معمر القذافي الثوار، في خطاب مشهور ألقاه في معسكر باب العزيزية بالملاحقة، قائلاً: «شارع شارع... زنقة زنقة... دار دار». وهناك مثل شعبي ليبي يقول «وقفتِ الزنقة للهارب»، أي أن «الزنقة» بنهاية موصدة، وبالتالي استحالت نجاته.

يمكن استعارة المثل الشعبي أعلاه في الحديث عن آخر تطورات الموقف السياسي في فرنسا بإحداث تغيير طفيف فيه، وذلك بإحلال اسم الرئيس ماكرون مكان الهارب، فيصبح: «وقفتِ الزنقة للرئيس ماكرون».

شهدت فرنسا خمسة رؤساء حكومات خلال واحد وعشرين شهراً، ثلاثة منهم في مدة لا تزيد على 13 شهراً. آخرهم سيباستيان لوكورنو استقال يوم الاثنين الماضي، أي بعد أقل من شهر من تعيينه. لكن الرئيس إيمانويل ماكرون أعلن في مساء اليوم نفسه أنه قرر منح رئيس الحكومة المستقيل 48 ساعة إضافية، لإجراء مباحثات أخيرة، على أمل أن يجد موافقة برلمانية تتيح تمرير ميزانية العام المقبل.

في يوم الخميس الماضي، اطلعتُ على تقارير في وسائل إعلام بريطانية تفيدُ بإمكانية إحداث ثغرة في الجدار. التقارير أفادت بأن رئيس الحكومة المستقيل وافق على تجميد قانون رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً، مقابل موافقة التيار اليساري في المعارضة على الميزانية. تجميد القانون استناداً إلى خبراء وسياسيين فرنسيين يُكلّف خزينة فرنسا ملايين اليوروات في العام المقبل والمليارات في عام 2027.

إنجاز حكومة سيباستيان لوكورنو الوحيد أنها سجلت رقماً قياسياً، كونها بقيت أقصر مدّة في الحكم منذ بدء الجمهورية الخامسة في عام 1958. استقالة رئيسها يوم الاثنين الماضي في بيان ألقاه أمام قصر الحكومة، وضعت الرئيس ماكرون بين مطرقة إعلان انتخابات تشريعية جديدة، كما تطالب رئيسة حزب التجمع الوطني مارين لوبان وسندان تقديم استقالته وإعلان انتخابات رئاسية، كما يطالب جان لوك ميلانشون رئيس التحالف اليساري (فرنسا الأبية).

الخياران أحلاهما مُرٌّ على رئيس يحظى بمكانة ملحوظة على المسرح الدولي، الذي كرّس نفسه لتوحيد القارة الأوروبية مقابل التخلص من هيمنة واشنطن، ويقود المعركة ضد الاجتياح الروسي في أوكرانيا.

أمرُ الاستقالة ليس مُفاجئاً. كانت كل المؤشرات والتكهنات والتوقّعات تؤكد أن رئيس الحكومة لوكورنو لن يبقى طويلاً، وأنه سيواجه جداراً صلباً من أحزاب معارضة تتأهب الفرصة للانقضاض على الرئيس ماكرون، ولن يخرج فرنسا من أزمتها. لكن الرئيس ماكرون كان في وضع يائس وبائس، فقامر بتعيينه وخسر.

تعويض الخسارة بمقامرة أخرى ورهان آخر على المستوى نفسه لا يبدو ممكناً، وقد تخلى عنه حُسنُ الحظ. وللإنصاف، ليس للرئيس ماكرون سوى لوم نفسه، بإقدامه في صيف 2024 على عقد انتخابات خاطفة، جاءت نتائجُها في صالح اليمين واليسار المتشددَين.

الرهانُ على لجوء الرئيس ماكرون إلى اختيار رئيس حكومة آخر من حزب التجمع الوطني اليميني بقيادة مارين لوبان، أو من تحالف اليسار بقيادة جان لوك ميلانشون المتشدد (فرنسا الأبية) للخروج من الأزمة؛ ليس وارداً في دفتر حسابات الرئيس ماكرون.

التقارير الإعلامية تتفق على أن الرئيس لن يدعو إلى انتخابات تشريعية جديدة، ولن يقدم استقالته. واستطلاعات الرأي العام تضع شعبية زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني على رأس القائمة بـ«30 نقطة»، يليها زعيم حزب فرنسا الأبية اليساري بـ«25 نقطة»، وفي آخر القائمة يتربع الرئيس إيمانويل ماكرون بـ«15 نقطة».

الوضع السياسي الحالي في فرنسا، يقول معلقون، يعيد إلى الأذهان الفوضى السياسية الضاربة التي سادت الجمهورية الرابعة قبل عام 1958. الجنرال شارل ديغول تمكّن من القضاء على الفوضى، آنذاك، من خلال دستور جديد، منح الرئيس صلاحيات واسعة. وبذلك ظهرت الجمهورية الخامسة، وتمكّن الجنرال الذي أصبح رئيساً من إعادة السفينة الفرنسية إلى مسارها، للخروج من المأزق السياسي الناجم عن برلمان معلّق لا يوجد فيه حزب واحد يحظى بأغلبية، وانقسامه بين يمين ويسار متشددَين يستحوذان على أكثر عدد من مقاعده، يعني تجميد العملية السياسية، وبقاء الحصان على عهده خلف العربة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اليوم، وفي غياب المنافذ والحلول، في وضعية لا يُحسد عليها؛ فهو لا يستطيع المضي قُدُماً، لأن «الزنقة لاطمة»، ولا يستطيع التراجع والانسحاب للخلف، لأن سكاكين خصومه مشحوذة وفي انتظاره.

من أجل خلاصه من الفخ الذي أوقع نفسه فيه، يجد نفسه ملزماً بتقديم تنازل يعدُّ كبيراً، بتجميد قانون رفع سن التقاعد. وحتى هذا ليس بضمانٍ كافٍ على انفراج الأزمة.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فرنسا ومأزق تجميد العملية السياسية فرنسا ومأزق تجميد العملية السياسية



GMT 08:30 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 12:56 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 11:57 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 22:08 2021 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

حملة ميو ميو لصيف 2021 تصوّر المرأة من جوانبها المختلفة

GMT 08:41 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

قوة إسرائيلية تتوغل داخل الأراضي اللبنانية

GMT 19:09 2023 الأحد ,09 إبريل / نيسان

تنانير عصرية مناسبة للربيع

GMT 17:31 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

غوغل تعرض أحدث نظارات الواقع المعزز

GMT 12:41 2025 الخميس ,16 تشرين الأول / أكتوبر

توقيع اتفاق أردني ـ إماراتي لإنشاء محطة طاقة شمسية

GMT 14:05 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

تتخلص هذا اليوم من بعض القلق

GMT 20:53 2025 الأحد ,14 أيلول / سبتمبر

"بيتكوين" تتجاوز 121 ألف دولار وسط تفاؤل تنظيمي

GMT 21:06 2023 الأربعاء ,14 حزيران / يونيو

أفضل العطور لفصل الصيف هذا العام

GMT 19:49 2018 الثلاثاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الحكم الدولي السلطان يعلن اعتزاله بشكل نهائي

GMT 12:37 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

فيلم "شيلي" يجمع كارين جيلان و "Awkwafina" بعد "جومانجي"
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon