ترمب يحوّل الثوابت إلى خيارات

ترمب يحوّل الثوابت إلى خيارات

ترمب يحوّل الثوابت إلى خيارات

 لبنان اليوم -

ترمب يحوّل الثوابت إلى خيارات

بقلم:جمعة بوكليب

وكأنَّ العالم كانَ في انتظار أن يأتيَه رئيس أميركي اسمُه دونالد ترمب، ليدخلَ دوامة حقبة جديدة في تاريخه الطويل. وها نحن الآن نعيش الحقبة الترمبية لنكون شهودَ عيان عليها. نتابعها في وسائل الإعلام، ونتمنّى ألا يطولنا منها ما طال غيرنا من تداعياتها.

ليس من السهولة بمكان على مراقب أو مؤرخ تخيّل شكل أميركا والعالم لدى مغادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب البيت الأبيض بعد ثلاث سنوات من الآن، مقارنة بما حدث من تغييرات خلال عام واحد فقط من ولايته الثانية. هذا طبعاً في حال امتثاله لنصوص الدستور الأميركي ولم يقم بتعديله بحيلة قانونية لتمديد وجوده في الحكم لأربع سنوات أخرى.

سواء اتفقنا مع الرئيس ترمب سياسياً أو اختلفنا، فلا أحد يجادل في حقيقة أنّه ظاهرة سياسية مميزة؛ كونه أضفى على منصب الرئيس سمة شخصية يحسده عليها كثيرون من قادة العالم، كونه الوحيد من بينهم القادر على تحقيق ما يريده، سواء بالطرق الدبلوماسية، أو بقوة السلاح، أو بالسطوة الاقتصادية.

تمكن الرئيس ترمب خلال عام واحد من محو ما يسمى «المنطقة الرمادية» في السياسة والاقتصاد. فالعالم بالنسبة له ولأنصاره يتكون من لونين فقط: أبيض أو أسود؛ أي مع أميركا أو ضدها. وبدقة أكثر: مع دونالد ترمب أو ضده.

أميركا في سياق الحقبة الترمبية تعني الرئيس دونالد ترمب. وشعار «أميركا أولاً» يفضي إلى حقيقة لا يختلف حولها عاقلان وهي: ترمب أولاً.

المقارنة بين ترمب ومن سبقه من رؤساء أميركا لا تخضع للمنطق التقليدي، لأن الرئيس ترمب ليس رئيساً تقليدياً مثلهم، ولأنه تجرأ، منذ البداية، على التحليق والتغريد خارج السرب، بل وأثبت أنه لا يخضع لقوانين الجاذبية تلك التي عملت على شدّ وكبح غيره من الرؤساء الأميركيين قبله إلى أصفاد القانون الأميركي والدولي، وإلى الصراع مع الكونغرس. أثبت الرئيس ترمب قدرته على الطيران فردياً من دون جناحين، بطيرانه من فنزويلا إلى غرينلاند في وقت قياسي، وأي محاولة جرت لإيقافه جوبهت بوعيد وتهديد بعقوبات فورية عبر فرض التعريفات الجمركية. أزمة شراء غرينلاند ومعارضة حلفائه الأوروبيين تسببت في غضبه وإطلاق تهديدات بجلدهم بسوط التعريفات الجمركية. وهذا يوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن التعريفات الجمركية لا علاقة لها بالأمن الاقتصادي أو عدم الإنصاف الذي تتعرض له أميركا في تعاملاتها التجارية مع بقية الدول، أو بهدف حماية القوى العاملة الأميركية كما كان يدّعي. الرئيس ترمب أدرك ويدرك أن من يملك سوقاً بحجم السوق الأميركية، يملك الحق في وضع شروط الدخول إليها من «الباب الرئيسي» وبالثمن الذي يراه هو مناسباً. قد يكون ذلك الثمن الخضوع والإذعان لمشيئته ورغباته هو، وملّوحا عالياً بالسوط.

في سابقة أخرى غير معهودة، طالعتنا وسائل الإعلام مؤخراً بخبر تنازل المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو (الفائزة بجائزة نوبل للسلام 2025) عن جائزتها للرئيس ترمب. ورغم الابتسامات التي ظهرت بها أمام عدسات المصورين، فإن التنازل لم يكن طوعياً، بل كان سعياً لنيل رضا رئيس حانق وغاضب عليها، مما أدى به إلى التقليل من شأنها علناً وتهميشها كزعيمة معارضة للنظام الفنزويلي. الحصول على رضا الرئيس ترمب ليس سهلاً، وتبيّن كذلك أنه مكلف جداً في آن واحد. وها هو الآن يبتسم منتصراً بعد أن حظي بالجائزة التي امتُنعت عنه سابقاً؛ فبالنسبة له، العبرة دائماً بالنتائج لا بالوسائل.

لم يتوقف الأمر عند حدود السياسة الخارجية؛ بل إن البيت الأبيض نفسه شهد تغييرات بملايين الدولارات أثارت زوابع سرعان ما سكنت. ووصلت ذروة التحدي حين أعلن الرئيس ترمب حرباً شعواء على رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي، متجاوزاً الموانع التي شُيدت لحماية استقلالية النظام المالي منذ تأسيسه.

في سابقة تاريخية، تمكن الرئيس ترمب من قهر الموانع مثل «تسونامي سياسي» بقفزة واحدة، وأخضع المؤسسات لسلطان قراراته التنفيذية بعيداً عن ضجيج جدال الكونغرس، لأنه لا يعترف بالحدود، سواء كانت قوانين دولية أو أعرافاً دبلوماسية. هذا الواقع سيجعل مهمة المؤرخين مستقبلاً صعبة وسهلة في آن. الصعوبة تكمن في استحالة التنبؤ بالشكل الذي سيكون عليه العالم بعد انتهاء ولايته. وسهلة لأن التعرض لسيرته بالدراسة والتحليل مغرية وسهلة الرصد من خلال الوثائق. والأهم، أن الرئيس ترمب خلق «سابقة تاريخية» لكل من سيشغل البيت الأبيض، بعد أن حول الرئيس ترمب الحدود المؤسسية من ثوابت إلى خيارات.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ترمب يحوّل الثوابت إلى خيارات ترمب يحوّل الثوابت إلى خيارات



GMT 06:37 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

شروط القمرة

GMT 06:34 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بداية النهاية للترمبية كما تزعم «واشنطن بوست»؟!

GMT 06:32 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

GMT 06:30 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

تشويه الإصلاح مقامرة بلبنان!

GMT 06:27 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

عن تقلّبات الطقس والسياسة

GMT 06:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

إلى أي مدى سينجح مجلس السلام في صناعة بديل؟

GMT 06:13 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حرب المخدرات والجرائم البشعة

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 07:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل
 لبنان اليوم - أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل

GMT 09:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
 لبنان اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 19:21 2022 الأربعاء ,01 حزيران / يونيو

البدلة السوداء خيار كلاسيكي للرجل الأنيق

GMT 12:52 2021 الأربعاء ,04 آب / أغسطس

طريقة عناق حديثي الولادة تؤثر على صحتهم

GMT 10:32 2021 الأربعاء ,11 آب / أغسطس

جرعة أمل من مهرجانات بعلبك “SHINE ON LEBANON”

GMT 21:51 2020 الأربعاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

نادي فيردر بريمن الألماني يجدد عقد المدير الفني حتى عام 2022

GMT 16:48 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

باشي يتسلم مهامه في مولودية الجزائر

GMT 23:35 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

تعرفي على أصول فن و قواعد اتيكيت تناول الطعام

GMT 18:49 2025 الإثنين ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

قوات الاحتلال تهدد العمال من عدم التوجه للقدس

GMT 16:31 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

الجزائري عسله الأكثر تصديًا للكرات في الدوري

GMT 12:38 2022 الخميس ,17 شباط / فبراير

واتس آب يطرح أفضل ميزات الخصوصية على الإطلاق

GMT 22:49 2020 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

إليكِ أبرز ديكورات مغاسل الضيوف تعرّفي عليها

GMT 09:07 2021 السبت ,13 شباط / فبراير

القانون اليتيم

GMT 09:30 2016 الأربعاء ,11 أيار / مايو

لازم يكون عندنا أمل

GMT 20:25 2019 الإثنين ,15 تموز / يوليو

حيل مكياج لإخفاء الهالات السوداء بالكونسيلر
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon