غزة المنطقة المحظورة في التاريخ

غزة المنطقة المحظورة في التاريخ

غزة المنطقة المحظورة في التاريخ

 لبنان اليوم -

غزة المنطقة المحظورة في التاريخ

بقلم : محمد الرميحي

تعيش اليوم غزة حالة فريدة، لا تشبه حرباً كاملة ولا سلاماً حقيقياً، وكذلك الضفة الغربية، بل تقع بين فكّين ضاريين، اللاسلم واللاحرب، كذلك لبنان، وهي منطقة رمادية من التاريخ، لا تنتمي إلى الحرب النظامية، ولا إلى التهدئة المستقرة، هذه الحالة المعلقة جعلت من القطاع الذي يقطنه أكثر من مليونين من البشر نموذجاً مأساوياً لتجمد الصراع، وتآكل الأمل، في ظل الحصار والانقسام والدمار المتكرر، تحوّلت غزة إلى رمز الانتهاك الإنساني البشع، وساحة صراع مفتوح، تستنزف الجميع، الفلسطينيين والعرب، حتى القوى الكبرى.

حينما تغلق كل أبواب السياسة، تبقى الشعوب رهينة الجغرافيا، وتصبح المناطق مثل غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان مجمدة، لا يسمح لها بالتقدم، ولا بالتحرر.

منذ عام 1948 كانت الأراضي الفلسطينية دائماً ضحية موقعها بين الأسوار، بين إسرائيل التي ترى فيها إطاراً أمنياً، وبين سلطة فلسطينية منقسمة، لا تريد أن تجدد نفسها، وبين عالم عربي يحتار كيف يتعامل مع هذه المأساة، وقوى أخرى في المنطقة تريد أن تستفيد من هذا الصراع عن بعد.

هي مثل صارخ على ما يسميه المؤرخون «الفراغ السياسي القاتل» حين تتوقف حركة التاريخ، ويمتنع الحلّ فيعلق المجتمع في حالة انتظار دائمة، تفرخ هذه الحالة تفكيراً سياسياً مشعوذاً، في انتظار إنقاذ من خارج قدرة الإنسان.

الحالة ليست جديدة على التاريخ، فالعالم شهد حالات مشابهة، كمثل شبه جزيرة كوريا بعد الحرب الكورية 1953 التي انتهت باتفاق هدنة دون سلام دائم، وظلت الحدود مشتعلة والعداء مستمراً إلى يومنا هذا، ومليون من اللاجئين ينتظرون المصالحة التي لم تأتِ، وربما لن تأتي.

مدينة برلين قسمت بين الشرق والغرب طوال الحرب الباردة، حيث عاش الناس خلف جدار، بين الشك والخوف، وكانت المدينة رمزاً للعجز الدولي، حتى جاء المخرج من الخارج، بتغير نظام الاتحاد السوفياتي.

أما المنطقة الأخرى فهي منطقة كشمير بين الهند وباكستان، تجمد فيها الصراع لعقود، وبين وقت وآخر كانت القنابل تتفجر، فأهلكت السكان، وضاعت التنمية، وتحول الإقليم إلى ساحة صراع، حتى يومنا هذا.

غزة اليوم تحمل كل ملامح تلك التجارب، حدوداً مغلقة، واقتصاداً مشلولاً وانقساماً داخلياً وبشراً مطحونين. تدويل الصراع يفقده روحه الوطنية والإنسانية، في ظل انقسام حاد بين القوى الفلسطينية، والبقاء في المكان للسلطة الفلسطينية، والبقاء في الزمن القديم لـ«حماس».

في ظل هذا الجمود يعيش أهل غزة بين الفقر والعزلة والتبعية، فانخفضت معدلات التعليم والرعاية الصحية إلى أدنى مستوياتها، وخسر جيل كامل فرصة التعليم، لا يعرف إلا الحرب والدمار، ولا يرى في العالم سوى حصار وبطالة وتهجير، وتحول الإبداع الفلسطيني من البناء، إلى محاولة البقاء، من الحلم بالدولة إلى البحث عن الكهرباء والماء والدواء، وتآكلت الطبقة الوسطى، التي كانت ركيزة الاستقرار، وتراجع مفهوم الدولة لصالح الفصائل، فأصبح المشروع الوطني الفلسطيني نفسه مهدداً بالانكماش إلى حدود جغرافية ضيقة، وذاكرة مجروحة، وتضحيات كبرى.

لم تبقَ مأساة غزة داخلها، بل تسربت إلى الجوار العربي سياسياً وإنسانياً، فالعرب في أقطارهم المختلفة يتعاطفون مع تلك المأساة، يتذمرون في داخلهم، وتحدث بينهم انقسامات حادة أيضاً، إما في العواصم العربية، أو في داخل المجتمع الواحد، تجاه عناوين «المقاومة» و«التطبيع».

كل ذلك أضعف القضية الفلسطينية في وجدان جزء من الشارع العربي، بعد أن تحولت من رمز للتحرير إلى رمز للانقسام، ودفعت بعض الدول العربية إلى الانكفاء على مصالحها الأمنية، وتدخلت قوى إقليمية لدفع أجندتها باسم القضية. واستمرار هذا الوضع جعل العواصم الكبرى من واشنطن إلى لندن إلى باريس تفقد حماسها لأي مبادرة جادة. تدير الصراع، ولكن لا تستطيع أن تقوم بحلّه، ما يعني أن المحركات الخارجية التي كانت تضغط نحو التسوية، بالتعاون مع عرب الاعتدال، فقدت زخمها، حتى التعاطف الذي تراكم إبان العامين الماضيين بردت وتيرته، وبدأ الجمود يتحول إلى قدر سياسي دائم.

الخطر الحقيقي ليس في الدمار المادي فقط، بل في تآكل المعنى، حين يولد الطفل الفلسطيني وهو لا يعرف سوى الطائرات والملاجئ والرصاص، ويتحول السلام في ذهنه إلى وهم، والعدالة إلى شعار فارغ. ومع مرور الزمن، تصبح الذاكرة الجمعية للفلسطينيين مشبعة بالمرارة، ويتحولون من بشر إلى قنابل بشرية، وتتحول غزة من قضية إلى قدر، ومن زمن المقاومة إلى زمن المأساة.

غزة لا تحتاج إلى شفقة، ولا إلى مؤتمرات، بل إلى رؤية شجاعة، يقودها الفلسطينيون موحدين، تخرجها من هذا البرزخ التاريخي. الدرس من برلين وكوريا وكشمير وغيرها يؤكد أن حالة اللاسلم واللاحرب أخطر من الحرب نفسها، لأنها تقتل ببطء. كسر هذا الجمود يتطلب من العرب أن يستعيدوا دورهم، لا كشهود على المأساة، بل كصناع المستقبل الجديد، للقول للفصائل كفى تشتتاً، وعليكم بالوحدة، كي تعاد للإنسان الفلسطيني كرامته، وللتاريخ حركته.

آخر الكلام... لا الحرب كانت خلاصاً، ولا السلام كان وعوداً صادقة، وحدها الإرادة الفلسطينية الموحدة قادرة على صياغة المعنى الجديد للحياة بعد الرماد.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غزة المنطقة المحظورة في التاريخ غزة المنطقة المحظورة في التاريخ



GMT 08:30 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 12:56 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 11:57 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 22:08 2021 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

حملة ميو ميو لصيف 2021 تصوّر المرأة من جوانبها المختلفة

GMT 08:41 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

قوة إسرائيلية تتوغل داخل الأراضي اللبنانية

GMT 19:09 2023 الأحد ,09 إبريل / نيسان

تنانير عصرية مناسبة للربيع

GMT 17:31 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

غوغل تعرض أحدث نظارات الواقع المعزز

GMT 12:41 2025 الخميس ,16 تشرين الأول / أكتوبر

توقيع اتفاق أردني ـ إماراتي لإنشاء محطة طاقة شمسية

GMT 14:05 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

تتخلص هذا اليوم من بعض القلق

GMT 20:53 2025 الأحد ,14 أيلول / سبتمبر

"بيتكوين" تتجاوز 121 ألف دولار وسط تفاؤل تنظيمي

GMT 21:06 2023 الأربعاء ,14 حزيران / يونيو

أفضل العطور لفصل الصيف هذا العام

GMT 19:49 2018 الثلاثاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الحكم الدولي السلطان يعلن اعتزاله بشكل نهائي

GMT 12:37 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

فيلم "شيلي" يجمع كارين جيلان و "Awkwafina" بعد "جومانجي"
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon